اليكم الان تركيا أردوغان: حاضنة الحركات الإسلامية في زمن التضييق والان إلى التفاصيل من المصدر ترك برس
أحمد شوقي عفيفي - خاص ترك برس
لم يكن الحضور المتنامي لتركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان داخل الوجدان الإسلامي المعاصر وليد الإنجازات الاقتصادية أو النجاحات السياسية الداخلية فحسب، بل ارتبط ارتباطا وثيقا بالدور الذي اضطلعت به في احتضان أعداد كبيرة من أبناء الحركات الإسلامية والعلماء والمفكرين والدعاة والإعلاميين الذين دفعتهم ظروف الملاحقة السياسية أو حملات التضييق والإقصاء إلى مغادرة أوطانهم. ومن ثم، تبلورت في أذهان شرائح واسعة من المسلمين صورة خاصة لتركيا بوصفها إحدى أبرز الحواضن التي فتحت أبوابها للمظلومين والمنفيين في زمن ضاقت فيه المنافذ، وأوصدت فيه الأبواب في وجوه كثير من أبناء الأمة.
ولم تتشكل هذه الصورة من فراغ، وإنما أسهم في ترسيخها تداخل عوامل تاريخية وسياسية وحضارية متعددة. فتركيا ليست دولة عادية في الذاكرة الإسلامية الجمعية، بل هي وريثة الدولة العثمانية التي مثلت على مدى قرون طويلة مركز الثقل السياسي والحضاري للعالم الإسلامي. وعلى الرغم من التحولات العميقة التي شهدتها الجمهورية التركية عقب سقوط الخلافة العثمانية، فإن ذلك الإرث التاريخي ظل حيا في وجدان المسلمين يستعيد حضوره كلما برزت تركيا في مشهد الأمة حتى تجددت ملامحه بصورة أوضح مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم مطلع الألفية الثالثة.
ومنذ السنوات الأولى لهذا التحول السياسي، أخذت تتشكل ملامح رؤية جديدة لتركيا تجاه محيطها الإسلامي قوامها الانفتاح على قضايا الأمة، وتعزيز جسور التواصل مع شعوبها، والانخراط بصورة أكثر فاعلية في معالجة أزماتها الإنسانية. وقد انعكس ذلك في اتساع الحضور التركي في ساحات الإغاثة والعمل الإنساني، وفي تنامي الاهتمام بالقضايا التي تشغل الرأي العام الإسلامي، الأمر الذي أكسب أنقرة مكانة خاصة لدى قطاعات واسعة من المسلمين.
ومع مرور الوقت، غدت تركيا وجهة يقصدها العلماء والباحثون والدعاة والناشطون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لما وجدوه فيها من مساحة أرحب للحركة والعمل والتعبير مقارنة بما كانت تتيحه لهم أوطانهم في ظروف سياسية مضطربة. وهكذا تحولت المدن التركية، وفي مقدمتها إسطنبول إلى ملتقى لطاقات فكرية وعلمية وإعلامية متنوعة، وجدت في تركيا بيئة أكثر قدرة على استيعابها واحتضان عطائها في مرحلة اتسمت بكثرة التحديات وشدة التضييق.
وجاءت التحولات الكبرى التي عصفت بالعالم العربي عقب عام 2011 لتمنح هذا الدور أبعادا أكثر اتساعا وعمقا. فمع اندلاع الثورات العربية وما أعقبها من انقلابات سياسية وصراعات داخلية وحملات اعتقال وملاحقات واسعة وجد آلاف السياسيين والدعاة والمفكرين والإعلاميين أنفسهم مضطرين إلى مغادرة أوطانهم بحثا عن فضاء أكثر أمنا وقدرة على استيعابهم. وفي خضم هذه المتغيرات برزت تركيا بوصفها إحدى أبرز الوجهات التي فتحت أبوابها أمام هؤلاء، ومنحتهم فرصة الإقامة والعمل ومواصلة رسالتهم الفكرية والإعلامية بعيدا عن أجواء القمع والإقصاء.
وقد تجلى ذلك بوضوح في احتضان شخصيات تنتمي إلى مدارس فكرية واتجاهات دعوية متنوعة تنتمي إلى حركات إصلاحية ومؤسسات علمية ومراكز بحثية ومنابر إعلامية متعددة. وخلال سنوات قليلة تحولت إسطنبول إلى واحدة من أهم الحواضر الفكرية في العالم الإسلامي، تستقطب المئات من الأكاديميين والباحثين والكتاب والإعلاميين القادمين من مختلف الأقطار حتى غدت ملتقى للنقاشات الفكرية والندوات العلمية والمؤتمرات الدولية التي جمعت بين تجارب ورؤى متعددة تحت سقف واحد. ولم يقتصر الدور التركي على توفير الملاذ الجغرافي فحسب، بل تجاوزه إلى إتاحة مساحة معتبرة من حرية التعبير والعمل الفكري والإعلامي. فقد شهدت تركيا نشأة عشرات المؤسسات الإعلامية والمراكز البحثية والمنصات الثقافية التي أسهمت في إبقاء كثير من الأصوات حاضرة في المشهد الفكري والإعلامي بعد أن كانت مهددة بالتهميش أو الإقصاء أو الغياب القسري. وبذلك أصبحت تركيا بالنسبة إلى كثير من المنفيين أكثر من مجرد بلد إقامة، بل فضاء جديدا للعمل والإنتاج والتأثير.
وزاد من رسوخ هذه المكانة أن السياسة التركية في عهد أردوغان ارتبطت بمواقف لاقت صدى واسعا في أوساط الشعوب الإسلامية. فقد ظلت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الخطاب السياسي التركي كما اضطلعت أنقرة بأدوار إنسانية بارزة في عدد من بؤر الأزمات من سوريا إلى ميانمار والصومال وغيرها. وأسهمت هذه المواقف في تعزيز صورة تركيا بوصفها دولة تسعى إلى الموازنة بين مقتضيات المصلحة الوطنية وواجب المسؤولية الأخلاقية تجاه قضايا الأمة، الأمر الذي أكسبها مكانة خاصة في وجدان قطاعات واسعة من المسلمين حول العالم.
ولا يكتمل الحديث عن هذا الدور دون الوقوف عند التجربة الإنسانية الكبرى التي خاضتها تركيا في استضافة الملايين من اللاجئين الذين دفعتهم الحروب والصراعات إلى مغادرة أوطانهم. فقد تحولت الأراضي التركية خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكبر الحواضن الإنسانية في العالم، واستقبلت أعدادا هائلة من النازحين، وفي مقدمتهم ملايين السوريين الذين فروا من أتون الحرب بحثا عن الأمن والاستقرار. وعلى الرغم من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والخدمية الهائلة التي فرضها هذا الواقع، فإن تركيا واصلت تحمل مسؤولياتها، وسعت إلى توفير الحماية والرعاية والخدمات الأساسية لملايين البشر الذين فقدوا المأوى والأمان في أوطانهم.
غير أن هذه التجربة على ما حملته من أبعاد إنسانية وأخلاقية، لم تكن بمنأى عن التعقيدات والتحديات. فالدول لا تتحرك في فراغ، وإنما تتأثر بموازين القوى الإقليمية والدولية كما تخضع لضغوط السياسة والاقتصاد ومتطلبات الأمن القومي. ومن ثم، وجدت أنقرة نفسها في بعض المراحل مضطرة إلى إعادة تقييم بعض سياساتها، أو مراجعة بعض مواقفها، أو إعادة ترتيب أولوياتها بما ينسجم مع المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم. ذلك أن العلاقات الدولية تحكمها شبكة معقدة من المصالح والحسابات بقدر ما تحكمها المبادئ والقيم، وهو ما جعل السياسة التركية تمر بمحطات متعددة من المراجعة والتكيف خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، فإن هذه التحولات لم تمح الصورة التي استقرت في أذهان قطاعات واسعة من المسلمين تجاه تركيا في عهد أردوغان. فقد ظلت تنظر إليها باعتبارها واحدة من أبرز الوجهات التي احتضنت المظلومين والمنفيين، ووفرت لكثير من العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين فرصة لمواصلة رسالتهم بعد أن ضاقت بهم أوطانهم، أو أغلقت في وجوههم أبواب العمل والتأثير. ولم تعد إسطنبول بالنسبة إلى كثير منهم مجرد مدينة يقيمون فيها، بل غدت فضاء جديدا للحياة والإنتاج والعطاء، ومنصة انطلقت منها أفكار ومبادرات ومشاريع تركت أثرها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
لقد استطاعت تركيا في عهد أردوغان أن تبني لنفسها مكانة خاصة في الوجدان الإسلامي المعاصر، لا بما حققته من إنجازات اقتصادية وتنموية فحسب، بل بما مثلته من نافذة أمل لكثير من أبناء الأمة في مرحلة اتسمت بكثرة الأزمات وتزايد مظاهر الإقصاء والتضييق. ومن هنا فإن تجربة تركيا في احتضان الحركات الإسلامية والشخصيات العلمية والفكرية والدعوية ستظل واحدة من أبرز الظواهر السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم الإسلامي في العقود الأخيرة، وتجربة ستبقى محل دراسة ونقاش وتقييم مهما تباينت المواقف والآراء حولها. فهي في نظر مؤيديها نموذج لدولة حاولت أن تمنح المظلومين مساحة للتنفس والعمل، وفي نظر آخرين تجربة سياسية تخضع كسائر التجارب لمعادلات المصالح وتحديات الواقع. غير أن ما لا يكاد يختلف عليه كثيرون هو أن تركيا الأردوغانية تركت بصمة واضحة في مسار الحركات الإسلامية المعاصرة، وأسهمت في تشكيل جزء مهم من المشهد الفكري والسياسي للعالم الإسلامي خلال العقود الماضية.
المراجع:
1. إيريك زوركر، تاريخ تركيا الحديث.
2. كمال هـ كربات، من الإمبراطورية إلى الجمهورية.
3. إم. هاكان يافوز، أردوغان: صناعة قائد.
4. أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي.
5. صحيفة الأناضول.
تركيا أردوغان حاضنة الحركات الإسلامية في زمن التضييق
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
ترك برس تركيا أردوغان حاضنة الحركات الإسلامية في زمن التضييق
كانت هذه تفاصيل تركيا أردوغان: حاضنة الحركات الإسلامية في زمن التضييق نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على ترك برس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

