اخبار محلية رهان بعيد المدى : كيف نجح المغرب أن يصنع من الهجرة انتماء ؟

رهان بعيد المدى كيف نجح المغرب أن يصنع من الهجرة انتماء


اليكم الان رهان بعيد المدى : كيف نجح المغرب أن يصنع من الهجرة انتماء ؟ والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس

المستقبل لن يكون حليفا للدول التي تنجح في تسييج حدودها لمنع مواطنيها من العبور، إذ لم تفلح في ذلك دول عبر التاريخ، بل سينتمي إلى تلك الأمم التي تتقن كيف تجعل من الحركة والترحال نمطا متجددا للتواصل، ومن البُعد والمسافة تعبيرا بليغا عن عمق الانتماء، ومن رأسمال مغتربيها لبنة أساسية في تشييد مستقبل وطني مشترك. وهذا، لربما، هو رهان المغرب بعيد المدى.–

احساين إلحيان *

في تلك الأمسية التي تغلب فيها المغرب على هولندا، في واحدة من أكثر مباريات كأس العالم 2026 إثارة وحبسا للأنفاس، بقيت مستيقظا لفترة طويلة بعد أن استقرت ركلة الجزاء الأخيرة في الشباك، حيث كنت أحاول جاهدا استيعاب ما عشته للتو، تماما كملايين المغاربة المنتشرين في شتى بقاع الأرض؛ إذ عشنا تسعين دقيقة من الهيجان الكروي، تلتها أشواط إضافية مرهقة، ثم ذلك الضغط العصبي الرهيب الذي صاحب ركلات الترجيح.

ولم تكن تفاصيل المباراة نفسها هي ما علق بوجداني، بل ما أعقبها من أحداث حين بدأ هاتفي يهتز بسيل من الرسائل المتتالية؛ كانت أولاها عبر الفيسبوك من طالب مكسيكي سابق لي، كتب فيها بحماس: «¡Vamos لثلاث ساعات كاملة صرت مغربيا، تماما كما كان حال الملعب بأكمله هنا في مونتيري». ولم تمض سوى دقائق معدودة حتى وصلتني رسالة أخرى من زميل في أتلانتا بولاية جورجيا، تنحدر عائلته من أصول برازيلية عريقة، ليقول لي: «يا لها من مباراة عظيمة! لقد أصبح المغرب فريقا يُهاب جانبه».

ورغم أن أيّا من المرسلَين لم يكن مغربيا، إلا أنهما عاشا ساعات طوالا وهما يؤازران المغرب بعاطفة حقيقية وصادقة؛ فكانا يحتفلان بكل قطع للكرة، وبكل تصد، وبكل هدف، وكأن النتيجة تمسهما في الصميم، وكأنهما ولجا، ولو للحظات، غمار العالم الوجداني للمغاربة. وهذه هي المعجزة التي تصنعها كرة القدم أحيانا؛ إذ تحول المتفرجين إلى مشاركين، وتجعل من الغرباء رفاقا، لتبني في غضون ساعات قليلة وطنا مؤقتا للجميع.

وأنا أقرأ تلك الرسائل من مقر إقامتي في توسان، وجدتني غارقا في التفكير، لا في ركلات الترجيح، بل في تلك الجغرافيا الممتدة التي رسمتها الكلمات؛ فالمباراة أقيمت في مونتيري بالمكسيك، وهناك طالب مكسيكي غدا لثلاث ساعات مغربيا بملء إرادته، بينما عائلة برازيلية لا تزال تتغنى بجمالية الأداء المغربي. ومن هناك، سافرت بي أفكاري إلى قرى وادي زيز في الجنوب الشرقي للمغرب حيث نشأت، وهي القرى ذاتها التي غادرتها أجيال من الشبان نحو المدن المغربية أولا، قبل أن يعبروا المتوسط بحثا عن الفرص، ولقمة العيش، ومستقبل مغاير.

في أيّ مشروع وطني يمكنه إقناع هؤلاء الشباب ؟

في تلك الساعات الوجيزة، بدا وكأن المغرب ينبض في آن واحد؛ في مونتيري، وأتلانتا، وتوسان، وأمستردام، وبروكسل، ومدريد، وباريس، وفي عمق وادي زيز. لم يعد مجرد بقعة جغرافية محددة على الخريطة، بل غدا حيا وموجودا في كل مكان ينبض فيه قلب يحمل همّ مستقبله؛ وهذا الإدراك البسيط هو ما قادني في النهاية إلى سؤال من نوع آخر. لماذا المغرب؟ وكيف لطالب سابق في المكسيك وعائلة برازيلية، يتابعون المباراة من على بُعد آلاف الأميال، أن يجدوا أنفسهم متعلقين وجدانيا بنجاح المغرب إلى هذا الحد؟

الجواب السهل هو كرة القدم، فهي غالبا ما تدعونا لتشجيع الطرف الأضعف؛ ومع ذلك، فإن الكثير من الفرق الضعيفة تمر دون أن يلتفت إليها أحد، لكن المغرب أصبح شيئا مختلفا: بلدا يزداد رغبة الآخرين في تشجيعه، غير أن كرة القدم ليست سوى السطح المرئي لقصة أعمق بكثير.

فلم تكن مباراة مونتيري إلا الواجهة المرئية للمنافسة، بينما كانت هناك منافسة أكثر هدوءا تتكشف فصولها منذ سنوات في أكاديميات الشباب، وحول الموائد العائلية، وفي مكاتب اتحادات كرة القدم عبر أوروبا؛ إذ لم يكن السؤال الحقيقي يكمن ببساطة فيمن سيفوز بتسعين دقيقة من اللعب، بل في أيّ مشروع وطني يمكنه إقناع هؤلاء الشباب المتنقلين عالميا بأن مستقبلهم ينتمي إليه، ولو جزئيا.

وإذا نظرنا إلى الأمر من هذا المنظور، لم تكن ركلات الترجيح نهاية بقدر ما كانت تجليا؛ إذ كشفت عن تحول كان يتشكل في صمت منذ عقود، ولم تكن كرة القدم إلا الأداة التي أظهرته للعيان؛ فرغم أنه لا يمكن لرياضة واحدة أن تفسر كنه أمة، إلا أن الرياضة تسلط الضوء أحيانا على التحولات الاجتماعية قبل وقت طويل من ظهورها في مجالات أخرى.

وتبدأ هذه القصة الأعمق من البحر الأبيض المتوسط؛ إذ غالبا ما نتخيله كخط فاصل يفصل أوروبا عن شمال إفريقيا، لكنه بالنسبة للمغاربة ظل لفترة طويلة ممرّا لا حدودا، فعلى مدى القرن الماضي، حملت هذه الرقعة المائية جنودا، وعمالا، وطلابا، ولاعبي كرة قدم، وأطباء، ومهندسين، ومقاولين، وحالمين. لم يتغير البحر نفسه، بل ما تغير هو معنى العبور.

تاريخ طويل من الحركة، والعمل، والتضحية، والارتباط

فخلال الحرب العالمية الأولى، عبر الجنود المغاربة المتوسط للقتال في ساحات المعارك الأوروبية، وعبروه مجددا خلال الحرب العالمية الثانية للمشاركة في الصراع ضد الفاشية والمساهمة في تحرير أوروبا من الاحتلال النازي؛ ورغم أن أسماءهم نادرا ما تحتل مركزا في الذاكرة التاريخية الأوروبية، إلا أن تضحياتهم شكلت جزءا من الثمن الإنساني لحرية أوروبا. ولم يكد غبار تلك المعارك يهدأ حتى جاء عبور من نوع آخر، حمل فيه الرجال هذه المرة حقائب الغداء بدلا من البنادق؛ فساهم العمال المغاربة في إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب في مناجم الفحم ببلجيكا، ومصانع فرنسا، وموانئ هولندا، وسكك حديد ألمانيا، وورش البناء في المدن الأوروبية الآخذة في التوسع، وهكذا لم تُبن أوروبا بأيدي الأوروبيين فحسب، بل بسواعد عمال عبروا المتوسط، ومن بينهم مئات الآلاف من المغاربة.

ثم التحق أبناؤهم بالمدارس الأوروبية، ودخل أحفادهم الجامعات، والمستشفيات، والمختبرات، وشركات الهندسة، والأعمال، والمؤسسات الثقافية، وأكاديميات كرة القدم، ليصبحوا أطباء، وعلماء، وأساتذة، وفنانين، ومقاولين، ومهندسين معماريين، ولاعبي كرة قدم من النخبة. وما المنتخب الوطني المغربي إلا التعبير الأكثر وضوحا عن هذا التاريخ الطويل من الحركة، والعمل، والتضحية، والارتباط.

ولعقود من الزمن، جرى تفسير هذا التاريخ بأفكار شائعة، تختصر الأمر في أن مع كل موهبة ترحل، أوروبا تكسب، والمغرب يخسر، وهو ما أسماه علماء الاقتصاد في النهاية بـ “استنزاف الأدمغة”. ولاحقا، ظهرت مفاهيم أكثر تفاؤلا مثل “استقطاب الأدمغة”، و”تدوير الكفاءات”، و”الشبكات العابرة للحدود الوطنية”، لكنها كانت كلها تطرح السؤال نفسه: هل تضعف الهجرة الموطن الأصلي أم تقويه؟ وفي خضم هذه الأسئلة الحائرة، وأنا أتابع المنتخب الوطني، بدأت أدرك أن السؤال نفسه لم يعد كافيا لاستيعاب الواقع؛ فماذا لو لم تكن الهجرة مجرد حركة نزوح للبشر بعيدا عن أمتهم، بل تحولا في كيفية وجود هذا الوطن وتجلّيه؟

إن العديد من أبرز لاعبي كرة القدم في المغرب لم يعودوا إلى ديارهم بالمعنى التقليدي؛ فهم يعيشون في أوروبا، ويلعبون للأندية الأوروبية، ويتنقلون في مسارات احترافية عالمية، ومع ذلك، عندما يجدون أنفسهم أمام أحد القرارات المصيرية في مسيرتهم المهنية، يختار الكثير منهم المغرب.

لقد تولت أوروبا تدريبهم، لكن المغرب منح نجاحهم معنى آخر، وهو معنى لم يولد من رحم كرة القدم وحدها، وإنما جرت رعايته حول الموائد العائلية، وخلال الزيارات الصيفية، وفي حفلات الزفاف وأماسي رمضان، وفي الأحاديث اليومية بالدارجة والأمازيغية. فالأكاديميات الأوروبية صقلت القدرات التقنية، في حين تولت الأسر المغربية استدامة الارتباط العاطفي، ليكون المنتخب الوطني هو المساحة التي التقى فيها هذان العالمان.

وغالبا ما يوصف قرار تمثيل المغرب بأنه خيار رياضي فردي، غير أن أي شخص ملمّ بتفاصيل الحياة الأسرية المغربية يعلم أن مثل هذه القرارات نادرا ما تخص فردا بمفرده، إذ إنها تحمل في طياتها ثقل تضحيات آباء عبروا المتوسط، وأجداد حافظوا على ذاكرة القرى التي غادروها، وأبناء تعلموا أن بإمكان المرء أن ينجح في أي مكان في العالم دون أن يكف عن الانتماء إلى موطن بعينه.

إن التدريب يصنع المهارة، لكن الانتماء يصنع التضحية. قد يتعلم اللاعب أصول اللعبة في أمستردام، أو روتردام، أو بروكسل، أو باريس، أو مدريد، أو برشلونة، لكنه يظل يشعر بأن المعنى الأعمق للنصر يكمن في مكان آخر: في حضن أمٍّ بعد صافرة النهاية، وفي فخر أبٍ، وفي الجغرافيا العاطفية لوطن سافر دائما مع أهله.

بالإمكان النجاح في أي مكان دون الكف عن الانتماء إلى موطن بعينه

هؤلاء اللاعبون لا يرفضون أوروبا، بل يجسدون مسارات متعددة في آن واحد، فهم أوروبيون في التكوين، ومغاربة في الارتباط. ولم يكن إنجاز المغرب يكمن في إقناع مغاربة العالم بالتخلي عن أوروبا، بل في إقناعهم بأن الوطن يمكن أن يتواجد في أكثر من مكان.

لقد قدمت المجتمعات الأوروبية لهؤلاء الشباب تدريبا متميزا وفرصا استثنائية، بيد أن الفرصة وحدها لا تلبي الرغبة الإنسانية في الاعتراف والتقدير؛ فالمغرب لم يكتفِ بمنحهم مكانا في الفريق، بل منحهم الشعور بأنهم جزء لا يتجزأ من سردية وطنية كبرى. ولعل تجارب الإقصاء في أوروبا قد عززت لدى البعض رحلة البحث عن الانتماء في مكان آخر، غير أنه لا يمكن اختزال جاذبية المغرب في مجرد رد فعل على التمييز؛ إذ يعكس هذا الانجذاب أيضا ثقة البلاد المتزايدة في تقديم مشروع وطني مقنع وخاص بها. فكلما ابتعد المغاربة في سفرهم عن المغرب، تعلم المغرب كيف يسافر معهم.

لم يحدث شيء من هذا قبيل الصدفة، ورغم أن الأمر يبدو اليوم حتميا عند النظر إلى الوراء، إلا أنه لم يلتفت إليه أحد في ذلك الوقت، أكاديميات أفضل، تدريب أجود، تنقيب صبور عن المواهب، وحوارات مستمرة مع العائلات واللاعبين على حد سواء. لقد توقف الاتحاد عن التعامل مع المغاربة في الخارج كأشخاص غادروا البلاد، وبدأ يعاملهم كأشخاص يظل مستقبلهم مرتبطا بمستقبل وطنهم.

وعلى مدى العقدين الماضيين، رفع المغرب بهدوء مما أسميه “الجاذبية الوطنية”؛ وهي ليست القوة التي تجبر الناس على العودة، بل القدرة على جعل المغاربة المتنقلين عالميا يشعرون بأن معارفهم، ومواهبهم، وطموحاتهم لا يزال لها متسع داخل مستقبل وطني مشترك. وترجمة لهذا التوجه، وتحت رؤية الملك محمد السادس وقيادة فوزي لقجع، أصبحت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أكثر من مجرد مؤسسة لتطوير اللاعبين، بل غدت مؤسسة ترعى الانتماء؛ فلم تكن كرة القدم يوما مجرد أداة لإنتاج لاعبين أفضل، بل تحولت إلى تجربة لإعادة ربط الأمة بذاتها.

إقناع أشخاص في شتى القارات بأنهم فاعلين في سردية وطنية واحدة

وثمة مورد آخر نادرا ما يقيسه الاقتصاديون ووكالات التنمية، فهو ليس نفطا ولا فوسفاطا، وليست تحويلات مالية ولا استثمارات أجنبية، بل هو تلك القدرة المذهلة على إقناع أشخاص تفرقوا في شتى القارات بأنهم ما زالوا فاعلين في سردية وطنية واحدة، وأنا أسمي هذا “رأسمال تمغربيت”.

وإذا كان رأسمال المغتربين يتكون من المعرفة، والخبرة المهنية، واللغات، والشبكات الدولية، والخبرات المؤسساتية التي راكمها المغاربة في الخارج، فإن “رأسمال تمغربيت” هو ما يسمح لهذه الموارد المشتتة بأن تتحول إلى شيء أكبر من مجرد نجاح فردي؛ إنه البنية التحتية الثقافية، والعاطفية، والمدنية التي تحول الحيوات المتفرقة إلى مشروع وطني مشترك. رأسمال المغتربين يقدم المعرفة، ورأسمال “تمغربيت” يمنحها المعنى. وعندما يلتقي الاثنان، تتحقق التنمية.

قبل جيل مضى، كان تمثيل المغرب يُصوَّر غالبا كخيار بديل يُلجأ إليه عندما تُغلق أبواب أوروبا، أما اليوم فلم يعد هذا الافتراض قائما؛ إذ بات بعض أكثر لاعبي كرة القدم الشباب موهبة في أوروبا يختارون المغرب حتى في ظل بقاء الأبواب مفتوحة أمامهم للعب مع المنتخبات الأوروبية. ولا يعكس هذا التغيير نجاحا رياضيا فحسب، بل يؤشر على أن المغرب قد أصبح وجهة موثوقة للطموح مثلما هو وجهة للعاطفة.

ولم تعد المنافسة اليوم تقتصر على اللاعبين، بل أصبحت المنافسة تتمحور حول قدرة الأمم على إقناع مواطنيها المتنقلين عالميا بأن مواهبهم تصنع فارقا في مستقبل جماعي أكبر. وهو يطرح معنى آخر لمفهوم الوطن.

إذ بات المغرب يشبه إلى حد كبير “أمة ممتدة”؛ لا توجد فقط داخل حدوده الترابية، ولكنها في كل مكان تستمر فيه العلاقات المتينة في ربط الناس بمستقبل مشترك. إن المغرب يعيش في الدار البيضاء والرباط، لكنه يعيش أيضا في أمستردام، وروتردام، وبروكسل، وباريز، ومدريد، ومونتريال، ونيويورك، وتوسان. إقليمه جغرافي، لكن أمتّه أمة روابط وصلات.

وقد سعت مجتمعات أخرى إلى بناء علاقات مماثلة، حيث حشدت أيرلندا مغتربيها في العالم عبر شبكات الأعمال والثقافة، واستندت الهند إلى مهندسيها ومقاوليها في الخارج، وشجعت الصين علماءها في المغترب على بناء مختبرات أبحاث في وطنهم، وحولت كوريا الجنوبية هجرة العودة إلى دينامية تكنولوجية، كما اعتمدت إسرائيل منذ فترة طويلة على شبكات عالمية من المعرفة والتمويل والابتكار. غير أن مسار المغرب يظل متميزا، فبخلاف أيرلندا، أو الهند، أو الصين، أو كوريا الجنوبية، أو إسرائيل، حيث ظهر ارتباط المغتربين أولا من خلال الأعمال أو العلوم أو التكنولوجيا، فإن التجلي الأكبر الأول لارتباط المغتربين بالمغرب قد تجسد فوق مستطيل كرة القدم. ومِن موقعي هذا، وبصفتي شخصا عاش حياته متنقلا بين الجنوب الشرقي للمغرب والجنوب الغربي الأمريكي، فقد أدركتُ أن الهجرة ليست مجرد انتقال للناس عبر المكان، بل هي أيضا انتقال للذاكرة، والالتزام، والمخيلة عبر الأجيال.

بالطبع، لم يصبح طالبي السابق مغربيا بحق لثلاث ساعات، لكن رسالته التقطت شيئا يفهمه غريزيا الملايين من المغاربة المتنقلين عبر العالم: وهو أن الانتماء يمكنه أن يسافر إلى مسافات أبعد بكثير من جوازات السفر. فالوطن ليس دائما هو المكان الذي يعيش فيه المرء.. إنه تلك القصة التي يستمر في العيش بداخلها، وتلك العلاقات التي يواصل رعايتها، وذاك المستقبل الذي لا يزال يشعر بالمسؤولية عن المساهمة في بنائه.

قبل قرن من الزمن، عبر الجنود المغاربة البحر الأبيض المتوسط للمساعدة في الدفاع عن أوروبا، ولاحقا، عبره العمال المغاربة مجددا للمساعدة في إعادة إعمارها. واليوم، يواصل أبناؤهم وأحفادهم عبور هذا البحر حاملين معهم المعرفة، واللغات، والثقة، والهويات المتعددة؛ فلم يكفوا يوما عن الانتماء إلى أوروبا، كما لم يكفوا أبدا عن الانتماء إلى المغرب. لقد تبين في النهاية أن الهجرة لم تنقص من المغرب شيئا. بل وسّعَته.

كرة القدم هي التجلّي الأبرز لهذا التحول

إن القوى ذاتها التي ألهبت حماس هؤلاء اللاعبين لارتداء قميص المنتخب، قادرة أيضا على إلهام الأطباء، والعلماء، وباحثي الذكاء الاصطناعي، والمقاولين، والمبدعين، شريطة أن يشيد المغرب مؤسسات تكون أهلا لثقتهم. إن التحدي الراهن يكمن في سحب هذه التجربة الناجحة من رقعة الملعب إلى سائر الميادين، وتحويل “رأسمال المغتربين” إلى طاقة وطنية فاعلة.

وفي عصر يتسم بحركية بشرية غير مسبوقة، لم يعد السؤال الجوهري الذي يؤرق الدول هو كيف تُبقي أبناءها داخل حدودها، بل كيف تصنع وطنا رحبا وعميقا بما يكفي فلا تذيب المسافات أواصر الانتماء إليه. إن البحر الأبيض المتوسط لم يتغير؛ بل ظل على عهده، لكن الذي تغير حقا هو كنه ما يعبره؛ فبعد أن حمل يوما جنودا ذادوا عن حرية أوروبا، وعمالا أرسوا دعائم اقتصادها، وعائلات تبحث عن أفق جديد، أصبح اليوم جسرا تعبره الأفكار، والخبرات، والاستثمارات، والذاكرة الحية، والفرص الواعدة.

وليست كرة القدم سوى الميدان الأول الذي تعلم فيه المغرب كيف يحول رأسمال المغتربين إلى طاقة وطنية، ويبقى السؤال الأكبر هو: هل يمكن للمنطق نفسه أن يحرك مجالات الطب، والذكاء الاصطناعي، والتعليم، والمقاولة، والسينما، والبحث العلمي؟ وإذا كانت كرة القدم قد أثبتت قدرة المغرب على إعادة التواصل مع المواهب المتنقلة عالميا، فلعلها تقدم أيضا لمحة عن نموذج تنموي أوسع، لا تُفهم فيه الهجرة أساسا على أنها خسارة، بل كخزان من المعرفة، والخبرة، والإمكانات التي تنتظر الاستثمار.

لقد تنافست الدول في الماضي على الأرض والحدود.. واليوم، تزداد منافستها على استقطاب المواهب، وغدا، قد تتنافس على كسب الانتماء، ويبدو أن المغرب قد بدأ يكتشف هذا الأمر قبل دول كثيرة أخرى.

وبذلك فكرة القدم تكشف عن جوانب تعجز نظريات التنمية غالبا عن التقاطها، فالطرق مهمة، والجامعات مهمة، والمختبرات مهمة، والاستثمار مهم، ولكن الاعتراف، والثقة، والذاكرة، والعائلة، والأمل، كلها أمور مهمة أيضا. فالتنمية تولد عاطفية قبل أن تصبح اقتصادية.

كما تذكرنا كرة القدم بأن العاطفة وحدها لا تكفي أبدا، فالانتماء يفتح الباب، لكن المؤسسات هي من يجب أن تبقيه مفتوحا. فالعلماء بحاجة إلى مختبرات، والأطباء بحاجة إلى مستشفيات، والمقاولون بحاجة إلى قواعد شفافة، والباحثون بحاجة إلى حرية أكاديمية.

وفي مكان ما من باريس، قد يكون طبيب أورام مغربي يتعاون حاليا مع زملائه في الرباط، وفي وادي السيليكون، قد يكون هناك مهندس يقدم المشورة لشركة ناشئة في الدار البيضاء، وفي مونتريال، قد يساهم مهندس معماري في تصميم مشروع بطنجة. ونادرا ما تحظى هذه التبادلات بذات الزخم والاهتمام اللذين تحظى بهما مباراة في كأس العالم، ومع ذلك، فقد تثبت الأيام أنها لا تقل عنها أثرا وأهمية على الإطلاق.

وإذا التفتنا إلى الوراء، فلم يكن فوز المغرب على هولندا مجرد جولة في منافسة كروية عابرة؛ بل كان تجسيدا لرهان المغرب بعيد المدى. وهو رهان لا يغض الطرف عن الكلفة الباهظة للهجرة، فكل طبيب أو مهندس أو باحث يغادر أرض الوطن يمثل نزيفا حقيقيا وخسارة لا تُعوض، كما أن الأصوات التي تنادي بتوفير شروط العيش الكريم والفرص الحقيقية محليا هي أصوات محقة وجديرة بأن تُسمع. غير أن جوهر التحدي يكمن في هندسة مؤسسات وطنية تجعل من قرار الاغتراب مجرد فصل من فصول العلاقة المستمرة مع الوطن، لا نقطة النهاية والانفصال التام.

ولعل المستقبل لن يكون حليفا للدول التي تنجح في تسييج حدودها لمنع مواطنيها من العبور، إذ لم تفلح في ذلك دول عبر التاريخ، بل سينتمي إلى تلك الأمم التي تتقن كيف تجعل من الحركة والترحال نمطا متجددا للتواصل، ومن البُعد والمسافة تعبيرا بليغا عن عمق الانتماء، ومن رأسمال مغتربيها لبنة أساسية في تشييد مستقبل وطني مشترك. وهذا، لربما، هو رهان المغرب بعيد المدى.–

* أنثروبولوجي وأستاذ جامعي بجامعة أريزونا.

ترجمة نيهاد القزو (نادي القلم المغربي – الدار البيضاء.)

ظهرت المقالة رهان بعيد المدى : كيف نجح المغرب أن يصنع من الهجرة انتماء ؟ أولاً على أنباء تونس.

رهان بعيد المدى كيف نجح المغرب أن يصنع من الهجرة انتماء



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


أنباء تونس رهان بعيد المدى كيف نجح المغرب أن يصنع من الهجرة انتماء

كانت هذه تفاصيل رهان بعيد المدى : كيف نجح المغرب أن يصنع من الهجرة انتماء ؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم