- الاكثر زيارة- اخبار محلية

اخبار محلية اقتصاد الانحطاط: عندما تكذب الأرقام وتقول المدينة الحقيقة

اخبار محلية
جو 24 قبل 3 ساعة و 15 دقيقة

اليكم الان اقتصاد الانحطاط: عندما تكذب الأرقام وتقول المدينة الحقيقة والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24:

كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني - 

كتبت هذا المقال حينما كانت نفسي تذوق مرارة الألم الناتج عما أراه يومياً من تردي الفكر والسلوك، عند كثيرٍ من الناس. فهناك أكاذيب يمكن كشفها بالتدقيق، وأخرى يفضحها الزمن، إلا أن أكثرها هشاشة تلك التي تكذبها المدينة نفسها. فالمدن لا تعرف الخطابة، ولا تجيد صناعة الشعارات، ولا تتقن فن العلاقات العامة. إنها تتحدث بلغة مختلفة؛ لغة الشوارع، والأرصفة، والوجوه، والروائح، والضجيج، وحركة الناس. ولذلك، فإن من أراد أن يعرف حقيقة اقتصاد دولة، فلا يبدأ بقراءة نشرات النمو، ولا بمتابعة المؤتمرات الصحفية، ولا بقراءة مقالات الكُتاب، بل يخرج إلى الشارع، وليدع المدينة تتحدث. فالاقتصاد الحقيقي لا يُقاس بما تقوله الحكومات عن نفسها، بل بما تقوله الحياة اليومية عنها. وفي المدينة التي تتحدث صباح مساء عن الرفاء، تجوب الشوارع سيارات تحمل مكبرات صوت تصرخ في أذن الناس، معلنة استعدادها لشراء الأثاث المستعمل. وما كان يوماً تجارة هامشية، أصبح اليوم جزءاً من المشهد الحضري، حتى خُيل للمرء أن البيوت لم تعد تقتني الأثاث، بل تبيعه قطعة بعد أخرى، وكأن الأسرة لم تعد تبني حياتها، وإنما تُقسط خسائرها، وتؤجل انهيارها، وتستهلك ماضيها لتستطيع شراء حاضرها. وبينما تمضي تلك السيارات في رحلتها، تتحرك في الاتجاه الآخر عربات أخرى لا تبحث عن مشترين، بل عن القمامة. رجال ونساء ينقبون في الحاويات كما ينقب علماء الآثار في المدن القديمة، غير أنهم لا يبحثون عن التاريخ، بل عن لقمة العيش. يفرزون البلاستيك، ويجمعون المعادن، ويستخرجون من النفايات ما عجز الاقتصاد عن أن يوفره لهم بكرامة. والمأساة ليست في إعادة التدوير؛ فإعادة التدوير عنوان للتقدم حين تكون صناعة متطورة، لكنها تصبح عنواناً للفشل حين تتحول حاوية القمامة إلى سوق عمل، ويغدو رزق الإنسان مدفوناً بين مخلفات الآخرين.

ثم تصل إلى أول إشارة ضوئية، فإذا بالإشارة لم تعد تنظّم المرور، بل تنظّم الفقر. أطفال يطرقون النوافذ، وشيوخ يرفعون الأكف، ونساء يحملن الرضع طلباً للصدقة، وشباب في عمر الإنتاج يقفون على الإسفلت ينتظرون إحسان المارة. وهنا لا يعود السؤال لماذا يتسول هؤلاء؟ بل يصبح السؤال الحقيقي أي اقتصاد هذا الذي جعل الإشارة الضوئية مكتب تشغيل للفقراء؟ وفي الأثناء، تمر حافلات المدارس الخاصة، لا تحمل معها رسالة التعليم بقدر ما تحمل رسالة الضجيج. زوامير متواصلة، وفوضى مرورية، وصخب يطغى على الشارع حتى يُخيل للإنسان أن الضوضاء أصبحت اللغة الرسمية للمدينة. والمفارقة أن المؤسسة التي يُفترض أن تُعلّم الذوق والانضباط، أصبحت في كثير من الأحيان شريكاً في تكريس الفوضى. ثم تهب الرياح، فتؤدي دوراً لم يُكتب لها. تحمل أكياس البلاستيك، وتنثرها فوق الأرصفة والأشجار والطرقات، فتبدو المدينة كأنها فقدت قدرتها على احتواء نفاياتها، كما فقدت قبل ذلك قدرتها على احتواء كثير من مشكلاتها. فالنفايات ليست مجرد قمامة؛ إنها وثيقة اتهام ضد الإدارة، وضد غياب التخطيط، وضد ثقافة الاستهلاك التي تنتج المخلفات أسرع مما تنتج الحلول. وإذا ما اقتربت من مجاري المياه، وجدت الهواء نفسه يحتج. روائح خانقة تتسلل من شبكات الصرف الصحي، وكأن البنية التحتية قررت أن تكتب تقريرها الخاص عن مستوى الخدمات العامة. فليس من السهل إقناع المواطن بأنه يعيش في بيئة مزدهرة، بينما يضطر إلى أن يحبس أنفاسه كلما مر في شارع من شوارع مدينته.

لكن أخطر ما في هذه المشاهد ليس وجودها، بل اعتيادها. فالانحطاط لا يبدأ عندما يظهر القبح، وإنما يبدأ عندما يتوقف الناس عن رؤيته. عندما يصبح المتسول جزءاً من الإشارة الضوئية، وحاوية القمامة مكان عمل، والضجيج موسيقى يومية، والنفايات زينة للأرصفة، والروائح الكريهة تفصيلاً لا يستحق الالتفات، يكون المجتمع قد دخل مرحلة أكثر خطورة من الفقر؛ مرحلة التصالح مع الفوضى. وهنا يكمن الفرق بين الفقر والانحطاط. فالفقر قد يكون قدراً اقتصادياً عابراً، أما الانحطاط فهو قبولٌ جماعي بانخفاض معايير الحياة، حتى يصبح الرديء طبيعياً، والقبيح مألوفاً، والاستثناء هو النظام لا الفوضى. إنه اللحظة التي لا يطالب فيها الناس بمدينة أفضل، لأنهم نسوا أصلاً كيف تبدو المدينة الجيدة. ولهذا، فإن المدن ليست مجرد كتل من الإسمنت، بل مرايا أخلاقية واقتصادية. فإذا ازدحمت بالمظاهر التي تُهين الإنسان، فإن الخلل لا يكون في الشوارع وحدها، بل في السياسات التي صنعتها، وفي الإدارات التي تجاهلتها، وفي الخطابات التي أنكرتها.

ومع ذلك، تستمر اللغة الرسمية في الحديث عن الرفاء، والانتعاش، والنمو، وكأن المدينة لا وجود لها. لكن المدن عنيدة، لا تتعلم الكذب، ولا تحفظ بيانات العلاقات العامة. إنها تكتب تقاريرها بنفسها؛ في وجه عامل يبحث في القمامة عن رزقه، وفي أمٍّ تبيع أثاث بيتها لتدفع التزاماتها، وفي طفل يتسول عند الإشارة، وفي كيس بلاستيكي يطير فوق شجرة، وفي رائحة مجرى مكشوف، وفي ضجيج صار أعلى من صوت الحقيقة. فالاقتصاد ليس رقماً يُعلن في نهاية العام، بل هو جودة الحياة التي يشعر بها الإنسان كل صباح. وإذا كان الإنسان يخرج من بيته فيستقبله الضجيج، وترافقه الفوضى، وتحاصره النفايات، وتؤنسه رائحة المجاري، ويعترض طريقه الفقر في كل زاوية، فإن الحديث عن الرفاء لا يكون إلا محاولة لتجميل المرآة، لا لتغيير الوجه. فالمدينة لا تكذب. ولهذا، فإن من أراد أن يعرف الحقيقة، فليترك التقارير على مكتبه، وليسر على قدميه ساعة واحدة في شوارع مدينته. وهناك سيقرأ التقرير الاقتصادي الحقيقي، مكتوباً لا بالحبر، بل بأصوات الناس، وملامحهم، وأرصفتهم، وصبرهم الطويل. وهناك سيدرك أن أخطر أنواع الأزمات ليست تلك التي تُسجلها الموازنات العامة، وإنما تلك التي تُصبح جزءاً من المشهد اليومي، حتى يفقد الناس قدرتهم على الدهشة، ويعتادون الانحدار كما يعتادون شروق الشمس.

.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل اقتصاد الانحطاط: عندما تكذب الأرقام وتقول المدينة الحقيقة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار محلية اليوم