- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية الساحرة المستديرة.. إمبراطورية عابرة للخرائط

اخبار عربية
صوت المغرب قبل 3 ساعة و 10 دقيقة

اليكم الان الساحرة المستديرة.. إمبراطورية عابرة للخرائط والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب:

لطالما سُوِّقت كرة القدم بوصفها واحة للسلام، وملاذا نقيا للهاربين من جحيم السياسة وصراعاتها المنهكة. يُقال لنا في الكلمات الافتتاحية للمحافل الكبرى إنها “مجرد لعبة” تجمع الشعوب تحت راية الروح الرياضية. لكن نظرة واحدة متمعنة في تاريخ هذه اللعبة، وفحصا دقيقا لتركيبة القوى التي تديرها، يكشف لنا زيف هذا الادعاء الحالم. فكرة القدم ليست مجرد رياضة عابرة، بل هي مرآة صقيلة تعكس صراعات السياسة وتغيرات الجغرافيا، بل إنها في أحيان كثيرة تتحول إلى أداة سلطوية، وسلاح ناعم يعيد صياغة الهويات وتأديب الدول.

فالساحرة المستديرة تملك من القوى الغامضة ما يجعلها سلطانا خفيا على قلوب الجماهير، يمر بعباءتها السحرية ما تعجز عنه الدبلوماسية الرسمية. فقد كانت طوق نجاة انتشل ساحل العاج عام 2006 من الهلاك حين غرقت في أتون حرب أهلية طاحنة مزقت أوصال الوطن، فما كان من النجم الأسطوري “ديدييه دروغبا” ورفاقه في المنتخب إلا أن جثوا على ركبهم في مشهد ملحمي حبس الأنفاس أمام الكاميرات، مرسلين نداء ضارعا ومؤثرا بوقف القتال، فاستجابت لهم المجموعات المتحاربة، وسكتت البنادق إجلالا لصوت أبطال وحّدهم العشق حين فرقتهم الخنادق.

وعلى النقيض من ذلك، قد تتحول الساحرة المستديرة إلى عود ثقاب يهوي في مخازن البارود لتشعل لظى الحروب؛ فلم تكن تلك المواجهة الشرسة بين السلفادور وهندوراس في تصفيات كأس العالم عام 1969 مجرد صراع كروي عابر، بل كانت الفتيل الحارق الذي فجّر “حرب كرة القدم” الطاحنة بين الجارتين حين وجدت الأزمات السياسية والاقتصادية الكامنة بيئة خصبة للشحن والتعبئة في مدرجات الملاعب، فاستحال الهتاف الرياضي دويّا للرصاص الحي، لتدوّن المأساة شاهدة على أن هذه الكرة تملك من النفوذ ما يشعل حروبا يذهب ضحيتها الأبرياء.

وعلى النحو ذاته، لم تكن تلك الملحمة الدامية في المدرجات بين “دينامو زغرب” و”ريد ستار بلغراد” عام 1990 مجرد شغب جماهيري عابر، بل كانت النفخة الأولى في بوق الحرب التي فككت يوغوسلافيا الغارقة في نزاعاتها العرقية. ولولا ذلك الانفصال لما شهد العالم اليوم بلدا مثل كرواتيا وهي تعتلي منصات التتويج المونديالية، ولما خطّت أقدام البوسنة والهرسك عشب المحافل الدولية لأول مرة عام 2026 براية سيادتها المستقلة. وهو تحول جغرافي لم تحتبس أصداؤه في البلقان وحده، فلو لم تتفتت إمبراطورية الاتحاد السوفيتي العظمى ويتهاوى عرشها، لما بزغ في أفق الكرة منتخب يحمل اسم “أوزبكستان” يذود عن كبرياء شعبه تحت شعاع الحرية المستقلة.

وإذ تُرسم الخرائط بأقلام الكبار، فإن للتاريخ وجها آخر تصنعه مقاومة الصغار؛ إذ لطالما اتخذت الشعوب المستضعفة من مستطيل الساحرة المستديرة منبرا تصدح منه بقيم الكرامة وتنازل به عروش الطغيان؛ ففي عام 1958، سطّرت مصر والسودان وإندونيسيا ملحمة سيادية خالدة حين فضّلت الانسحاب والتضحية بحلم المونديال على أن تمنح بشرعية اللعب صكا لكيان غاصب، معلنة للعالم أن المبادئ الإنسانية لا تُباع في أسواق الرياضة وأن الملاعب ثغور من ثغور الكرامة. ولم يكن هذا السلاح الرياضي أقل فتكا حين وُجه نحو جدار الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب إفريقيا؛ إذ تعرضت البلاد لحظر شامل ومقاطعة رياضية صارمة حيث استُبعدت رسميا من الألعاب الأولمبية منذ عام 1964، وحُرمت بقرار من الفيفا عام 1976 من دفء المحافل العالمية، لتستمر هذه العزلة الرياضية الدولية الخانقة لعقود طويلة، ولم تفتح الملاعب أبوابها الموصدة لتلك البلاد إلا بعد أن تهاوت قلاع التفرقة العرقية وأشرقت شمس الحرية بخروج نيلسون مانديلا، لتظل كرة القدم سوطا لتأديب الأنظمة المارقة وكتابا يُسطر بالوفاء والمواقف.

لكن قطار التاريخ لا يسير دائما في طريق العدالة؛ فبينما تكسر المقاومة الرياضية قيود الطغيان تارة، تستطيع السياسة أن تمحو هويات بأكملها وتعيد صياغة الأسماء على لوحات الملاعب الإلكترونية إرضاء لسطوة القوى العظمى تارة أخرى. فها هي تايوان قد انحنت منذ عقود لرياح التنين العاتية لتتوارى تحت مسمى “تايبيه الصينية”، ممنوعة من رفع علمها الوطني أو عزف نشيد بلادها. ولحقت بها حديثا هونغ كونغ التي كانت تشارك باسمها المستقل لتذعن بعد عام 2023 وتُعرف باسم “هونغ كونغ الصينية”. في تلاعب جلي بالحروف يكشف كيف تفرض السيادة شروطها القاسية في كل المحافل الأولمبية والكروية على حد سواء. لكن، ووسط هذا القتام السيادي، يظل هناك حلم أسطوري يراود ملايين القلوب: تخيلوا لو أن منتخب فلسطين صعد إلى نهائيات كأس العالم! منتخب يمثل أرضا يحاول الطغاة شطبها من الخرائط، وينبض باسم آخر شعب يرزح تحت الاحتلال؛ إن صعود الكوفية الفلسطينية وعزف النشيد الوطني في المحفل الكروي الأبهى لن يكون مجرد مباراة، بل إعلان بقاء وصمود صاخب، وثورة حرية تثبت للعالم أن الأرض السليبة قادرة على تنفس المجد من رئة الساحرة المستديرة، متجاوزة بضربة واحدة هوان الفيتو السياسي وجبروت الإنكار الدولي.

وإذا أردنا أن نفهم كيف تتقاطع الجغرافيا والتاريخ في المستطيل الأخضر، فلننظر إلى “جمهورية الرأس الأخضر”؛ ذلك الأرخبيل المنسي الذي لم يكن يكترث له أحد، حتى انتفض في الملاعب وقدّم مستويات أبهرت العقول، فباتت الجماهير تبحث بشغف عن هويته ومكانه على الخارطة، أو منتخب جزيرة “كوراساو” الذي لم يسمع به أحد من قبل، الراقد تحت عباءة العرش الهولندي في اتحاد الكونكاكاف. إن هذه البقاع الصغيرة المغمورة ليست إلا شواهد حية على كيف تحيي الكرة شعوبا طمسها النسيان، ومثلما تبوح الملاعب بأسرار الصغار، فإنها تكشف عورات الكبار. فحين تشاهد المنتخبات الوطنية الكبرى اليوم، فإنك لا ترقب تكتيكات رياضية فحسب، بل تقرأ فصولا مريرة من التاريخ الإمبراطوري. وتتجسد هذه الحقيقة في منتخب فرنسا الحالي، الذي يعد انعكاسا صارخا لإرثها الاستعماري في القارة السمراء، حيث غدت الأقدام الإفريقية المهاجرة لأبناء وأحفاد شعوب عانت ويلات التوسع الفرنسي، هي الصانع الأول للمجد والبهجة في شوارع باريس، مختزلة قرونا من الهيمنة في تسعين دقيقة من الركض على العشب.

وفي المقابل، يبرز منتخب الأرجنتين لغزا ديموغرافيا يثير التساؤل بملامحه البشرية التي تختلف تماما عن بقية جيرانه في أمريكا الجنوبية؛ حيث تتوارى الملامح الداكنة التي ترمز للعرق الأصلي “الهنود الحمر” والمنحوتة على وجوه لاعبي تشيلي، الباراغواي، أو حتى البرازيل. وهو تباين لا يعود لعفوية الصدفة، بل إلى حقبة تاريخية وسياسية معقدة شهدت عمليات إقصاء وتذويب منهجي للعنصر الأسمر والحنطي لصالح بياض أوروبي مهيمن. ومن رحم هذا التطهير اللوني، انبعثت أسطورة “دييغو مارادونا” ليتجاوز بملامحه الحنطية الثائرة مجرد لاعب فاز بكأس العالم، فيغدو بطلا قوميا ورمزا أبديا للمقاومة، تجسد في جسده القصير تمرد الرجل اللاتيني على كبرياء الإمبراطورية والـمسحة البيضاء الغربية، وهو ما أفاض في سحره الأديب الأورغواياني “إدواردو غاليانو” في كتابه “كرة القدم بين الشمس والظل” واصفا إياه بالصوت الصاخب للمستضعفين، والروح المتمردة التي ثارت بكبريائها الحنطي الأصيل على ذلك النقاء الديموغرافي المزيف.

ومن وراء هويات الشعوب التي تصيغها الصراعات، نهضت سلطة عليا تحكم هذا الشغف وتتحكم في مصائر اللعبة؛ إذ نما الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من مجرد رابطة رياضية ليغدو كيانا سياديا عابرا للقارات، يملك من النفوذ والسطوة ما يجعله أعتى من دول كثيرة، بل وأقوى في بعض السياقات من منظمة الأمم المتحدة نفسها؛ إذ يفوق عدد الكيانات المنضوية تحت لواء الفيفا أعضاء الهيئة الأممية، ليكون بحق “البرلمان الأخضر الحقيقي” لشعوب الأرض. ولا تقف حدود هذا النفوذ عند التمثيل الرمزي فحسب، بل إن هذا الانتشار الكوني الأخطبوطي يمنح المنظمة سلطة فرض شروط قاسية تنحني أمامها السيادة الوطنية لأكبر عواصم العالم المستضيفة للمونديال، مجبرة إياها على الإذعان لدساتير الفيفا اللوجستية والمالية الصارمة. ولكن هذا النفوذ الهائل يدار بعيون “شمال الكوكب” فقط، حيث تحكم المعايير المزدوجة وتصاغ العدالة العرجاء وفق المصالح السياسية؛ فعندما غزت روسيا أوكرانيا، سارعت الفيفا إلى عزلها وحرمانها من المنصات الدولية كعقاب رادع، بينما غضّت الطرف تماما حين غزت الولايات المتحدة العراق ونكلت بشعبه، فلم يجرؤ أحد على التلميح بتجميد نشاطها الرياضي. إنه الانحياز الصارخ لمركزية الشمال المتجذرة في تاريخ اللعبة.

فرغم غبار الصراعات العاتية، تحاول كرة القدم أحيانا أن تتسامى لتغدو قوة سلام غالبة، تجبر الخصوم التاريخيين على التصافح تحت راية الشغف؛ وليس فوز المغرب وإسبانيا والبرتغال بالتنظيم المشترك للمونديال مجرد ظفر بملف رياضي عابر، بل هو تشييد لجسر حضاري وتاريخي يعبر فوق مياه المتوسط، ليربط بين قارتين شهدتا قرونا من الحروب والصدامات القديمة. هذا التحالف الرياضي الملحمي يعيد للأذهان إرث كوريا واليابان المشترك سنة 2002، حيث تذوب الخلافات السياسية الجافة وتتحلل في أتون العشق الكروي، مدونة فصلا جديدا تحاول فيه الساحرة المستديرة بلسمة جراح التاريخ.

غير أن هذا الحلم الحالم يصطدم دائما بحقيقة أن الفيفا، في نهاية المطاف، مؤسسة رأسمالية تبحث عن مصالحها وتدير لعبتها ببراعة الطغاة؛ فهي قد تعترف بكيانات لا تقرّ بها الأمم المتحدة كفلسطين وكوسوفو وجبل طارق إدراكا منها لقوة الشغف الشعبي وجدواه الاقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تضع خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، وتبقى بعض القوى كإسرائيل محمية بحصانة سياسية مطلقة لا تطالها العقوبات الكروية مهما انتهكت القوانين الإنسانية. إنها باختصار ليست مجرد لعبة، بل هي قلب السياسة النابض، وجغرافية العالم المتحركة على عشب الملعب؛ فمع كل ركلة بداية، وهتفة هدف تهز الشباك، تولد قصة حكم، ويتأجج صراع إمبراطوريات، وينهض حلم شعب يبحث له عن مكان تحت الشمس وسط عالم لا ينحني إلا للقوة.

الساحرة المستديرة.. إمبراطورية عابرة للخرائط صوت المغرب.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل الساحرة المستديرة.. إمبراطورية عابرة للخرائط نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم