اخبار محلية ماكس فيبر يزور الخرطوم

ماكس فيبر يزور الخرطوم


اليكم الان ماكس فيبر يزور الخرطوم والان إلى التفاصيل من المصدر سوداني نت

  لو قُدِّر لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن يزور الخرطوم اليوم، لما توقف عند آثار الحرب أو شح الإمكانيات، بل لبحث عن الدولة في معناها الأشمل، في قدرتها على تحويل السلطة إلى نظام، والقرار إلى ممارسة، والقانون إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية. فالدولة لا تُقاس بما تعلنه من سياسات، وإنما بما تفرضه من نظام يجعل المواطن يثق بأن الواقع تحكمه القواعد والنظم لا الفوضى والمبالاة ،لأن المدينة ليست مجرد عمران، بل فضاء تسوده الشرعية ويستعاد فيه معنى الانتماء.

وفي هذا السياق، دشّنت ولاية الخرطوم، الأحد، برنامج توزيع 3048 قطعة سكنية بمربع (8) الأندلس بمنطقة “مانديلا”، خُصصت للمواطنين المستحقين من المتأثرين بإزالة السكن العشوائي جنوبي العاصمة، ضمن مسار لإعادة تنظيم النسيج العمراني وتوفير بدائل سكنية مخططة. وأكد والي الخرطوم، أحمد عثمان، أن البرنامج يأتي في إطار التزام الحكومة بتوفير السكن الملائم، وحفظ حقوق المواطنين، واستعادة انتظام المدينة عبر التخطيط العمراني المنظم.

من المعلوم أن السنوات الماضية شهدت تراكم السكن العشوائي في الخرطوم بفعل النزوح والاختلال التنموي وضعف التخطيط، حتى أصبح جزءًا من المشهد الحضري. لتأتي حرب أبريل كاشفة لهشاشة هذا الواقع، إذ لم يعد مجرد سكن عشوائي، بل تحول في بعض المناطق إلى فضاء استغلته مليشيا الدعم السريع لإيواء عناصرها، و توطين بعض مقاتليها، كذلك في منازل وأحياء شهدت انتهاكات واسعة، شملت الاستيلاء على ممتلكات المدنيين ونهبها، مستفيدة من غياب التنظيم وتراجع حضور الدولة.

ومن هنا تأتي أهمية التحول الراهن من منطق الإزالة إلى منطق الإدماج، ومن المعالجة الشكلية إلى محاولة إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمكان والدولة، عبر التخطيط والتخصيص وربط السكن بالخدمات الأساسية.

في منظور ماكس فيبر ، تُقاس الدولة الحديثة بقدرتها على تحويل السلطة إلى نظامٍ مشروع ينظم الفضاء العام. ولا تُختزل قوة العمران في اتساعه، بل في قدرة المدينة على أن تكون كيانًا منظمًا تتداخل فيه الجماليات مع الأمن، ويستند فيه الاجتماع إلى قواعد واضحة من العدالة والنظام. وحين يفقد العمران انتظامه، لا يختل شكله فقط، بل تتراجع قدرته على إنتاج الطمأنينة والمعنى معًا. ومن هنا تبدو إعادة تخطيط الخرطوم محاولة لاستعادة هذا التوازن، بحيث لا تكون المدينة مجرد تجمعا عمرانيا، بل بنية حياة تعكس حضور الدولة في تفاصيلها اليومية.

غير أن التحدي لا يقف عند حدود التخطيط وتوفير البدائل، بل يمتد إلى نمط متكرر من إعادة إنتاج العشوائيات نفسها. فقد شهدت تجارب سابقة في الخرطوم قيام الدولة بتخطيط مساحات جديدة ومنح أراضٍ ومساكن منظمة، غير أن جزءًا من المستفيدين ما لبث أن أعاد بيع تلك المواقع وعاد إلى أنماط سكن غير مخططة في مواقع أخرى. هذا السلوك يكشف أن المشكلة ليست عمرانية فقط، بل اجتماعية واقتصادية وثقافية أيضًا، حيث تتداخل الحاجة مع ضعف الالتزام بالقواعد المنظمة، ويصبح الهامش حالة قابلة للتجدد لا مجرد ظرف استثنائي.

ومن هنا فإن معالجة السكن لا تكتمل بالتخطيط والتوزيع وحدهما، بل تتطلب إطارًا قانونيًا رادعًا يمنع إعادة إنتاج العشوائيات، ويعزز إنفاذ القانون وحماية التنظيم العمراني. كما أن نجاح هذه السياسات مرهون بالنظر إلى السكن بوصفه مدخلًا للتنمية، لا مجرد قطعة أرض، فالأحياء الجديدة لا تستقر إلا إذا اقترنت بتوفر الخدمات وفرص العمل، لتصبح فضاءات للإنتاج والمعيشة، لا مواقع للإيواء.

وفي العمق، لا يبدو ما يجري مجرد مشروع إسكان، بل إعادة طرح لسؤال الدولة: أهي سلطة إدارة للفضاء، أم قدرة على تحويله إلى نظام قابل للحياة؟ فالدولة التي تفصل عمرانها عن اقتصادها تعيد إنتاج أزماتها بأشكال مختلفة، فيما يظل الخطر الأبرز هو إعادة إنتاج الهامش بصيغة جديدة ما لم تُستكمل الرؤية بخدمات وبنية اقتصادية تضمن الاستقرار والاندماج.

ومن منظور استشرافي، يمكن تصور ثلاثة مسارات للخرطوم خلال السنوات المقبلة: الأول، مسار نجاح نسبي ينجح في دمج المناطق الجديدة ضمن نسيج حضري مستقر، ما يعزز من حضور الدولة ويقلل من الهشاشة. والثاني مسار جزئي يعيد إنتاج العشوائيات على أطراف جديدة بسبب ضعف المتابعة والتنفيذ. والثالث مسار تراجعي تتسع فيه الفجوات الحكومية، فتتراجع قدرة الدولة على ضبط الفضاء الحضري، ويزداد التشظي العمراني والاجتماعي.

في المحصلة، بحسب #وجه_الحقيقة تبدو الخرطوم أمام اختبارٍ مزدوج: إعادة إعمار المكان، وإعادة بناء وظيفة الدولة داخله. ويتطلب ذلك من الحكومة استكمال التخطيط والخدمات، وفرص عمل تضمن الاستقرار وتمنع إعادة إنتاج الهشاشة، ومن المجتمع دعم ثقافة التنظيم وصون الفضاء العام، فيما يضطلع الإعلام بدور المساءلة ورفع الوعي، وتعمل منظمات المجتمع المدني على الرصد والدعم، ويكون القطاع الخاص شريكًا في الإعمار لا مجرد مستفيد منه. وفي هذا السياق تبقى الدولة كما تصورها ماكس فيبر، أقدر حين تُحوّل النظام إلى حياة يومية مستقرة.

دمتم بخير وعافية.

الثلاثاء 7 يوليو 2026 م [email protected]

ماكس فيبر يزور الخرطوم سوداني نت.

ماكس فيبر يزور الخرطوم



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


سوداني نت ماكس فيبر يزور الخرطوم

كانت هذه تفاصيل ماكس فيبر يزور الخرطوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سوداني نت و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم


( برسبي نيوز )محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لانها لا تعبر عن رأي الموقع..
كافة الحقوق محفوظة لـ ( برس بي ) © 2022-2017.