- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية خاص .. التشييع الذي أعاد رسم المشهد-الإمام الخامنئي بين الوفاء الشعبي وبداية مرحلة التجديد

اخبار عربية
قناة المنار قبل ساعة و 59 دقيقة

اليكم الان خاص .. التشييع الذي أعاد رسم المشهد-الإمام الخامنئي بين الوفاء الشعبي وبداية مرحلة التجديد والان إلى التفاصيل من المصدر قناة المنار:

محمد أحمد حمود

لا ترحل الشخصيات العظيمة كما يرحل الآخرون، لأنها لا تترك خلفها مجرد ذكريات، بل تترك تاريخًا، ونهجًا، وأمةً كاملة تحفر ملامحها في الوجدان قبل أن تدونه في صفحات الكتب. فهناك رجالٌ يصنعون الأحداث، وهناك رجالٌ يتحولون هم أنفسهم إلى جزءٍ من التاريخ، حتى يصبح وداعهم حدثًا تتوقف عنده الشعوب، وتعيد من خلاله قراءة ماضيها، واستحضار حاضرها، واستشراف مستقبلها.

ولذلك، لم تكن مراسم تشييع الإمام القائد الشهيد السيد علي الخامنئي مجرد لحظة وداع لقائدٍ قاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لعقود، بل كانت مشهدًا إنسانيًا وسياسيًا وحضاريًا اختلطت فيه الدموع بالعزة، والحزن بالوفاء، واستحضرت فيه الملايين مسيرة رجلٍ ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ إيران والمنطقة، حتى غدا رحيله مناسبةً لاستذكار مشروعٍ كامل، لا سيرة رجلٍ فحسب، ورسمت في الوقت نفسه ملامح المرحلة المقبلة، بما حملته من رسائل تؤكد استمرارية النهج، وتماسك مؤسسات الدولة، وتجدد الالتفاف الشعبي حول الخيارات التي شكّلت جوهر المشروع الذي قاده.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى قراءة الدلالات السياسية والشعبية والإعلامية التي حملتها مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، من خلال تحليل مشاهد التشييع، ومستويات المشاركة الشعبية والرسمية والدولية، والتغطية الإعلامية التي واكبت الحدث، إلى جانب استشراف الرسائل التي عكستها هذه المراسم بشأن مستقبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مرحلة ما بعد استشهاد قائدها.

من مشهد إلى قيادة الأمة: النشأة والتكوين العلمي والفكري

في التاسع عشر من شهر نيسان/أبريل لعام 1939، أبصر الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي النور في مدينة مشهد المقدسة، ضمن كنف أسرة علمية مرموقة، عُرف أفرادها بالزهد والورع والتفاني في دروب المعرفة. وقد كان والده، آية الله السيد جواد الخامنئي، أحد أعلام الدين البارزين في مشهد، مما هيأ للإمام بيئةً إيمانيةً أصيلة طبعت شخصيته بملامحها منذ مراحل تكوينه الأولى. وفي سياق استعراضه لمحطات حياته، دأب الإمام الخامنئي على استحضار ذكريات طفولته، واصفاً إياها بأنها طُبعت بطابع البساطة المطلقة وشظف العيش، حيث عاشت الأسرة في ظروف مادية متواضعة ومحدودة؛ وهي تجربة حياتية عميقة تركت أثرها البالغ في وجدانه، وساهمت بشكل جوهري في غرس قيم القناعة الراسخة، والاعتماد على الذات، وروح العزة في نفسه منذ نعومة أظفاره. arabic.khamenei.ir/news/1506?utm.com

استهل الإمام السيد علي الخامنئي مسيرته المعرفية في سن الخامسة بتلقي مبادئ القرآن الكريم في “الكتّاب”، قبل أن يلتحق بالمدارس الدينية في مدينة مشهد، حيث انكبّ على دراسة العلوم النقلية والعقلية—من أدب عربي، ومنطق، وفقه، وأصول، وفلسفة—على يد نخبة من كبار العلماء. وعقب إتمامه مرحلة “السطوح”، ارتقى إلى حلقات “البحث الخارج” تحت إشراف المرجع آية الله السيد محمد هادي الميلاني.

تكشف هذه النشأة أن شخصية الإمام السيد علي الخامنئي لم تتشكل بمعزل عن بيئته العلمية والدينية وظروفه المعيشية المتواضعة، بل أسهمت هذه العوامل في ترسيخ قيم الزهد والاعتماد على الذات والإحساس بالمسؤولية، وهي قيم انعكست لاحقًا في فكره وأسلوب قيادته، وجعلت من تجربته الشخصية جزءًا من رؤيته السياسية والاجتماعية.

وفي عام 1958، انتقل الإمام الخامنئي إلى حاضرة العلم في قم لاستكمال دراساته العليا، وهناك نهل من علوم كبار مراجع الحوزة العلمية، وتتلمذ بشكل مباشر على يد أقطاب الفكر والفقاهة، وعلى رأسهم الإمام روح الله الخميني (قده)، وآية الله البروجردي، وآية الله مرتضى الحائري، والعلامة الطباطبائي. وقد مثّلت هذه الحقبة التكوينية ذروة صياغة شخصيته العلمية والفكرية، ليعود بعدها إلى مشهد ليضطلع بدوره في ميدان التدريس، ونشر العلوم الدينية، وتأسيس حلقات الفكر والوعي.

ارتبط النشاط السياسي للإمام السيد علي الخامنئي مبكرًا بالحركة الإسلامية المعارضة لنظام الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، متأثرًا بالإمام الخميني، فكان من أبرز الناشطين في تعبئة الجماهير ونشر الفكر الإسلامي، الأمر الذي عرّضه للاعتقال والملاحقة من قبل جهاز “السافاك” عدة مرات. وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تقلّد عددًا من المسؤوليات السياسية والعسكرية، قبل انتخابه رئيسًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1981.

شكّلت هذه المرحلة نقطة تحول في مسيرة الإمام السيد علي الخامنئي، إذ تداخل فيها التكوين العلمي العميق مع الانخراط في العمل السياسي، فأسهمت دراسته على أيدي كبار مراجع الحوزة في ترسيخ رؤيته الفكرية، بينما صقلت تجربة مواجهة نظام الشاه شخصيته القيادية، مما هيأه لتولي مسؤوليات محورية بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.

ومع انطلاق الثورة، أضحى الامام الخامنئي أحد أبرز الوكلاء الموثوقين للإمام الخميني، متولياً مهاماً جساماً، من عضوية مجلس الدفاع الأعلى خلال الحرب، إلى إمامة صلاة الجمعة في طهران التي كانت منبراً سياسياً واستراتيجياً للثورة. ظلت هذه الرابطة الوثيقة قائمة حتى رحيل الإمام الخميني عام 1989، حين انتقلت مسؤولية القيادة إليه عبر انتخابه من قبل مجلس خبراء القيادة، مُدشناً بذلك مرحلة تاريخية جديدة اتسمت بالاستمرارية والامتداد الفكري، لتستمر على مدار أكثر من ثلاثة عقود. هذا ما ورد على صفحة الموقع الرسمي لقائد الثورة الإسلامية نافذة على التاريخ :: Leader.ir (Leader.ir).

الإمام الخامنئي: قيادة الجمهورية الإسلامية ومسيرة الإنجازات والتحديات

في الثالث من حزيران/يونيو 1989، رحل الإمام روح الله الموسوي الخميني، تاركًا فراغًا كبيرًا في قيادة الجمهورية الإسلامية. وفي ظل هذه المرحلة الحساسة، كان السيد علي الخامنئي يشغل منصب رئيس الجمهورية، وقد حظي بمكانة سياسية ودينية وثورية بارزة أهلته ليكون من أبرز المرشحين لخلافة الإمام الخميني. وبعد مداولات مجلس خبراء القيادة، انتُخب السيد علي الخامنئي قائداً للثورة الإسلامية، لينتقل إلى أعلى موقع في هرم الدولة، ويتولى مسؤولية قيادة البلاد ومواصلة النهج الذي أرساه الإمام الخميني، في مرحلة اتسمت بتحديات داخلية وخارجية جسيمة.

شهدت الجمهورية الإسلامية في عهد الإمام الخامنئي تطورًا كبيراً في قدراتها الأمنية والعسكرية، حيث عززت من جاهزية قواتها المسلحة، ووسعت إمكاناتها الدفاعية، وطورت برامجها الصاروخية والطائرات المسيّرة، إلى جانب تحديث منظوماتها الجوية والبحرية.وشهدت الصناعات الدفاعية الإيرانية توسعًا ملحوظًا، ما أسهم في تعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي والانتقال من استيراد جزء كبير من احتياجاتها العسكرية إلى تطوير قاعدة صناعية دفاعية قادرة على إنتاج وتصدير عدد من المعدات والأنظمة العسكرية.

يُعدّ بناء “محور المقاومة” من أبرز المحطات التي ارتبطت بعهد الإمام الخامنئي على المستوى الإقليمي، إذ شهدت تلك المرحلة توثيق علاقات الجمهورية الإسلامية مع عدد من القوى وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، في إطار سياسة دعمها للمقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والنفوذ الأمريكي في المنطقة.

إلى جانب دوره السياسي، برز الإمام الخامنئي مرجعًا دينيًا وفقيهًا، عُرف بإنتاجه العلمي في الفقه والأصول والفكر الإسلامي، وأصدر عددًا من المؤلفات والدراسات، فضلًا عن آلاف الفتاوى التي شكّلت مرجعًا لعدد من مقلديه في إيران وخارجها. كما امتدت اهتماماته إلى مجالات الفلسفة الإسلامية، والأخلاق، والأدب، والثقافة، مما أضفى على شخصيته بعدًا فكريًا إلى جانب مسؤولياته القيادية.

وعلى المستوى الفكري، ارتبط اسم الإمام الخامنئي بتطوير مفهوم ولاية الفقيه في بعدها العملي، وربطها بقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مؤكدًا في خطاباته أن مقاومة الاحتلال والهيمنة تمثل واجبًا دينيًا وأخلاقيًا. ومن هذا المنطلق، شكّل دعمه المستمر لفكرة المقاومة أحد أبرز ملامح خطابه السياسي والديني طوال سنوات قيادته.هذا ما ورد على موقع وكالة تسنيم الدولية للإنباء الإمام الخامنئي من الجهاد إلى الشهادة: قراءة تحليلية مختصرة في حياة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية (1)- الأخبار ایران – وکالة تسنیم الدولیة للأنباء

مثّلت هذه الإنجازات أحد أبرز ملامح عهد الإمام السيد علي الخامنئي، إذ ارتكزت رؤيته على الجمع بين تعزيز عناصر القوة الداخلية، وتوسيع الحضور الإقليمي، والمحافظة على المرجعية الدينية والفكرية، بما أسهم في تكوين نموذج قيادي جمع بين الأبعاد السياسية والعسكرية والفكرية، ورسّخ مكانة الجمهورية الإسلامية بوصفها فاعلًا مؤثرًا في معادلات المنطقة.

استشهاد الإمام الخامنئي… من رهان إسقاط الجمهورية الإسلامية إلى فرض معادلة الردع الجديدة

لقد التحقت الروح السامية لقائد الشعب الإيراني العظيم، وأحرار العالم، والأمة الإسلامية، سماحة الإمام آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي (قدّس الله نفسه الزكية)، بالملكوت الأعلى، بعد عمرٍ مبارك حافل بالجهاد في سبيل الله، وقيادة الثورة الإسلامية، والدفاع عن الإسلام والأمة والمستضعفين، إثر العدوان الأمريكي–الصهيوني الذي استهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذا ما ورد على التلفزيون الإيراني ضمن بيان نعي الإمام الخامنئي.

بهذه الكلمات أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني نبأ استشهاد الإمام آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي، في لحظةٍ مثّلت نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ إيران والمنطقة، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة حملت انعكاسات واسعة على المشهدين الإقليمي والدولي، وعدّها كثير من المراقبين مؤشرًا على تسارع التحولات التي قد تفضي إلى إعادة تشكيل موازين القوى والنظام الدولي.

شكّل استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي، في 28 شباط/فبراير 2026، مع عدد من القادة، منعطفاً تاريخياً في مسار الصراع مع الولايات المتحدة و”الكيان الإسرائيلي”، إذ لم يؤدِّ إلى إرباك الجمهورية الإسلامية الإيرانية كما راهن خصومها، بل دفعها إلى خوض مواجهة مباشرة وغير مسبوقة. وفي هذا السياق، أكد الدكتور جمال واكيم، أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، في حديث لموقع المنار الإلكتروني، أن الرد الإيراني على العدوان الأمريكي–الإسرائيلي فاق جميع التوقعات، وأن صانعي القرار في واشنطن وتل أبيب لم يتوقعوا حجمه أو اتساع نطاقه الاستراتيجي، إذ كانت التقديرات الأمريكية ترجّح أن يكون الرد محدودًا وسريع الاحتواء. وفي السياق نفسه، أكد المحلل السياسي من القدس، فراس ياغي، في حديث لموقع المنار الإلكتروني، أن استهداف إيران للأصول الأمريكية شكّل مفاجأة كبيرة للولايات المتحدة وحلفائها، الذين لم يتوقعوا أن تمتلك طهران الجرأة على الإقدام على مثل هذه الخطوة، رغم إدراكهم لقدراتها العسكرية.

وفي هذا الإطار، يرى الدكتور يوسف خليل، الأستاذ الجامعي والباحث التربوي، في حديث لموقع المنار الإلكتروني، أنه على المستوى الداخلي اعتقد البعض أن هذه الثورة قد انتهت، وأصبحت من الماضي والتاريخ، على اعتبار أن مرحلة زمنية طويلة قد مرت عليها، تقارب سبعةً وأربعين عامًا. إلا أن ما شهده التكاتف الداخلي في الجمهورية الإسلامية أظهر أن الثورة الإسلامية قد تجددت واستعادت زخمها، بل أصبحت أكثر حضورًا مما كانت عليه عام 1979.

ويؤكد الدكتور خليل أن الكثيرين كانوا يعتقدون أن هذه الثورة انتهت ولم يعد لها مؤيدون، إلا أن الإمام الخامنئي، كان يؤكد دائمًا أن الثورة تتجدد مع الشباب. وقد نجح الإمام الخميني في تحقيق انتصار الثورة وتثبيت أركان النظام، ثم جاء الإمام الخامنئي ليؤدي الدور الأساسي في تطوير هذا النظام، وتعزيز مؤسساته، وصياغة استراتيجياته.

ويضيف الدكتور يوسف خليل أن الإمام الخامنئي طرح، في الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية، رؤية «الخطوة الثانية للثورة»، فتناول إنجازات الأعوام الأربعين الماضية، كما رسم ملامح مستقبل الثورة خلال الأربعين سنة المقبلة. ولم تعد هذه الرؤية مجرد شعارات، بل تجسدت في إنجازات عملية ظهرت خلال العدوان الأول والعدوان الثاني على الجمهورية الإسلامية في إيران، حين اعتقد المستكبرون الأمريكيون والصهاينة أن استهداف رأس النظام سيؤدي إلى انهياره خلال مدة قصيرة لا تتجاوز عشرة أيام. إلا أنه بعد أربعين يومًا، أعاد الجميع حساباتهم، ووجدوا أن هذه الثورة مستمرة، وستبقى قوية، بل ستزداد قوةً مما كانت عليه.

تُظهر هذه التطورات أن استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي لم يقتصر أثره على فقدان قائد للدولة، بل تحوّل إلى اختبار لقدرة الجمهورية الإسلامية على الحفاظ على تماسكها واستمرارية مؤسساتها. كما عكست مرحلة ما بعد الاستشهاد انتقال الصراع إلى مستوى أكثر مباشرة، وأعادت إبراز تأثير إيران في المعادلات الإقليمية والدولية، بما منح الحدث أبعادًا تجاوزت حدوده الوطنية إلى فضاء التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.

·         الوحدة الوطنية وإعادة ترتيب الأولويات بعد استشهاد الإمام الخامنئي

شكّلت الوحدة الوطنية أحد المرتكزات الأساسية في خطاب الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، إذ كان يؤكد باستمرار أن تماسك الشعب الإيراني ووحدة مؤسسات الدولة يمثلان الركيزة الأساسية في مواجهة التحديات الخارجية، كما كان يحذر من محاولات الأعداء بثّ الفرقة والانقسام داخل المجتمع، داعيًا إلى التمسك بالوحدة الوطنية بوصفها «درعًا فولاذيًا مقدسًا وعظيمًا» يحمي البلاد ويصون استقرارها.

ولم تقتصر هذه الرؤية على كونها جزءًا من خطابه السياسي، بل تجلت بصورة واضحة في مرحلة ما بعد استشهاده، إذ أظهر العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما أعقبه من استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي، حالةً لافتة من إعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإيراني، حيث تراجعت حدة الخلافات السياسية بين مختلف التيارات، سواء المحافظة أو الإصلاحية، لصالح تغليب المصلحة الوطنية والحفاظ على استقرار الدولة.

وفي هذا الصدد، اعتبرت الدكتورة زينب جابر، الأستاذة الجامعية والباحثة في الشأنين السياسي والإسلامي، في حديثها لموقع المنار الإلكتروني، أن استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي أفرز حالةً من الالتفاف الوطني شملت مختلف القوميات والمذاهب والانتماءات السياسية، إذ اجتمع المحافظون والإصلاحيون، إلى جانب شخصيات كانت تُعرف سابقًا بمواقفها النقدية تجاه القيادة، على أولوية الدفاع عن إيران وسيادتها في مواجهة التحديات الخارجية.

 كما شهدت هذه المرحلة مراجعات من بعض الشخصيات التي أعادت تقييم مواقفها السابقة من الإمام الخامنئي، معتبرةً أن استشهاده كشف جوانب من شخصيته ودوره لم تكن تحظى بالتقدير الكافي.

وفي هذا السياق، تضيف الدكتورة زينب جابر أنها ترى أن استشهاد الإمام الخامنئي أفرز قناعةً واسعةً بأن الخلافات الداخلية يمكن معالجتها ضمن الأطر الوطنية، بينما يبقى الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها أولويةً تتقدم على جميع الاعتبارات الأخرى. وتؤكد أن هذا التوجه انعكس أيضًا في المشاركة الواسعة لمختلف شرائح المجتمع في مراسم التشييع، من الشباب وكبار السن، ومن مختلف القوميات والمذاهب، بما عكس مستوىً مرتفعًا من التماسك الداخلي، ورسّخ صورة الاستقرار واستمرارية مؤسسات الدولة خلال مرحلة انتقالية اتسمت بحساسية سياسية وأمنية كبيرة.

تُبرز هذه المعطيات أن مفهوم الوحدة الوطنية في فكر الإمام السيد علي الخامنئي لم يبقَ إطارًا نظريًا أو خطابًا سياسيًا، بل تجسّد عمليًا في مرحلة ما بعد استشهاده، حيث غلبت أولوية الحفاظ على الدولة ومؤسساتها على الخلافات الداخلية. ويشير ذلك إلى أن التماسك المجتمعي شكّل أحد أبرز عناصر الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية، وأسهم في تعزيز قدرة الجمهورية الإسلامية على مواجهة التداعيات السياسية والأمنية التي أعقبت الحدث.

الجزء الثاني

في الجزء الأول من هذا البحث، تناولنا أبرز محطات حياة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، بدءًا من نشأته العلمية والفكرية، مرورًا بدوره في الثورة الإسلامية وتوليه قيادة الجمهورية الإسلامية، وما ارتبط بعهده من تحولات سياسية وعسكرية وفكرية، وصولًا إلى استشهاده وما خلّفه من تداعيات على المستويين الداخلي والإقليمي. وانطلاقًا من ذلك، ينتقل هذا الجزء إلى دراسة مراسم التشييع بوصفها امتدادًا لهذه المسيرة، وتحليل ما حملته من رسائل سياسية وشعبية وإعلامية، وما عكسته من دلالات تتصل باستمرارية مؤسسات الدولة، ومستوى التماسك الداخلي، ومكانة الجمهورية الإسلامية في المعادلات الإقليمية والدولية.

التشييع المليوني… قراءة في الحشود الشعبية والحضور الدولي وأبعاده

إن المتأمل في مسيرة التاريخ يجد أنه لا يُقاس بمجرد تعاقب الأيام والسنين، بل بالمحطات المفصلية التي تعيد تشكيل مساره، حيث تلتقي الجغرافيا بالتحولات السياسية والحضارية، وتتحول الأحداث الكبرى إلى علامات فارقة ترسم حدودًا فاصلة بين مرحلتين: ما قبل الحدث وما بعده.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى تشييع القائد الشهيد، الإمام السيد علي الخامنئي، بوصفه مناسبةً لتوديع شخصية استثنائية فحسب، بل باعتباره حدثًا تاريخيًا واستراتيجيًا متعدد الأبعاد، تتجسد فيه مكانة القيادة المرجعية في وجدان محبيه ، وتتقاطع فيه الرمزية الدينية مع الرسائل السياسية، بما يعكس حجم التحولات التي تشهدها المنطقة والعالم، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة ستترك آثارها في موازين القوى ومسارات الصراع خلال السنوات والعقود المقبلة.

ومع انطلاق مراسم التشييع المليونية للإمام السيد علي الخامنئي في إيران، يرى الدكتور يوسف خليل أن هذا الحضور الشعبي الكثيف يحمل دلالتين أساسيتين؛ أولاهما المكانة الراسخة التي يحتلها الإمام الخامنئي في وجدان الأمة الإسلامية حضوره العميق في ضمير المستضعفين وأحرار العالم بوصفه رمزًا للدفاع عن قضاياهم، والثانية هي ما أحدثته الثورة الإسلامية من إنجازات.

الآن نتبين هذه الإنجازات من خلال هذا التأثير الشعبي للثورة الإسلامية، التي اعتقد الكثيرون أنها قد أصبحت في نهاياتها، فنجد، على مستوى العالم الخارجي، هذا التأييد الكبير المليوني والشعبي، بعيدًا عن الأنظمة، في كل العالم الإسلامي وفي كل العالم العربي، بل تجاوز الأمر إلى العالم الغربي، وهناك تأييد لهذا الإمام، وخاصة أن الإمام كان يعقد آماله دائمًا على الشباب في إيران وعند المسلمين، وحتى في رسالتيه اللتين بعثهما إلى الشباب الغربي، اللتين دعاهما فيهما إلى التعرف إلى حقيقة الإسلام بعيدًا عن الدعاية المضللة (propaganda) ، ودعاهما إلى أن يعرفوا الإسلام، ويعرفوا الثورة، وقيمة هذه الثورة في مواجهة المستكبرين في هذا العالم.”

وفي هذا الإطار يؤكد الباحث والكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير لموقع المنار الإلكتروني، أن حجم المشاركة الشعبية والرسمية في مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي شكّل مؤشراً على قدرة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تجاوز تداعيات الحرب التي خاضتها مع الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي، معتبراً أن الحشود الواسعة تعكس نجاح النظام في إعادة تجديد شرعيته الشعبية والسياسية.

ومن هذا المنطلق اعتبرت الدكتورة زينب جابر أستاذة وباحثة في الشأن السياسي والإسلامي في حديثها  لموقع المنار الإلكتروني أن استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي شكّل لحظة التقاء وطني داخل إيران، إذ برزت حالة من الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها شملت مختلف التيارات السياسية، من المحافظين والإصلاحيين، إلى جانب مشاركة واسعة لمختلف القوميات والمذاهب. كما شهدت المرحلة مراجعات من بعض الشخصيات التي كانت تتبنى مواقف نقدية تجاه الإمام الخامنئي، حيث عبّر عدد منهم عن إعادة تقييمهم لشخصيته ودوره بعد استشهاده، معتبرين أن الصورة التي كانت لديهم عنه لم تكن دقيقة، وهو ما عكس، وفق هذه القراءة، تأثير الحدث في إعادة تشكيل المزاج الداخلي وتعزيز حالة التماسك الوطني.

وفي تفسيره للحشود الشعبية التي شاركت في مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، يؤكد الدكتور محمد محسن عليق، الأستاذ الجامعي والباحث في الفكر الخامنئي، في حديثه لموقع المنار الإلكتروني، أن هذا المشهد لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة العلاقة التي جمعت الإمام الخامنئي بالشعب الإيراني، وهي علاقة قامت على الثقة المتبادلة والإيمان العميق بالناس. ويشير إلى أن الإمام الخامنئي كان يستحضر دائمًا توصيف الإمام الخميني لمرتكزات القيادة، والمتمثلة في الإيمان بالله، والإيمان بالشعب، والثقة بالنفس، معتبرًا أن هذه الصفات انطبقت أيضًا على شخصيته، إذ كان يرى أن الشعب الإيراني لم يُخفق في مختلف المحطات والاختبارات، سواء في الحرب أو في السلم أو في مواجهة الحصار والضغوط، وأن مسؤولية النهوض بالمجتمع تقع بالدرجة الأولى على النخب والقيادات في تفعيل طاقات الناس والاستفادة من قدراتهم.

ويرى عليق أن الحشود المليونية التي شاركت في مراسم التشييع لم تكن حدثًا استثنائيًا أو وليد لحظة الاستشهاد، بل امتدادًا لمسار تاريخي بدأ منذ انتصار الثورة الإسلامية، وقائمًا على العلاقة المتبادلة بين القيادة والشعب. ويعتبر أن ما شهده التشييع يعكس شعور الإيرانيين بمكانة الإمام الخامنئي ودوره وصدقه، ويجسد استمرار وفائهم لنهجه وتمسكهم به، ولا سيما أن هذه الحشود جاءت بعد أكثر من مئة يوم من صمود الإيرانيين في مواجهة الحرب والضغوط، بما يؤكد استمرار حضور الثورة في وجدان المجتمع الإيراني.

تُظهر هذه الشهادات أن الحشود المليونية التي رافقت مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي لم تكن مجرد تعبير عاطفي عن رحيل قائد، بل عكست تفاعلًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا مع مشروعه القيادي. فقد أبرزت المراسم استمرار حضور الثورة الإسلامية في الوعي الشعبي، ورسخت صورة التماسك الداخلي والتفاف المجتمع حول مؤسسات الدولة في مرحلة اتسمت بحساسية سياسية وأمنية. كما حملت المشاركة الشعبية الواسعة رسائل تجاوزت الحدود الإيرانية، مؤكدةً أن تأثير الإمام الخامنئي امتد إلى دوائر أوسع في العالمين الإسلامي والدولي، وأن مراسم التشييع تحولت إلى مناسبة لإظهار استمرارية النهج وتعزيز شرعية الدولة في مرحلة ما بعد استشهاد قائدها.

وفي الإطار ذاته أعتبر مجلس صيانة الدستور أن هذا التشييع المليوني والمشاركة الشعبية الواسعة تمثل، في نظره، أكبر بيعة شعبية لنظام الجمهورية الإسلامية ولآية الله السيد مجتبى الخامنئي، مؤكدًا أن هذا الحضور يعكس التمسك بمبادئ الثورة الإسلامية واستمرار الالتزام بقيادتها السياسية والدينية.هذا ما ورد على موقع تقريب الإيراني مجلس صيانة الدستور: التشييع المليوني يجسد أكبر بيعة شعبية للسيد مجتبى الخامنئي | وكالة أنباء التقريب (TNA)

تشييع عابر للحدود: الدلالات الجغرافية والسياسية لوداع الإمام الخامنئي

اتسمت مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي باتساعها الجغرافي ودلالاتها السياسية والرمزية، إذ أعلنت لجنة إحياء الذكرى برنامجًا رسميًا امتد بين طهران وقم ومشهد والعراق، فطهران تمثل مركز القرار السياسي، وقم المرجعية الدينية، فيما تجسد مشهد البعد الروحي لاحتضانها مرقد الإمام الرضا (ع)

ويشغل العراق مكانةً استثنائية في البعد الديني الشيعي وفي الرؤية الإقليمية للجمهورية الإسلامية، ما يجعل إقامة مراسم التشييع فيه تتجاوز الطابع الجنائزي إلى دلالات دينية وسياسية ورمزية. فمنذ قرون، شكّلت مدن كربلاء والنجف مراكز للمرجعية الدينية ومصدرًا للشرعية الرمزية، كما ارتبط الدفن بالقرب من مراقد الأئمة بمكانة خاصة لدى الشخصيات الشيعية البارزة، وهو ما يضفي على تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في العراق بُعدًا يتجاوز الحدود الجغرافية، ويعكس عمق الارتباط التاريخي والروحي بين إيران والعتبات المقدسة العراقية. تشييع خامنئي في العراق يجسد الجغرافيا السياسية للحِداد

وعكست مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي مستوىً كبيراً من التمثيل الدولي، إذ شارك فيها مسؤولون ووفود رسمية من عشرات الدول. وأشارت وكالة رويترز إلى حضور نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف، ونائب رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني خه وي، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، إلى جانب الرئيس العراقي نزار آميدي، فضلًا عن مشاركة وفود وشخصيات رسمية من دول عربية وخليجية. كما أفادت الحكومة الإيرانية، وفق ما نقلته الوكالة، بأن أكثر من 30 دولة طلبت المشاركة في مراسم التشييع، وهو ما عكس البعد الدولي للحدث، ورسّخ حضوره بوصفه مناسبة ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية تجاوزت الإطار الإيراني الداخلي. Khamenei lies in state in Tehran as Iran begins week of funeral ceremonies | Reuters

ورأت الوكالة أن مستوى التمثيل الدولي في مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي لم يقتصر على البعد البروتوكولي، بل حمل دلالات سياسية ودبلوماسية، إذ عكس استمرار اهتمام عدد من الدول بالتواصل مع الجمهورية الإسلامية خلال مرحلة انتقالية حساسة، كما أكد أن الحدث تجاوز طابعه الجنائزي ليغدو مناسبة ذات أبعاد إقليمية ودولية.

ويعكس هذا الامتداد الجغرافي أن مراسم التشييع لم تُنظَّم وفق اعتبارات بروتوكولية فحسب، بل جاءت لتجسد الخريطة الرمزية للجمهورية الإسلامية وامتدادها الحضاري والديني. فقد مثّلت طهران مركز القرار السياسي ومؤسسات الدولة، وجسّدت قم المرجعية الدينية والحوزة العلمية، فيما عبّرت مشهد، باحتضانها مرقد الإمام الرضا (ع)، عن البعد الروحي والعقائدي في الوجدان الإيراني. ولم يتوقف هذا الامتداد عند الحدود الإيرانية، بل شمل العراق بما يحتضنه من العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، ليؤكد أن مراسم التشييع حملت بعدًا يتجاوز الإطار الوطني، ويعكس وحدة المجال الديني والثقافي الذي يربط الجمهورية الإسلامية بالمراكز التاريخية للتشيع، ويجسد التداخل بين الجغرافيا والرمزية الدينية في رسم رسائل الحدث وأبعاده الإقليمية.

التغطية الإعلامية لمراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي–المحلية العربية والدولية

واكبت مختلف وسائل الإعلام الإيرانية مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي بتغطية استثنائية ومتواصلة، إذ خصصت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB) وقناة الأخبار الإيرانية (IRINN) بثًا مباشرًا على مدار الساعة لنقل وقائع التشييع من مختلف المدن، في حين تولّت وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء (IRNA) نشر الأخبار الرسمية والتقارير والصور لحظة بلحظة. كما أفردت وكالات الأنباء شبه الرسمية، وفي مقدمتها تسنيم (Tasnim) وفارس (Fars) ومهر (Mehr) ووكالة أنباء الطلبة الإيرانيين (ISNA) ووكالة أنباء العمال الإيرانية (ILNA)، تغطية واسعة للمراسم، ركزت على الحشود الشعبية، والحضور الرسمي والدولي، والخطابات والرسائل السياسية المصاحبة للحدث.

وعلى المستوى الدولي، تولّت وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة باللغات الأجنبية نقل مراسم التشييع إلى الخارج، وفي مقدمتها  Press TV باللغة الإنجليزية، وقناة العالم (Al Alam) باللغة العربية، وHispanTV  باللغة الإسبانية، و Sahar TV متعددة اللغات، إلى جانب التغطية التي قدمتها الصحف الإيرانية، مثل كيهان (Kayhan) وطهران تايمز (Tehran Times) وإيران (Iran Newspaper) وجام جم (Jam-e Jam) وهمشهري (Hamshahri) واطلاعات (Ettelaat). كما لعب الموقع الرسمي  Khamenei.ir وحسابات هذه المؤسسات على منصات التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في بث الصور ومقاطع الفيديو والبيانات الرسمية، بما أسهم في توحيد الرواية الإعلامية الإيرانية وإيصالها إلى الجمهورين المحلي والدولي.

أولت وسائل الإعلام العربية القريبة من محور المقاومة، وفي مقدمتها قناة المنار، التي خصصت تغطية مباشرة ومستمرة على مدار الساعة لمواكبة مختلف مراحل مراسم التشييع. وانتشر مراسلوها في مختلف المدن والمواقع الجغرافية التي شملتها المراسم، مقدمين نقلًا ميدانيًا مباشرًا للأحداث، إلى جانب استضافة نخبة من الخبراء والمحللين الإيرانيين والعرب والأجانب لقراءة الأبعاد السياسية والدينية والشعبية للمراسم، وتحليل الرسائل التي حملها هذا الحدث على المستويين الداخلي والإقليمي. كما أفردت القناة تقارير ميدانية، ونشرات إخبارية خاصة، وبرامج تحليلية واكبت تفاصيل مراسم الوداع والتشييع منذ بدايتها وحتى اختتامها، بما عكس حجم الاهتمام الإعلامي الذي أولته لهذا الحدث.

فيما أولت القنوات الأخرى كالميادين والعالم والمسيرة، اهتمامًا استثنائيًا بمراسم تشييع الإمام الشهيد  السيد علي الخامنئي، حيث خصصت تغطية مباشرة ومفتوحة نقلت خلالها مراسم التشييع من مختلف المدن الإيرانية، إلى جانب مواكبة مشاركة الوفود الرسمية والشعبية. ولم تقتصر التغطية على نقل الوقائع، بل شملت استوديوهات وبرامج تحليلية استضافت شخصيات سياسية وباحثين لقراءة أبعاد الحدث وانعكاساته الإقليمية. وركزت هذه الوسائل على ضخامة الحشود الشعبية، واتساع الحضور الرسمي والدولي، والرسائل السياسية التي حملها التشييع، معتبرةً أن المشهد يعكس تماسك الجمهورية الإسلامية واستمرارية مؤسساتها، ويؤكد استمرار نهجها ودورها الإقليمي رغم التحديات التي واجهتها خلال الحرب الأخيرة.

وفي توصيفها للمشهد الشعبي الذي رافق مراسم التشييع، أشارت الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني في مركز الجزيرة للدراسات، فاطمة الصمادي، إلى أن ما شهدته إيران تجاوز في دلالاته كل ما عرفته البلاد من تجمعات جماهيرية خلال العقود الماضية. وأوضحت أنها، رغم متابعتها لأكثر من عشرين عامًا للفعاليات الحاشدة في إيران وسماعها المتكرر لشعار «الموت لأميركا»، فإن اغتيال آية الله الإمام علي الخامنئي أوجد مستوى جديدًا من العداء تجاه الولايات المتحدة، وترك إرثًا سياسيًا وشعبيًا عميقًا يصعب تجاوزه، انعكس بوضوح في حجم الحشود والشعارات والمواقف التي رافقت مراسم التشييع.

وفي هذا الإطار يؤكد الدكتور قاسم قصير أن الحدث فرض نفسه على وسائل الإعلام العربية والدولية، التي لم تتمكن من تجاهل مراسم التشييع نظراً إلى حجمها وتأثيرها، مشيراً إلى أن الاهتمام الإعلامي امتد إلى أعلى المستويات السياسية، ومستشهداً بتصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب التي رأى فيها اعترافاً بكثافة الحشود الشعبية المشاركة، خلافاً لما كانت تنقله إليه بعض التقارير.

التشييع ورسائل المرحلة الجديدة: مستقبل الجمهورية الإسلامية بعد الإمام الخامنئي الشهيد

تكشف مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي أنها تجاوزت كونها مناسبة جنائزية لتتحول إلى حدث سياسي وتاريخي حمل رسائل داخلية وخارجية متعددة، عكست تماسك مؤسسات الجمهورية الإسلامية واستمرار مشروعها السياسي بعد مرحلة مفصلية. كما أظهرت الحشود الشعبية، والحضور الرسمي والدولي، والتغطية الإعلامية الواسعة، أن التشييع شكّل محطة لإعادة إنتاج الشرعية واستشراف ملامح المرحلة المقبلة في إيران ودورها الإقليمي والدولي.

وإذا كان حجم المشاركة الشعبية قد عكس مستوى الالتفاف الداخلي، فإن مضمون الرسائل التي حملتها مراسم التشييع يفتح الباب أمام قراءة أوسع لدلالات المرحلة المقبلة.

وفي قراءته للرسائل التي حملتها مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، يؤكد الدكتور عليق، أن الحشود المليونية جسّدت قبل كل شيء تجديد الالتزام بنهج الإمام الخميني والثورة الإسلامية، والوفاء للمسار الذي واصل الإمام الخامنئي ترسيخه طوال سنوات قيادته. ويرى أن هذا المشهد يعكس استمرار الإيمان بمشروع الثورة الإسلامية، الذي يقوم على بناء الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي وصولًا إلى مشروع الحضارة الإسلامية، معتبرًا أن المشاركة الشعبية جاءت تأكيدًا على التمسك بهذا النهج واستعداد الشعب لمواصلة الدفاع عنه.

ويضيف عليق أن التشييع حمل كذلك رسائل سياسية واضحة، تمثلت في التأكيد على استمرار نهج المقاومة، ورفض الضغوط الخارجية، وإثبات أن الحرب لم تنجح في كسر إرادة الشعب الإيراني أو إسقاط الجمهورية الإسلامية أو تفكيك جبهة المقاومة، بل على العكس، دفعت الجماهير إلى النزول بكثافة للتعبير عن تمسكها بالثورة وقيادتها. كما يرى أن الحشود وجّهت رسالة إلى المسؤولين بضرورة الحفاظ على الثوابت الوطنية وعدم تقديم تنازلات تمس مصالح البلاد، انطلاقًا من قناعة شعبية بعدم الثقة بالولايات المتحدة في ضوء التجارب السابقة، والاستعداد لمواجهة أي تحديات أو اعتداءات مستقبلية.

وفي هذا الإطار اعتبرت الدكتورة جابر أن المشاركة مراسم التشييع لم تقتصر على فئة اجتماعية أو سياسية محددة، بل شملت شرائح متنوعة من المجتمع الإيراني، من الشباب وكبار السن، ومن مختلف الانتماءات الفكرية والاجتماعية. وقد عُدَّ هذا الحضور الواسع مؤشرًا على أن التحديات الخارجية أسهمت في تعزيز الشعور بالمسؤولية الوطنية، وتقديم الدفاع عن الدولة على الاعتبارات السياسية والخلافات الداخلية.

وفي قراءته لهذا الموضوع يشير الدكتور يوسف خليل إلى أن مشاركة الشباب الكثيفة في مراسم التشييع حملت دلالات خاصة، إذ بدّدت، برأيه، الاعتقاد الذي روّجت له الحرب الناعمة والغزو الثقافي بأن الأجيال الجديدة قد ابتعدت عن مبادئ الثورة الإسلامية. ويرى أن الحضور الواسع للشباب يعكس استمرار ارتباطهم بمشروع الثورة، ولا سيما أنهم كانوا، وفق تقديره، في طليعة الإنجازات التي حققتها إيران في مجالات العلوم والتكنولوجيا، وهو ما كان الإمام الخميني قد راهن عليه منذ قيام الثورة.

ويخلص الدكتور يوسف خليل إلى أن تشييع الإمام السيد علي الخامنئي لم يكن مجرد مراسم وداع لقائد تاريخي، بل محطة أكدت، في نظره، استمرارية المشروع الذي أسسه الإمام الخميني، وتجدد التزام الأجيال الجديدة بحمل إرثه ومواصلة مسيرته، بما يعكس إيمانهم بأن تضحيات قادة الثورة ستبقى منطلقاً لاستمرار هذا المشروع وتطوره في المرحلة المقبلة.

وفي هذا الصدد، يتوقع الدكتور قاسم قصير استمرار إيران كقوة إقليمية مؤثرة، ويربط طبيعة دورها المستقبلي بنتائج المفاوضات مع الولايات المتحدة وتطبيق أي تفاهمات قد يتم التوصل إليها. ويعتبر أن المنطقة قد تكون مقبلة على تشكل نظام إقليمي جديد، بالتوازي مع تحولات في النظام الدولي، بما يمنح إيران، وفق تقديره، دوراً فاعلاً على المستويين الإقليمي والدولي.

وبذلك، بدا تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي أكثر من مجرد مراسم وداع، إذ تحوّل إلى محطة مفصلية حملت رسائل سياسية وشعبية عكست استمرارية الجمهورية الإسلامية وقدرتها على إدارة مرحلة الانتقال. كما فتح الحدث الباب أمام قراءات جديدة لمستقبل إيران ودورها في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل خاص .. التشييع الذي أعاد رسم المشهد-الإمام الخامنئي بين الوفاء الشعبي وبداية مرحلة التجديد نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على قناة المنار و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم