اخبار عربية المور والأمازيغ

المور والأمازيغ


اليكم الان المور والأمازيغ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

سجال التسميات بين الأكاديميا والأيديولوجيا

يدور في الأوساط الأكاديمية والمثقفة سجال حاد حول تسميات المغرب والمغاربة القدماء، تتجاذبه تيارات فكرية متباينة، في مشهد يذكرنا بصراعات الهوية التي كثيراً ما تطمس الحقائق التاريخية تحت وطأة الأيديولوجيا. فقد شاع تفسير اسم “أمازيغ” بأنه يعني “الإنسان الحر” أو “الرجل النبيل”، وهو تأويل لا يصمد أمام التدقيق، إذ تخلو النقوش القديمة والمصادر الكلاسيكية من أي سند لغوي له.

صادف أن تركّز اهتمامي، بصفتي تشكيلياً، على تاريخ الألوان وصلتها بالشعوب، فاطلعت على أن اسم الفينيقيين ـ ذلك الشعب البحري الذي استوطن سواحل الشام وامتد حضوره إلى شمال إفريقيا ـ ارتبط في المصادر الإغريقية بكلمة فوينكس (Phoinix) بمعنى الأرجواني، وذلك لشهرتهم في استخراج الصباغ من قواقع الموريكس. وهكذا تحولت دلالة لونية بصرية إلى علامة هوية جماعية، وكانت هذه الملاحظة الخيط الأول الذي وجّهني إلى البحث في الموضوع.

أسماء الشعوب واللون: نمط أنثروبولوجي ممتد

تبيّن لي أن تسمية الفينيقيين لم تكن حالة معزولة، بل تكشف عن نمط أعمق في العقل القديم: ربط أسماء الشعوب بالألوان والجغرافيا الطبيعية، ورثه الإغريق عن ثقافات أسبق وطبّقوه من المشرق إلى المغرب.

فالغال (السلتيون) اشتُق اسمهم عند إيسيدور الإشبيلي من البياض، إذ سماهم الإغريق Γαλάται (Galatai) ربطاً بكلمة “غالا” (γάλα) اليونانية أي الحليب، تشبيهاً ببياض بشرتهم. وفي المقابل الطرف الجنوبي، سُمّي إقليم “إثيوبيا” (Αἰθιοπία) من Αἰθίοψ أي “ذو الوجه المحروق”، وهو وصف أطلقه سترابو وبليني وبطليموس على الشعوب ذات السحنة الداكنة من البحر الأحمر إلى الأطلسي؛ وفي التداول العربي نفسه قوبل “البيضان” بـ”السودان” على ذات المنطق.

وبين هذين الطرفين امتد نمط الحمرة والسمرة: فاسم “كنعان” (Knaggi في النصوص الحورية) يعني حرفياً “الصباغ الأحمر الأرجواني”، ومنه أطلق الإغريق على أهله اسم Phoinix. واسم “أدوم” العبري (אֱדוֹם) مشتق من الجذر (أ-د-م) الدال على الحمرة والدم، ويؤكده سفر التكوين في وصف عيسو بأنه “أحمر”. واسم “حمير” في النقوش المسندية (ح-م-ر) دالّ على الأحمر، إشارة إلى لبوس الملك الحمراء أو السحنة المائلة للحمرة. وهكذا يكتمل طيف لوني يمتد من الشمال الأبيض إلى الجنوب الأسود، مروراً بالحمرة والسمرة في الأوساط، دون أن تحمل هذه التسميات في سياقها الطبيعي أي حكم قيمة، بل كانت توصيفاً بصرياً ينطلق من الملاحظة المناخية المباشرة.

وإذا كانت هذه هي السمة الغالبة في تسمية الشعوب من المشرق إلى أوروبا، فهل يمكن لغرب شمال إفريقيا أن يكون معزولاً عن هذا السياق؟

“موريطانيا”: بين الأصل اليوناني والتفسير المحلي المتأخر

أطلق الرومان اسم “موريطانيا” على مقاطعتهم في شمال إفريقيا من تركيب “موري” (اسم الشعب) و”تانيا” (لاحقة لاتينية تعني بلاد أو إقليم)، فيكون المعنى الحرفي “بلاد المور”. وقد أشار سترابو إلى أن الإغريق كانوا يسمون هذا الشعب “ماوروسيي” (Maurusii)، بينما استعمل الرومان والسكان الأصليون “موري” (Mauri). وتتكرر اللاحقة “-تانيا” في مقاطعات رومانية أخرى شهدت احتكاكاً مع الفينيقيين والقرطاجيين، كـ”لوسيتانيا” و”أكيتانيا”، ويبدو أنها تعود إلى جذر سامي-كنعاني يقارب العربية (و-ط-ن)، فحملت دلالة “الموطن” التقطها الرومان من التداول المحلي.

أما الجذر “موري” فقد حاول بعضهم ردّه إلى “تمورت” الأمازيغية بمعنى الأرض، لكن هذا الرأي يصطدم بإشكال صرفي: فلو كان الاسم مشتقاً من كلمة تعني أرضاً، لكان التركيب “أرض الأرض”، وهو ما لا يستقيم في علم أسماء الأماكن. ويميل التحليل الأكاديمي إلى اعتبار التسمية ذات أصل يوناني خارجي، إذ تُجمع المعاجم اليونانية الكلاسيكية، وفي مقدمتها معجم ليدل-سكوت-جونز، على أن Μαῦρος (Mauros) تعني “الداكن” أو “القاتم”. وقد صرّح إيسيدور الإشبيلي بأن الإغريق يسمون الأسود “ماورون”، وأنه كما اشتق اسم الغال من البياض، اشتقت موريطانيا من السواد.

“الأمازيغ”: التحليل الصرفي بين التفسير الشائع وقراءة العلوي

إذا انتقلنا من التسمية الخارجية “موري” إلى الاسم الذاتي “أمازيغ”، نجد إشكالية مماثلة. فقد حاول ستيفان غزال تفسير الاسم بـ”الرجل النبيل” استناداً إلى وصف ليون الإفريقي للغة بأنها “نبيلة”، وهو خلط بين صفة اللغة وصفة العرق يرفضه سالم شاكر بحزم في الموسوعة البربرية، مؤكداً أن “أمازيغ” اسم عرقي قديم لا لقب اجتماعي. كما اصطدمت فرضية المستشرق سارنيلي (1957)، التي تربط الكلمة بالجذر (ZWɣ) الدال على الحمرة، بعقبة صوتية: إذ تحتفظ مشتقات الجذر بحرف العلة “W” بينما تخلو منه “أمازيغ”.

وفي هذا السياق يطرح الباحث اللساني المغربي الدكتور أحمد العلوي قراءة صرفية مغايرة، يبنيها على معطيات لغوية من الشلحة الجنوبية الغربية (تشلحيت)، حيث يثبت الجذر (أزكغ) الدال على الحمرة في كلمات مثل “تزغي” (حمرة) و”أزكع” (أحمر). ويميز العلوي بين المصدر الثابت “تزغي” (الحمرة المطلقة) وصيغة “آزغ” التي تحمل، في قراءته، دلالة “الحمرة المنتقلة”، أي السحنة المكتسبة بالاحتراق لا اللون الثابت. وعليه يفكك كلمة “إمازيغن” إلى بنية “إم-آزغ”، حيث “إم” صيغة تعني “ذوو” أو “أصحاب”، و”آزغ” هي صيغة الحمرة المنتقلة، فيكون المعنى الحرفي “ذوو الحمرة المنتقلة”. وهذا ما يفسر لماذا قابل العرب الأقدمون هذا المعنى باسم “حمير” المألوف لديهم، دون أن يكون ذلك بالضرورة ادعاء نسب قبلي، بل ترجمة لغوية دقيقة التقطها العرب من مخالطتهم للأمازيغ وفهمهم للسانهم.

الشواهد التاريخية: من المعتمد بن عباد إلى الموحدين

يكتسب هذا الاحتمال قوة إضافية من الشواهد التاريخية، وأوضحها رسالة المعتمد بن عباد (1040-1095م) إلى يوسف بن تاشفين، إذ يخاطب أمير المرابطين بعبارة: “أنت ملك المغرب أبيضه وأسوده وسيد حمير”.

ففي هذا التقسيم الثلاثي الذي يقابل الأبيض والأسود بالحمرة، يصعب تفسير “حمير” بوصفها نسباً قبلياً يمنياً، بل تبدو تركيباً لونياً يكمل طيف سحنات المغاربة، مما يشير إلى أن المصطلح استُخدم كمرادف لـ”أمازيغ” في الوعي العربي الأندلسي.

ويتواصل هذا البعد عند الموحدين، إذ افتخر شعراؤهم بلفظ “حمير” في قولهم:

“يا بني حمير ويا خير عصبة… نصرت دين الهدى بالبيض والحمر”.

ورغم أن “البيض والحمر” قد يُفهم كإشارة إلى راياتهم أو خيلهم، فإن الأهم أن دلالة “بني حمير” هنا تستعصي على التأويل النسبي القبلي، إذ إن المصامدة – القبيلة الأم للموحدين – قبيلة أمازيغية أطلسية استقرت في مجالها الجبلي منذ أقدم العصور، ولا يُعرف لها فرع خارج المغرب، وهذا الاستقرار الجغرافي الحصري يستبعد أي دعوى نسب يمني.

خلاصة: نحو قراءة مفتوحة

تخلص هذه المقاربة إلى رصد نمط لغوي يمتد من المشرق إلى المغرب، ارتبطت فيه تسميات الشعوب بدلالات الحمرة والسمرة. وفي ضوء هذا النمط، يظل التفسير الأكاديمي الراجح لاسم “المور” هو الأصل اليوناني (Μαῦρος) بمعنى الداكن. أما اسم “إمازيغن”، فتكشف قراءة العلوي عن دلالة راجحة هي “ذوو الحمرة المنتقلة”، وهو ما قد يفسر التقابل الاستعمالي مع “حمير” في التداول العربي القديم. تبقى هذه القراءة أولية، مفتوحة على التمحيص، غير أنها تقدم رؤية ممكنة تضع تسميات المغرب القديم في سياقها الأنثروبولوجي الطبيعي، وتتجاوز الإسقاطات الأيديولوجية. فالتاريخ، في النهاية، ليس مرآة تعكس ما نريد رؤيته، بل نسيج من الدلالات يقتضي قراءة متأنية تضعه في سياقه الطبيعي، بعيداً عن الإسقاطات الأيديولوجية.

أغمات، يوليوز 2026

*فوزي البصري تشكيلي وباحث مهتم بالتاريخ، صاحب متحف بيت المعتمد بأغمات.

*مقال للدكتور أحمد العلوي (2016)، “هل الأمازيغ حميريون؟“، هسبريس

-تشكيلي وباحث

المور والأمازيغ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المور والأمازيغ



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس المور والأمازيغ

كانت هذه تفاصيل المور والأمازيغ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم