اخبار عربية لماذا نقرأ السير الذاتية اليوم؟قراءة في الطبعة الثانية من كتاب (أشكال كتابة الذات في حضرموت: السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات)

لماذا نقرأ السير الذاتية اليوم قراءة في الطبعة الثانية من كتاب أشكال كتابة الذات في حضرموت السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات


اليكم الان لماذا نقرأ السير الذاتية اليوم؟قراءة في الطبعة الثانية من كتاب (أشكال كتابة الذات في حضرموت: السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات) والان إلى التفاصيل من المصدر الاول _ من قلب الحدث

طه البحر

ليس من قبيل المصادفة أن تشهد العقود الأخيرة إقبالًا متزايدًا على قراءة السير الذاتية والمذكرات واليوميات في مختلف أنحاء العالم، حتى باتت كثير من هذه الكتب تتصدر قوائم المبيعات وتستقطب أعدادًا من القراء تفوق أحيانًا ما تحققه الروايات والقصص الخيالية. فقد تغيرت علاقة الإنسان المعاصر بالنصوص السردية؛ إذ لم يعد يبحث فقط عن الحكاية الجميلة أو الحبكة المحكمة، وإنما أصبح يبحث عن الإنسان نفسه، وعن التجربة الحقيقية التي عاشها الكاتب، وعن التفاصيل اليومية التي صنعت شخصيته، وعن اللحظات التي تكشف تداخل الخاص والعام، والفردي والجماعي، في تشكيل التاريخ والثقافة.

ولعل هذا ما دفع الناقد العربي الكبير جابر عصفور، قبل سنوات، إلى مراجعة مقولته الشهيرة عن (زمن الرواية)، ليرى أن المشهد السردي العربي أصبح يتسع لما هو أبعد من الرواية، وأن كتب السير الذاتية والمذكرات واليوميات غدت تشكل أحد أهم روافد السرد العربي المعاصر. فالقارئ اليوم يريد أن يرى الحياة كما عاشها أصحابها، لا كما يتخيلها الروائي وحده؛ ولذلك أصبحت كتابة الذات من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على الجمع بين متعة القراءة وقيمة الوثيقة التاريخية.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تكتسب الطبعة الثانية من كتاب الأستاذ الدكتور مسعود عمشوش (أشكال كتابة الذات في حضرموت، السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات) أهمية خاصة؛ لأنها تأتي في وقت يتزايد فيه الاهتمام بهذا اللون من الكتابة، ولأنها تقدم للقارئ العربي مادة علمية رصينة عن واحد من أكثر الموضوعات حضورًا في الدراسات الأدبية الحديثة، ولكن من خلال مدونة حضرمية لم يسبق أن حظيت بهذا القدر من الجمع والتحليل والتأصيل.

ولا تكمن قيمة هذا الكتاب في أنه يجمع أربعة عشر نصًا من نصوص كتابة الذات التي أنجزها كتاب حضارم عبر فترات تاريخية مختلفة فحسب، وإنما في أنه يقرأ هذه النصوص بوصفها ظاهرة ثقافية واجتماعية وسردية، تتقاطع فيها أسئلة الأدب مع أسئلة التاريخ والهوية والذاكرة. ولذلك فإن القارئ لا يخرج من الكتاب وقد تعرف إلى مؤلفي هذه النصوص فقط، بل يخرج وقد تعرف إلى تحولات المجتمع الحضرمي نفسه عبر قرون متعاقبة، من خلال أصوات الذين عاشوا تلك التحولات وسجلوها بأقلامهم.

ويحسب للدكتور عمشوش أنه لم يضع هذا الكتاب استجابة لموضة نقدية عابرة، بل جاء ثمرة مشروع أكاديمي طويل بدأ داخل قاعات الدراسات العليا في جامعة عدن، حيث كان يدرّس لطلبة الماجستير والدكتوراه قضايا السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات، ويكلفهم بقراءة نصوص عربية وعالمية، ومناقشة إشكالاتها النظرية والسردية. ومن هنا فإن هذا الكتاب يمثل مثالًا ناجحًا على قدرة الأستاذ الجامعي على تحويل المعرفة الأكاديمية المتخصصة إلى معرفة ثقافية عامة، دون أن يفقدها رصانتها العلمية أو عمقها المنهجي.

وهذه ليست مهمة سهلة؛ فكثير من الكتب الجامعية تبقى أسيرة المصطلحات المغلقة والإحالات النظرية الثقيلة، فلا يتجاوز جمهورها حدود المختصين. أما هذا الكتاب فقد استطاع أن يحقق معادلة صعبة؛ إذ احتفظ بدقته الأكاديمية في تعريف أجناس كتابة الذات والتمييز بينها، وفي الإفادة من أهم النظريات الحديثة، وفي الوقت نفسه قدم قراءات واضحة يستطيع القارئ غير المتخصص أن يتابعها دون عناء، لأن المؤلف جعل النصوص نفسها محور الدراسة، وجعل التحليل النقدي خادمًا للنص لا متسلطًا عليه.

ومن يطالع فهرس الكتاب يكتشف منذ الوهلة الأولى اتساع المدونة التي اشتغل عليها المؤلف؛ فهي لا تقتصر على السيرة الذاتية، وإنما تمتد إلى المذكرات واليوميات، وتضم نصوصًا كتبها رجال دين وأدباء ومناضلون وسياسيون ومدرسون ومثقفون، وهو تنوع يمنح القارئ فرصة نادرة لمقارنة أشكال متعددة من كتابة الذات داخل بيئة ثقافية واحدة.

ومن أهم ما يلفت النظر في هذا الكتاب أنه يعيد كتابة تاريخ الثقافة الحضرمية من زاوية مختلفة. فالتاريخ المعتاد يركز غالبًا على الأحداث الكبرى، والدول، والحروب، والاقتصاد، بينما تركز كتابة الذات على الإنسان الفرد، وعلى تفاصيل حياته اليومية، وعلى علاقته بأسرته وأصدقائه وبيئته، وعلى مشاعره وانكساراته وانتصاراته الصغيرة. ومن هنا تتحول السيرة الذاتية إلى وثيقة ثقافية لا تقل أهمية عن الوثيقة التاريخية، لأنها تحفظ ما لا تحفظه كتب التاريخ الرسمية.

ولعل أبرز ما يقدمه الدكتور عمشوش في هذا السياق هو كشفه عن عمق حضور كتابة الذات في حضرموت، خلافًا لما قد يتصوره بعض القراء من أن هذا الفن حديث العهد في البيئة الحضرمية. فالكتاب يثبت أن الحضارم مارسوا هذا اللون من الكتابة منذ قرون، وأن جذوره تمتد إلى القرن السادس عشر الميلادي وما بعده، وأن هذه النصوص لا تمثل مجرد شهادات شخصية، بل تشكل جزءًا من التراث الأدبي والثقافي لحضرموت. وبذلك يرد الكتاب عمليًا على التصور الذي يربط نشأة السيرة الذاتية العربية بالعصر الحديث وحده، ويبين أن التراث العربي، والحضرمي بخاصة، يمتلك نماذجه الخاصة التي تستحق الدراسة والتحليل.

ومن أمتع فصول الكتاب، وربما أكثرها إثارة، الدراسة التي خصصها المؤلف لكتاب (سفينة البضائع وضمينة الضوائع) للحبيب علي بن حسن العطاس، وهو نص يراه المؤلف حالة استثنائية في تاريخ السيرة الذاتية العربية القديمة، بسبب الجرأة اللافتة التي تحدث بها صاحبه عن طفولته، وزوجاته، وعلاقاته الأسرية، وحياته الخاصة وكراماته، في وقت كانت معظم السير الذاتية العربية القديمة تتجنب مثل هذه التفاصيل، وتغلب عليها الموضوعات العامة أو الدينية أو العلمية. وقد نجح الدكتور عمشوش في إقناع القارئ بأن هذه الجرأة ليست مجرد نزعة إلى الاعتراف، وإنما هي عنصر فني وثقافي يجعل النص أقرب إلى مفهوم السيرة الذاتية الحديثة، ويمنحه قيمة أدبية استثنائية.

 كتابة الذات بوصفها تاريخًا موازياً للمجتمع:

وإذا كانت كتب التاريخ التقليدية تنشغل عادةً بتوثيق الوقائع الكبرى، فإن كتب السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات تنصرف إلى تسجيل ما يمكن أن نسميه "التاريخ الإنساني للحياة اليومية". فهي لا تقدم للقارئ صورة الحكام والقرارات السياسية فحسب، وإنما تكشف له كيف عاش الناس تلك الأحداث، وكيف أثرت في تفاصيل حياتهم، وعلاقاتهم، ومشاعرهم، وطموحاتهم، وانكساراتهم.

ومن هنا تتجلى إحدى أهم فضائل كتاب الدكتور مسعود عمشوش؛ إذ إنه لا يكتفي بتحليل نصوص أدبية من حيث بناؤها السردي أو لغتها الفنية، وإنما يقرأها أيضًا بوصفها وثائق ثقافية واجتماعية تسهم في إعادة بناء الذاكرة الحضرمية من الداخل. فكل نص من النصوص الأربعة عشر التي تناولها الكتاب يمثل نافذة تطل على مرحلة تاريخية معينة، أو على فئة اجتماعية بعينها، أو على تجربة إنسانية خاصة، بحيث تتضافر هذه النصوص في النهاية لتكوين صورة بانورامية واسعة للمجتمع الحضرمي عبر عدة قرون. 

ولهذا لم يكن اختيار المؤلف لنصوصه اعتباطيًا، بل جاء قائمًا على مبدأ التنوع. فهو ينتقل بالقارئ من سيرة عالم متصوف في القرن الثامن عشر، إلى سيرة قاص معاصر، ومن مذكرات مناضلين شاركوا في مقاومة الاستعمار البريطاني، إلى مذكرات معلمين ومربين، ثم إلى يوميات أديب كبير مثل علي أحمد باكثير، ويوميات القاص صالح سعيد باعامر. وبهذا التنوع ينجح الكتاب في تجاوز النظرة الضيقة التي تحصر كتابة الذات في الشخصيات السياسية أو الأدبية الكبرى، ليؤكد أن التجربة الإنسانية، مهما بدا صاحبها عاديًا، تستحق أن تُروى وأن تُدرس.

ويحسب للمؤلف كذلك أنه ينبه القارئ، بصورة غير مباشرة، إلى أن التاريخ لا يصنعه السياسيون وحدهم، وإنما يصنعه أيضًا المعلم الذي قضى عمره في التعليم، والمناضل الذي سجل شهادته، والأديب الذي دوّن يومياته، والإنسان الذي رأى في تجربته الخاصة ما يستحق أن ينتقل إلى الأجيال اللاحقة. ولهذا فإن قراءة هذه النصوص تمنحنا معرفة بالحياة الاجتماعية والثقافية في حضرموت ربما لا نجدها في المصادر التاريخية التقليدية.

بين السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات:

ومن الجوانب التي تضفي على هذا الكتاب قيمة علمية كبيرة نجاح مؤلفه في إزالة كثير من الالتباس الذي يحيط بأشكال كتابة الذات. فكثيرًا ما يجري التعامل مع السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات باعتبارها أسماء مختلفة لجنس أدبي واحد، بينما يوضح الدكتور عمشوش، من خلال تطبيقاته النقدية، أن لكل واحد من هذه الأشكال خصائصه الفنية ووظيفته السردية. فالسيرة الذاتية تجعل الذات محورًا للحكي، وتعيد بناء حياة المؤلف منذ الطفولة حتى مراحل النضج، في حين تميل المذكرات إلى التركيز على مشاركة صاحبها في الحياة العامة والأحداث السياسية والاجتماعية، أما اليوميات فتقوم على تسجيل اللحظة الآنية قبل أن تتحول إلى ذكرى، ولذلك تمتاز بقدر كبير من العفوية والصدق والمباشرة.

وتزداد قيمة هذه الطبعة الثانية من الكتاب بكونها لم تكتف بإعادة نشر الطبعة الأولى، وإنما تقدم الكتاب في إخراج فني أكثر أناقة، مع إضافة عدد من الصور المرتبطة بالنصوص المدروسة، وهو ما يمنح القارئ إحساسًا أكبر بقرب تلك الشخصيات والأمكنة والوثائق من عالمه، ويجعل القراءة تجربة بصرية أيضًا، لا تجربة معرفية فقط. وقد أشار المؤلف نفسه في مقدمته إلى أنه اكتفى بمواد الطبعة الأولى مع تحسين الإخراج وإضافة الصور، وهو قرار يعكس وعيًا بأهمية الجانب البصري في تلقي الكتاب المعاصر.

لهذا يحسب لمؤلف الكتاب أيضا أنه تعامل مع هذه الطبعة الثانية بوصفها فرصة لتطوير تجربة القراءة نفسها. فالإخراج الجديد، وما أضيف إليه من صور ووثائق، لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يضيف بعدًا توثيقيًا يجعل الشخصيات والأماكن والأحداث أكثر حضورًا في ذهن القارئ. 

ولعل هذه اللمسة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الكتاب المعاصر لم يعد يعتمد على النص وحده، وإنما أصبح يعتمد أيضًا على الصورة، وعلى حسن الإخراج، وعلى الراحة البصرية، بوصفها عناصر تسهم جميعًا في تشجيع القارئ على مواصلة القراءة، ولا سيما في عصر تتنافس فيه الوسائط الرقمية على جذب انتباهه.

ولهذا أعتقد أن هذا الكتاب لا ينبغي أن يقتصر حضوره على رفوف أقسام اللغة العربية والنقد الأدبي، بل ينبغي أن يكون حاضرًا أيضًا في مكتبات المهتمين بتاريخ حضرموت، والدراسات الثقافية، والعلوم الاجتماعية، والكتابة الإبداعية، لأنه يقدم مادة تتجاوز حدود النقد الأدبي إلى دراسة المجتمع والثقافة والذاكرة. فهذا الكتاب ليس من الكتب التي يفرغ القارئ منها ثم يضعها على الرف وينساها. ذلك أن كل قراءة جديدة لهذا الكتاب تكشف جانبًا آخر من ثرائه؛ فقد يعود إليه الباحث ليستفيد من منهجه النقدي، ويعود إليه طالب الدراسات العليا ليستأنس بطريقة تحليل النصوص، ويعود إليه المؤرخ ليستخرج منه معطيات اجتماعية وتاريخية، ويعود إليه القارئ العادي ليستمتع بحكايات أشخاص عاشوا في أزمنة متباعدة، لكنهم جميعًا كانوا يكتبون الإنسان قبل أي شيء آخر.

لماذا نقرأ السير الذاتية اليوم قراءة في الطبعة الثانية من كتاب أشكال كتابة الذات في حضرموت



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


الاول _ من قلب الحدث لماذا نقرأ السير الذاتية اليوم قراءة في الطبعة الثانية من

كانت هذه تفاصيل لماذا نقرأ السير الذاتية اليوم؟قراءة في الطبعة الثانية من كتاب (أشكال كتابة الذات في حضرموت: السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات) نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم