- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية رْحبة الانتخابات

اخبار عربية
صوت المغرب قبل 2 ساعة و 31 دقيقة

اليكم الان رْحبة الانتخابات والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب:

يفترض أن تكون الانتخابات موعدا حيويا وحاسما مع البعد الإجرائي للديمقراطية. لحظة يعود فيها القرار إلى المواطن، وتخرج فيها الأحزاب إلى الناس ببرامجها ومشاريعها وتصوراتها، وتتنافس على الإقناع، وتختبر قوتها التنظيمية، وتقيس مقدار ما راكمته من ثقة ومصداقية وحضور داخل المجتمع. لكن ما يجري منذ أسابيع لا علاقة له بهذا كله.

ما نشاهده على مرأى ومسمع من المغاربة هو موسم علني للمساومة والتفاوض والترحال، ينتقل فيه أعيان الانتخابات من حزب إلى آخر كما تنتقل السلع بين أيدي الوسطاء، ويعرض فيه كل واحد رصيده من الأصوات والمجالس والعلاقات والنفوذ، على من يدفع سياسيا أكثر، أو يبدو أقرب إلى الحكومة المقبلة، أو أكثر اتصالا بمركز القرار.

لقد تحولت الانتخابات التي بات سؤال الجدوى من تنظيمها مطروحا، من موعد يفترض أن يعيد إنتاج الشرعية إلى عملية تجارية لإعادة توزيع المرشحين الجاهزين. ولم تعد الأحزاب تسأل: كيف نكسب ثقة الناخب؟ بل: كيف نقنع هذا العين أو ذاك بأن يترشح باسمنا؟ ولم يعد الرهان على بناء الفروع، وتقوية الأذرع التنظيمية، وتكوين النخب، وصناعة القيادات المحلية، وتقديم عرض سياسي واضح؛ بل صار حول استيراد من يملك مسبقا شبكة انتخابية يمكن تركيب رمز حزبي جديد فوقها.

هذا يعني شيئا واحدا: لا قيمة للناخب، ولا للإرادة الشعبية، ولا للحملات الانتخابية وما يفترض أن تعرفه من تنافس بين البرامج والمشاريع والتصورات. فكلما اتسعت دائرة التفاوض المسبق حول المرشحين، ضاقت مساحة الاختيار الحقيقي أمام المواطن. وكلما حُسمت المقاعد داخل الصالونات والخيام والمكاتب واللقاءات السرية، فقد صندوق الاقتراع جزءا من معناه.

لقد كانت الإدارة، ممثلة أساسا في وزارة الداخلية، متهمة دائما بهندسة الخرائط الانتخابية، وضبط التوازنات، وإدارة توزيع القوة بين الأحزاب. الجديد اليوم أن الأحزاب نفسها باتت منخرطة، بحماس كامل، في المنطق ذاته. لم تعد تبحث عن الشعبية والإشعاع والإقناع، بل عن هندسة الخريطة قبل أن يبدأ الاقتراع. ولم تعد تتنافس على المجتمع، بل على الأعيان الذين يعتقدون أنهم يملكون مفاتيح المجتمع.

أي أن الانتخابات صارت “رْحبة” بكل معنى الكلمة. والرْحبة، كما يعرفها المغاربة، ليست فضاء للتداول الحر بين مواطنين متساوين، بل سوقا تعرض فيها القطعان، ويتولى «الشناقة» تقدير قيمتها ورفع سعرها أو خفضه، ويتقدم المشترون، كل بحسب قدرته، ليس لاقتناء الأفكار أو المواقف أو البرامج، بل لاقتناء النفوذ الجاهز.

الناخبون في هذه الرحبة ليسوا مواطنين مستقلين، بل مجرد قطعان يفترض أن «العين» قادر على “سرحها” من رمز إلى آخر، ومن حزب إلى آخر. وبين هؤلاء شناقة كبار وصغار، وزعماء محليون، ورؤساء جماعات، وبرلمانيون، وأسر انتخابية، وأصحاب شبكات اقتصادية واجتماعية، بينما تقف الأحزاب في الجهة الأخرى للشراء، كل قدر استطاعته.

العملة المتداولة في هذه السوق ليست مرجعيات فكرية أو سياسية أو اقتصادية، ولا وضوحا في المشروع المجتمعي، ولا قدرة على إقناع المواطن بجدوى التصويت. العملة هي النفوذ، والقرب من مركز القرار، واحتمال المشاركة في الحكومة، والقدرة على منح التزكية، وضمان موقع في مجلس النواب أو المستشارين أو رئاسة جماعة أو جهة.

ألم يقل عبد الحق شفيق، في معرض تبرير سلوك يحتقر السياسة والإرادة الشعبية، بنظرية «الترشح النافع»؟ لقد راح يفاوض حزبين مشاركين في الحكومة، بينما هو نائب باسم حزب معارض، ثم قدم الأمر كما لو أنه اجتهاد سياسي مشروع: يريد أن يترشح باسم حزب مؤهل للمشاركة في الحكومة المقبلة.

بل إن الترحال لم يعد فرديا. وأصبح عائليا أيضا. أب هنا، وابنة هناك، وابن في حزب، ووالده في حزب آخر، إلى أن تتضح اتجاهات الريح، ثم يجري تجميع النفوذ أو توزيعه بحسب المصلحة. لم تعد العائلة الانتخابية تنتمي إلى حزب، بل قد توزع أفرادها بين أحزاب عدة، مثلما توزع محفظة استثمارية مخاطرها بين أكثر من سهم.

لهذا نحن ذاهبون إلى غرفة سفلى للبرلمان لم يعد فيها من «السفلية» سوى انحدار جميع مؤشرات الجودة الديمقراطية. لأن ما يسمّى اقتراعا عاما مباشرا لم يعد مباشرا إلا من الناحية الشكلية. أما فعليا، فنحن أمام انتخابات غير مباشرة، يتحكم فيها «لوردات» من طينة مغربية، يحتكرون النفوذ المحلي، ويضبطون شبكات المصالح، ويقدمون أنفسهم للأحزاب باعتبارهم مالكي كتل انتخابية جاهزة.

لا معنى للحديث، منذ الآن، عن اقتراع عام مباشر، إذا كانت الخريطة تفصّل مسبقا على يد أصحاب المال والوجاهة والنفوذ والقرب من السلطة. فما الذي سيختاره المواطن يوم التصويت، إذا كانت الأحزاب قد اختارت قبله من يملك القدرة على توجيهه؟

إننا ذاهبون، وفق هذا المنطق، إلى برلمان مصمم من الأعلى. وهذا يعني أيضا أننا ذاهبون إلى حكومة بلا رصيد شعبي حقيقي. فالأغلبية المقبلة يجري تفصيلها بشكل مسبق، في غياب تام لـ«الشعب» الذي يفترض أنه صاحب السيادة ويمارسها عبر الاقتراع.

الأحزاب التي تجمع اليوم مرشحيها بالطريقة التي تجمع بها الفرق الرياضية لاعبيها، لا تستعد للفوز بثقة المواطنين، بل لتجميع العدد الكافي من المقاعد للدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة. وحين تكون المقاعد نتاج شبكات النفوذ أكثر مما هي نتاج الاقتناع السياسي، تصبح الحكومة المقبلة ائتلافا مصلحيا لا تعبيرا عن إرادة عامة.

ستدخل الأغلبية المقبلة إلى مؤسسات الدولة دون سند شعبي، وسيكون صانع القرار العمومي أكثر عزلة عن المجتمع، وأقل قدرة على المقاومة والاستقلال، وأكثر قابلية لأن يصبح رهينة وأداة طيعة بين أيدي مراكز القوة والنفوذ التي ساهمت في صنع أغلبيته.

إن منسوب الثقة في المؤسسات لن يرتفع بهذه الطريقة، بل سينخفض أكثر. لأن المواطن الذي يرى النائب يغير حزبه كما يغير ملابسه، ويرى الحزب يتخلى عن خطابه لاستقبال خصم الأمس، ويرى الأغلبية تتشكل قبل أن يقول كلمته، لن يجد سببا جديا للاعتقاد أن صوته يصنع القرار.

المرشح الذي انتقل لأنه حصل على عرض أفضل، والحزب الذي استقطبه لأنه يملك رصيدا انتخابيا جاهزا، سيدخلان معا إلى المؤسسات بمنطق الاستثمار واسترجاع الكلفة. ومن دفع ثمنا سياسيا أو ماليا أو تنظيميا، سيبحث عما يعوضه بعد الوصول. ومن جاء محمولا فوق شبكة مصالح، لن يتحول فجأة إلى مدافع عن المصلحة العامة.

لذلك سنعيش تضاربا للمصالح أكثر مما عشناه في الولاية الحالية. وستختلط المواقع التمثيلية بالمصالح الاقتصادية، والنفوذ المحلي بالقرار العمومي، والعلاقات العائلية بالصفقات، والانتماء الحزبي بالحماية السياسية. وسيجري ذلك، مرة أخرى، خلف واجهة مؤسساتية تدّعي الشرعية، بينما ينخرها الفساد من الداخل.

ما يحدث الآن يحيي كل ما هو نقيض روح الديمقراطية والتعايش المدني القائم على المواطنة والمساواة في الحقوق، والاحتكام إلى قواعد محايدة ومنصفة. فبدل أن تنتج الانتخابات مواطنين متساوين أمام الصندوق، تعيد إنتاج القبائل والعائلات والأوليغارشيات الصغيرة والمتوسطة، المحلية والجهوية.

لا يتعلق الأمر بما يجري في الصحراء فقط، حيث تتداخل العلاقات القبلية والاقتصادية والسياسية في صناعة التمثيل. يكفي أن ننتبه إلى تصريح البرلماني محمد السيمو حين هدد بـ«اقتحام» مدينة طنجة انتخابيا، وفسر ذلك بكون المدينة “فيها غير حنا (جبالة) وريافة”.

أي أن المدينة لم تعد فضاء لمواطنين أحرار، بل باتت مجالا لتقاسم النفوذ بين الجماعات والأصول والانتماءات. والمرشح لا يقدم نفسه ممثلا لمشروع سياسي، بل قائدا لجماعة يفترض أنه قادر على استنفارها واقتحام مجال جماعة أخرى بها.

إن أخطر ما في «رْحبة الانتخابات» ليس الترحال نفسه، بل ما يكشفه من تحلل عميق لفكرة السياسة. فالترحال عَرض، أما المرض فهو اقتناع الأحزاب بأن الطريق إلى المؤسسات لا يمر عبر المجتمع، بل عبر المقرّبين من “الدولة” ومن يزعمون امتلاك المجتمع.

هكذا نمضي نحو انتخابات بلا سياسة، وبرلمان بلا تمثيل، وحكومة بلا شعبية، ومؤسسات تحمل شرعية النصوص، لكنها تفتقد شرعية المعنى.

ما يجري ليس حيوية سياسية، بل عملية اغتيال علني للسياسة. وليس إعادة ترتيب طبيعية للخريطة، بل إفراغ للانتخابات من وظيفتها الأصلية. وليس تنافسا ديمقراطيا، بل توزيع مسبق للغنيمة.

وحين سيفتح باب هذه الرحبة رسميا، سيُطلب من المغاربة أن يدخلوا إليها يوم الاقتراع، لا ليقرروا من يحكمهم، بل ليؤدوا الدور الأخير في مسرحية جرى اختيار أبطالها، وكتابة حبكتها، وتوزيع مقاعدها، و”مول المليح باع وراح”.

رْحبة الانتخابات صوت المغرب.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل رْحبة الانتخابات نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم