- الاكثر زيارة- اخبار محلية

اخبار محلية هندسة الردع الجديد: «المساومة تحت النار» وصراع الخرائط الممتدة

اخبار محلية
جو 24 قبل 2 ساعة و 39 دقيقة

اليكم الان هندسة الردع الجديد: «المساومة تحت النار» وصراع الخرائط الممتدة والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24:

كتب - زياد فرحان المجالي 

لم يعد المشهد الممتد من تلال جنوب لبنان وقطاع غزة، مرورًا بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب، وصولًا إلى الخليج وعمق الهضبة الإيرانية، قابلًا للقراءة بوصفه جولات عسكرية منفصلة أو حروب وكالة تقليدية يمكن احتواء كل منها بمعزل عن الأخرى. فما يجري أعمق من ذلك؛ إذ تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة إعادة صياغة شاملة لمعادلات الردع، تتداخل فيها الجغرافيا بالسلاح، والممرات البحرية بالطاقة، والميدان العسكري بطاولات التفاوض.

نحن أمام ما يمكن تسميته «هندسة الردع الجديد»؛ وهي عملية لا تخوضها الأطراف بالضرورة بحثًا عن نصر عسكري نهائي أو استسلام كامل للخصم، بل بهدف تعديل ميزان القوة وفرض وقائع تسبق التسوية السياسية الكبرى. فكل ضربة، وكل تحريك لقوة بحرية، وكل إطلاق للصواريخ أو الطائرات المسيّرة، يحمل رسالة تفاوضية تتجاوز الهدف الميداني المباشر، وتقول إن شكل الاتفاق المقبل لن يُصاغ في الغرف المغلقة وحدها، بل سيُرسم أيضًا تحت ضغط النار.

في هذه البيئة، تراجعت أهمية خطوط التماس التقليدية. لم يعد جنوب لبنان جبهة حدودية محصورة، ولم تعد غزة ساحة فلسطينية منفصلة، كما لم يعد البحر الأحمر بعيدًا عن معادلات شرق المتوسط والخليج. لقد تحولت هذه الساحات إلى عقد داخل شبكة جيوسياسية واحدة، بحيث يمكن أن يؤدي الاشتعال في إحداها إلى اضطراب أمني أو اقتصادي في مناطق تبعد عنها آلاف الكيلومترات.

فحين تتصاعد المواجهة في جنوب لبنان، لا تقتصر آثارها على القرى الحدودية أو العمق الإسرائيلي، بل تمتد إلى حسابات واشنطن في شرق المتوسط، وإلى ترتيبات الأمن البحري، وإلى موقع إيران في أي تفاوض إقليمي. وحين تتعرض الملاحة في البحر الأحمر للتهديد، لا تبقى المسألة محصورة في اليمن، بل تتحول إلى أزمة تمس قناة السويس وأسعار التأمين والشحن وسلاسل الإمداد وأمن التجارة الدولية.

هذه ليست فوضى جغرافية، بل هندسة واعية لخطوط الضغط المتبادل. فالولايات المتحدة وإسرائيل تعملان، وفق ما تكشفه تحركاتهما العسكرية والسياسية، على بناء طوق أمني واستراتيجي يحافظ على التفوق الجوي والتكنولوجي، ويحمي الممرات البحرية، ويحد من قدرة إيران وحلفائها على استخدام الجبهات الإقليمية أوراقًا للضغط العسكري والاقتصادي.

وفي المقابل، عملت إيران خلال العقود الماضية على بناء ما يمكن وصفه بـ**«الردع الشبكي»**؛ أي شبكة من الحلفاء والقوى الممتدة من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن. ولم يكن هدف هذه الشبكة نقل المواجهة بعيدًا عن الأراضي الإيرانية فحسب، بل جعل أي استهداف واسع لطهران أو لمصالحها قادرًا على إنتاج تداعيات تمس إسرائيل والقواعد الأميركية والملاحة الدولية.

وهنا تتحول الجغرافيا إلى قوة متحركة لا إلى مجرد حدود ثابتة. فقد يُترجم تفوق عسكري في الأجواء اللبنانية إلى ضغط سياسي على طاولة التفاوض، وقد تتحول طائرة مسيّرة في البحر الأحمر إلى ارتفاع في كلفة التجارة العالمية، كما قد يؤدي استهداف موقع عسكري أو قيادي إلى تغيير حسابات العواصم الكبرى بشأن الحرب والتسوية.

ومن هذه الزاوية، يصبح مفهوم «المساومة تحت النار» هو التوصيف الأدق للمرحلة الراهنة. فالحرب الشاملة تبدو خيارًا بالغ الكلفة لجميع الأطراف. إسرائيل تدرك أن فتح جبهات متعددة يستنزف جيشها واقتصادها وجبهتها الداخلية، وإيران تعرف أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة قد تعرض منشآتها وقدراتها الحيوية لضربات قاسية. أما واشنطن، فتريد حماية إسرائيل وردع إيران وضمان أمن الممرات الدولية، من دون الانجرار إلى حرب طويلة تهدد الأسواق العالمية وتستنزف نفوذها.

لذلك، باتت العمليات العسكرية أقرب إلى رسائل سياسية مشفّرة تُكتب بالصواريخ والمسيّرات والغارات. فكل طرف يستخدم مقدارًا محسوبًا من القوة لتحسين موقعه، مع الحرص على إبقاء هامش يمنع الانزلاق غير المنضبط نحو مواجهة لا يستطيع أحد التحكم في نهاياتها.

في الجانب الإسرائيلي، تشير معظم المؤشرات إلى أن تل أبيب تسعى إلى استثمار تفوقها الجوي والتكنولوجي والدعم الأميركي لتوجيه ضربات إلى البنى القيادية والعسكرية واللوجستية لخصومها. والهدف الواقعي ليس القضاء الكامل على هذه القوى، بل إضعافها وإبعاد قدراتها الهجومية عن الحدود وفرض ترتيبات أمنية تمنح إسرائيل هامش حركة أوسع، ولا سيما في جنوب لبنان.

أما إيران، فتدير الصراع وفق مزيج من الصبر الاستراتيجي والضغط المتدرج. فهي تستخدم الجبهات المتعددة لاستنزاف الخصم ورفع كلفة أي مواجهة محتملة، من دون تجاوز العتبة التي قد تدفع واشنطن إلى حرب مفتوحة. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى حماية قدراتها النووية والصاروخية والمحافظة على نفوذها الإقليمي، مع إبقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة.

ولا يبدو أن طهران قادرة على إقصاء الولايات المتحدة أو إنهاء التفوق الإسرائيلي، لكنها تعمل على الحد من حرية الحركة الإسرائيلية، ورفع كلفة الحضور الأميركي، ومنع تحولهما إلى قوة قادرة على فرض شروطها من دون ثمن. وبالمقابل، تدرك إسرائيل أن تفكيك شبكة النفوذ الإيرانية لا يتحقق بضربة واحدة أو حرب قصيرة. وهكذا، يبحث الجميع عن تحسين الموقع الذي سيجلسون منه عندما تبدأ التسوية الكبرى.

غير أن هذه المساومة لا تجري في فراغ دولي. فالصين تراقب أمن الطاقة والممرات البحرية، وروسيا تنظر إلى إيران بوصفها شريكًا في مواجهة النفوذ الغربي، فيما تخشى أوروبا اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة. ولهذا، فإن أي إعادة رسم للنظام الإقليمي لن تتم بمعزل عن مصالح هذه القوى.

أما الدول العربية، فتواجه خطرًا من نوع آخر: أن تبقى أراضيها وممراتها ومجتمعاتها ساحات لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة، بدل أن تتحول إلى أطراف فاعلة في صياغة النظام الإقليمي المقبل. فالمعادلة لا ينبغي أن تبقى محصورة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بينما تُدفع الكلفة من أمن الدول العربية واقتصاداتها وسيادتها. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى موقف عربي قادر على حماية المصالح المشتركة ومنع تحويل المنطقة إلى خرائط نفوذ مفتوحة.

وتواجه واشنطن معضلة إضافية، إذ تحاول التعامل مع كل ساحة بوصفها ملفًا مستقلًا؛ فتسعى إلى فصل جنوب لبنان عن غزة، وأمن البحر الأحمر عن الملف النووي الإيراني. لكن هذا التصور يصطدم بالترابط السياسي والعسكري الذي بنته طهران وحلفاؤها. فبالنسبة إلى إيران، لا توجد جبهات منفصلة تمامًا، بل أوراق متداخلة داخل معادلة واحدة.

إن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس فقط احتمال اندلاع حرب شاملة، بل استمرار المنطقة داخل مساحة رمادية بين الحرب والسلام؛ حيث تتكرر الضربات والتهديدات، بينما تبقى قنوات التفاوض مفتوحة خلف الستار. فالردع الجديد لا يمنع الحرب بالكامل، بل يديرها تحت سقف متحرك، ولا يفصل بين الصاروخ والعقوبات، أو بين الغارة الجوية والمفاوضات، أو بين الميدان والأسواق العالمية.

وفي النهاية، لن يكون المنتصر بالضرورة من يطلق الضربة الأخيرة، بل من ينجح في فرض الخريطة التي سيجلس الآخرون حولها عندما تهدأ المدافع. فالحروب تغيّر مواقع القوات، لكن التسويات ترسم حدود النفوذ. وما يجري اليوم ليس مجرد تبادل للنار، بل صراع على شكل الشرق الأوسط المقبل: من يكتب قواعده، ومن يحمي ممراته، ومن يملك حق الاعتراض، ومن يجلس إلى الطاولة شريكًا لا ساحةً ولا هدفًا.

والسؤال الحاسم ليس فقط: من انتصر في الحرب؟ بل: من استطاع أن يحوّل النار إلى نفوذ، والنفوذ إلى شروط، والشروط إلى خريطة جديدة للمنطقة؟.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل هندسة الردع الجديد: «المساومة تحت النار» وصراع الخرائط الممتدة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار محلية اليوم