اخبار محلية نورا الهاشمي تكتب : حوارات تيك توكية
اليكم الان نورا الهاشمي تكتب : حوارات تيك توكية والان إلى التفاصيل من المصدر صحيفة المسار العُمانية:
المسار | مقالات الرأي
نورا الهاشمي
نورا الهاشمي
في غمرة من الملل، وبدافع من الفضول لخوض تجربة جديدة، دخلت كعادتي لأفتح بثًا مباشرًا في “تيك توك”. لم أكن أتوقع أن تمتد الجلسة قرابة الساعة، ولا أن تتحول إلى دردشة ثقافية جميلة جمعت أشخاصًا من مختلف شرائح المجتمع. وبين موضوع وآخر، اتجه الحديث نحو القراءة، ذلك الموضوع الذي لا يشيخ مهما تغيرت المنصات وتبدلت اهتمامات الناس.
طرح أحد الحاضرين السؤال الذي يتكرر على ألسنة معظم المبتدئين في القراءة: كيف أدفع نفسي إلى المواظبة على القراءة؟ فكانت إجابتي هي نفسها التي أؤمن بها دائمًا؛ وهي أن جميع القراء الحقيقيين يشتركون في سمة أساسية، تتمثل في حب السؤال ودافع الفضول. فالقراءة والفضول تربطهما علاقة لا تنفصم؛ القراءة تولد الأسئلة، والأسئلة تقود إلى قراءة جديدة، في دائرة معرفية لا تنتهي. فإذا مات الفضول ماتت القراءة، وإذا توقفت القراءة خمدت الأسئلة.
ثم جاء سؤال آخر أكثر عمقًا: كيف أحافظ على دافعية القراءة؟ فأنا أقرأ فترة ثم أفتر. فأجبته بأن المشكلة ليست في القراءة نفسها، وإنما في طريقة التعامل معها. فالقراءة ليست استهلاكًا للمعلومات، وإنما هي ممارسة للحياة. ما تقرؤه ينبغي أن تراه في الواقع، وأن تربطه بتفاصيل حياتك اليومية، وأن تدخل به في حوارات ثقافية، وأن تكتب عنه مقالات فكرية، وأن تنشر ما تعلمته بين الناس. حينها تتحول المعرفة إلى جزء من شخصيتك، ويصبح الاستمرار في القراءة حاجة لا عادة مؤقتة.
انتقل الحديث بعد ذلك إلى قضية عزوف الشباب عن القراءة وطلب العلم، ولا سيما عند بلوغ منتصف العمر. وذكر أحد الحاضرين رأيًا يستحق التأمل؛ إذ قال إن الإنسان في تلك المرحلة يكون قد حقق معظم أحلامه التقليدية: وظيفة، وزوجة، ومنزل، وسيارة، وأبناء، وربما منصبًا اجتماعيًا، فيشعر أن القراءة لن تضيف إليه شيئًا ملموسًا وفق المقاييس التي يفرضها المجتمع. ولذلك يتوقف عن التعلم لأنه يعتقد أنه وصل إلى غايته.
وأرى أن هذه النظرة ليست مسؤولية الأفراد وحدهم، بل هي نتاج ثقافة اجتماعية رسخت فكرة أن قيمة الإنسان تقاس بما يملك، لا بما يعرف. ولذلك لا يحظى المثقف ولا القارئ بالتقدير الذي يليق بجهوده، ولا تلقى الأعمال البحثية والتحقيقية اهتمامًا يوازي ما تتطلبه من جهد ووقت، فينشأ جيل يرى الثقافة ترفًا لا ضرورة، والهواية الأخيرة التي يمكن التضحية بها عند ازدحام الحياة.
ومن هنا قادنا النقاش إلى مقارنة المشهد الثقافي في سلطنة عمان بين عامي 2008 و2010، وهي فترة شهدت نشاطًا ثقافيًا ملحوظًا، وحراكًا فكريًا غنيًا في المنتديات والمجالس والمواقع الإلكترونية، قبل أن يخفت ذلك الزخم تدريجيًا. فقد تحولت بوصلة الاهتمام نحو الاقتصاد، وشؤون المجتمع، والسياسة، وانصرف كثير من المثقفين والقراء عن القضايا الفكرية، وكأن القراءة التي كانوا يمارسونها لم تكن غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق مصالح أو حضور اجتماعي. ومع تغير الموجة، ركب كثيرون الموجة الجديدة، وتركوا الفكر جانبًا، واتجهوا إلى القضايا اليومية التي تحقق انتشارًا أسرع وزخما أكبر، رغم أن أغلبها لا يلبث أن يتحول إلى زوابع إعلامية سرعان ما تنطفئ، تاركة خلفها مجتمعًا أكثر ضجيجًا وأقل معرفة.
وفي خضم هذا الحديث، سألني أحدهم: ما أعظم التحديات التي تواجهك أثناء القراءة؟ فكانت إجابتي أنني أعاني من ضعف الإنتاج الفكري والديني المعاصر. فنحن نفتقر إلى مشاريع تجديد فكري جادة، وإلى مؤلفات دينية حديثة تعالج أسئلة الإنسان المعاصر بلغته وهمومه. كما نعاني من شح في الكتب الفكرية والثقافية مقارنة بما يغرق به السوق من روايات، ودواوين شعر، وإصدارات أدبية تحظى بحملات ترويجية واسعة، وبرامج ومسابقات تحتفي بأصحابها، في حين يبقى الكتاب الفكري في الظل، وكأن المعرفة العميقة لم تعد سلعة رائجة في زمن السرعة.
وبينما كان الحوار يزداد ثراءً، ويكشف عن هموم الثقافة والقراءة في مجتمعنا، ارتفع صوت أذان المغرب، ليعلن نهاية البث، لا نهاية الأسئلة. انفض الجمع الصغير، الذي لم يتجاوز خمسة أشخاص، وغادر كل منا إلى شأنه، بينما بقيت ساحة تيك توك تضج بما اعتادت أن تضج به من محتوى عابر وضجيج لا يترك أثرًا.
قد يبدو العدد ضئيلًا، لكنني خرجت من ذلك البث مؤمنًا بأن خمسة أشخاص يتحاورون حول القراءة خير من آلاف يتنافسون على التفاهة. فالأفكار العظيمة لم تبدأ يومًا بالحشود، وإنما بدأت دائمًا بسؤال صادق، وعقل فضولي، وقارئ يؤمن أن المعرفة ليست وسيلة للوصول إلى الحياة، بل هي الحياة نفسها.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل نورا الهاشمي تكتب : حوارات تيك توكية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.