اليكم الان بيان المنصف المرزوقي حول الحكم بالسجن في حق البلومي والبوغديري: حين يهزم التناقض الحجة والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس
*بقلم فاهم بوكدوس *
كنت أطالع منذ قليل البيان الصادر عن السيد المنصف المرزوقي، الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية، تعقيبا على الحكم الغيابي الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس، والقاضي بسجن الصحفيين حمزة البلومي وإنصاف البوغديري لمدة سنة لكل منهما، على خلفية القضية التي رفعها سنة 2015 إثر إعادة بث برنامج “اليوم الثامن” لفيديو كان متداولا على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي وعدد من المواقع الإخبارية، قبل أن يتبين لاحقا أنه فيديو مفبرك. وقد سبق للصحفي حمزة البلومي أن أقر بأن إعادة بث ذلك الفيديو كانت خطأ مهنيا، وقدم اعتذارا وتصحيحا علنيا في حينه.
والحال أن القضية، بعد أكثر من أحد عشر عاما، لم تعد مجرد نزاع بين رئيس سابق وصحفيين، بل تحولت إلى مناسبة لطرح سؤال أكبر: هل يجوز أن تكون أخطاء المهنة الصحفية، مهما بلغت جسامتها، مدخلا إلى العقوبات السالبة للحرية؟ وهل يمكن لدولة تقول إنها تحترم حرية التعبير أن تجعل من السجن وسيلة لمعالجة أخطاء النشر؟
لا أحد يجادل في أن من حق المنصف المرزوقي، مثل أي مواطن، اللجوء إلى القضاء إذا اعتبر أن سمعته تعرضت للتشويه. فهذا حق يكفله القانون ولا يجوز مصادرته. لكن هذا الحق لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن فلسفة حرية الصحافة الحديثة تقوم على أن الخطأ المهني لا يعالج في المقام الأول بالمحاكم والسجون، وإنما بآليات المهنة نفسها، من تصحيح واعتذار وحق في الرد ومسؤولية مدنية عند الاقتضاء. أما الزج بالصحفيين في السجون بسبب ما ينشرونه، فإنه لا يحمي الحقيقة، وإنما يزرع الخوف، ويشجع الرقابة الذاتية، ويقوض الدور الرقابي للإعلام.
ومن المبادئ المستقرة في الأنظمة الديمقراطية أن الشخصيات العامة، وفي مقدمتها رؤساء الدول والسياسيون، مطالبة بقبول هامش أوسع من النقد مقارنة بالمواطن العادي. بل إن هذا النقد قد يكون حادا أو جارحا أو حتى ظالما في بعض الأحيان، لأن من يختار العمل العام يضع نفسه طوعا تحت رقابة الرأي العام. ولهذا استقر القضاء المقارن، وخاصة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، على أن حدود النقد المباح تجاه الشخصيات العامة أوسع بكثير من تلك المتعلقة بالأفراد العاديين، لأن الديمقراطية لا تقوم على حماية السياسيين من النقد، بل على حماية حق المجتمع في مراقبتهم ومساءلتهم.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، تبرير الافتراء أو اختلاق الوقائع أو نشر الأخبار الكاذبة، وإنما يعني أن الرد على هذه الأخطاء يجب أن يكون متناسبا معها. فليس كل خطأ صحفي جريمة، وليس كل خطأ في التثبت أو التقدير أو النشر يستوجب العقاب الجزائي، فضلا عن العقوبات السالبة للحرية. ولو أصبح السجن هو الجواب الطبيعي عن الأخطاء المهنية، فلن تكون النتيجة صحافة أكثر مهنية، وإنما صحافة أكثر خوفا وأقل استقلالا.
ومن المفارقات أن المنصف المرزوقي نفسه يذكر في بيانه أنه، عندما كان رئيسا للجمهورية، اتخذ قرارا بعدم تتبع الصحفيين، لأن ذلك كان يتعارض، حسب قوله، مع قناعاته الديمقراطية والحقوقية، ولأن رئيس الدولة مطالب بتحمل النقد والتجريح وعدم إعادة إنتاج ثقافة تقديس الحاكم. وإذا كان هذا المبدأ صحيحا عندما كان في السلطة، فإنه لا يفقد وجاهته بمجرد خروجه منها. فحرية التعبير ليست امتيازا يمنحه السياسي عندما يكون رئيسا، ثم يعيد سحبه عندما يصبح معارضا. والمبادئ الحقوقية لا تتغير بتغير المواقع.
لكن بيان الرئيس الأسبق لا يكتفي بذلك، بل يقع في تناقض آخر أكثر وضوحا. فهو يهاجم القضاء التونسي ويصفه بأنه بلغ “درجة غير مسبوقة من الظلم والانحطاط الأخلاقي”، وأنه مجرد أداة بيد السلطة، ثم يعود في الآن نفسه ليستثمر الحكم الصادر عن هذا القضاء في مهاجمة الصحفيين وتحميلهم مسؤولية أخلاقية وسياسية، بل ويعتبرهم جزءا من أسباب ما آلت إليه تونس.
وهنا يبرز سؤال لا يقدم البيان أي جواب عنه: إذا كان القضاء فاقدا للاستقلال والشرعية كما يقول، فلماذا يصبح أحد أحكامه صالحا للاستدلال عندما يدين خصوما إعلاميين؟ وإذا كان الحكم “لا قيمة له” لأنه صادر عن قضاء فاقد للمصداقية، فلماذا يتحول إلى مناسبة لإصدار أحكام سياسية وأخلاقية على الصحفيين؟ إن المنطق لا يقبل هذه الانتقائية؛ فإما أن القضاء فاقد للشرعية، وعندها لا يجوز توظيف أحكامه لخدمة أي خطاب سياسي، وإما أن أحكامه تتمتع بالحجية القانونية، وعندها لا يستقيم هدم المؤسسة بالكامل ثم الاحتفاء بأحد أحكامها.
ولا يقل غرابة عن ذلك تحميل الإعلاميين مسؤولية كبرى في انهيار البلاد، من أزمة الماء والكهرباء إلى الدواء والاقتصاد وفقدان الأمل. فهذا خطاب يفتقد إلى الحد الأدنى من الموضوعية، لأنه يختزل أزمة دولة بأكملها في أداء فئة مهنية، ويتجاهل أن تونس مرت خلال السنوات الماضية بمسارات سياسية واقتصادية شارك فيها الكثير بمن فيهم المنصف المرزوقي نفسه عندما كان رئيسا للجمهورية، فالإعلام قد يخطئ، وقد يرتكب تجاوزات، لكنه لا يصنع وحده الأزمات الوطنية، كما أن التعميم على الصحفيين يناقض أبسط قواعد العدالة التي تقوم على المسؤولية الفردية لا الجماعية.
ثم إن الوقائع الثابتة في هذا الملف لا يجوز القفز عليها، فالصحفيان لم يقوما بفبركة الفيديو، وإنما أعادا بث مادة كانت متداولة على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي وعدد من المواقع الإخبارية قبل أن يتبين لاحقا أنها مفبركة. وما إن ثبت ذلك حتى تم الاعتراف بالخطأ وتصحيحه والاعتذار عنه علنا. أي أن الواقعة عولجت مهنيا منذ سنوات، ولم يكن هناك إنكار أو إصرار على مواصلة نشر معلومة ثبت زيفها.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: إذا كان الخطأ قد وقع، ثم تم الاعتراف به، وتصحيحه، والاعتذار عنه، فما الذي يبقى ليبرر عقوبة بالسجن بعد أكثر من عقد من الزمن؟ هل الغاية هي إنصاف المتضرر، أم توجيه رسالة تخويف إلى كل الصحفيين بأن الخطأ في العمل الصحفي قد ينتهي بهم وراء القضبان؟
إن أخطر ما في هذا الحكم ليس أثره على الصحفيين المعنيين فقط، وإنما أثره على مستقبل الصحافة في تونس. فحين يدرك الصحفي أن خطأ في التقدير، أو في التثبت، أو في التعامل مع مادة إعلامية متداولة، قد يقوده إلى السجن، فإن النتيجة الحتمية ستكون انتشار الرقابة الذاتية، وتراجع الصحافة الاستقصائية، وإحجام الصحفيين عن الاقتراب من الملفات الحساسة. وهكذا يصبح الخوف هو رئيس التحرير الحقيقي داخل المؤسسات الإعلامية.
ولذلك فإن الدفاع عن حرية الصحافة لا يبدأ عندما يكون الصحفي مصيبا، بل يبدأ عندما يخطئ. فلو كانت الحماية القانونية مقصورة على الصحفي الذي لا يخطئ، لما كانت هناك حاجة أصلا إلى الضمانات الدستورية والدولية لحرية التعبير. إن قيمة هذه الضمانات أنها تمنع تحويل الخطأ المهني إلى جريمة سالبة للحرية، لأنها تميز بين سوء النية والخطأ، وبين الافتراء المتعمد والهفوة المهنية.
ومن هذه الزاوية، كان المنتظر من المنصف المرزوقي، وهو الذي بنى صورته السياسية على الدفاع عن حقوق الإنسان، أن يعلن بوضوح، حتى وهو صاحب الشكاية، رفضه المبدئي للعقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وأن يتمسك بحقه في التقاضي دون أن يقبل بأن تكون النتيجة سجن صحفيين. كان بإمكانه أن ينتصر لحقه الشخصي، وفي الوقت نفسه ينتصر للمبدأ العام الذي طالما دافع عنه. لكنه، للأسف، لم يفعل، بل بدا وكأنه يقبل بعقوبة لطالما رفضها عندما كانت تطال صحفيين ومعارضين آخرين.
إن التضامن مع حمزة البلومي وإنصاف البوغديري تضامن مبدئي، لا لأن الصحفي لا يخطئ، بل لأن مكان معالجة الخطأ المهني هو مؤسسات المهنة، وآليات التعديل الذاتي، وحق الرد، والمسؤولية المدنية، وليس المحاكم الجزائية والسجون. فالصحافة لا تصبح أكثر مهنية بإرهاب الصحفيين، وإنما بإرساء ثقافة المساءلة المهنية واحترام أخلاقيات المهنة.وفي المقابل، فإن احترام حق المنصف المرزوقي في اللجوء إلى القضاء لا يمنع من نقد التناقضات الواضحة في بيانه، لأن الدفاع عن الديمقراطية لا يكون بانتقاء المبادئ، بل بتطبيقها على الجميع دون استثناء.
إن الديمقراطية لا تقاس بعدد الخطب ولا بقوة الشعارات، وإنما بمدى الاستعداد للدفاع عن الحرية عندما يستفيد منها الخصوم قبل الأصدقاء. ولذلك فإن بيان المنصف المرزوقي، رغم دفاعه المشروع عن حقه في التقاضي، انتهى إلى إضعاف حجته بنفسه؛ فقد هاجم القضاء ثم استند إلى أحد أحكامه، ودافع عن حرية التعبير ثم لم يعلن رفضه لسجن الصحفيين، ورفض تقديس الحكام ثم بدا أقل استعدادا لتحمل ما تفرضه مكانة الشخصية العامة من نقد، حتى وإن كان قاسيا أو خاطئا.
ولهذا، فإن القضية اليوم ليست قضية المنصف المرزوقي ولا قضية حمزة البلومي وإنصاف البوغديري، بل قضية تتعلق بمستقبل حرية الصحافة في تونس. فإما أن نكرس مبدأ أن أخطاء النشر تعالج وفق قواعد المهنة والجزاءات المتناسبة، وإما أن نقبل بتحويل السجون إلى إحدى أدوات تنظيم العمل الصحفي. وعندما يحدث ذلك، لا يخسر الصحفيون وحدهم، بل تخسر الديمقراطية نفسها.
*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين
ظهرت المقالة بيان المنصف المرزوقي حول الحكم بالسجن في حق البلومي والبوغديري: حين يهزم التناقض الحجة أولاً على أنباء تونس.
بيان المنصف المرزوقي حول الحكم بالسجن في حق البلومي والبوغديري حين يهزم التناقض الحجة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
أنباء تونس بيان المنصف المرزوقي حول الحكم بالسجن في حق البلومي
كانت هذه تفاصيل بيان المنصف المرزوقي حول الحكم بالسجن في حق البلومي والبوغديري: حين يهزم التناقض الحجة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

