اخبار عربية "أنقى هواء على الأرض" .. محطة أسترالية تقود أبحاث المناخ العالمية

أنقى هواء على الأرض محطة أسترالية تقود أبحاث المناخ العالمية


اليكم الان "أنقى هواء على الأرض" .. محطة أسترالية تقود أبحاث المناخ العالمية والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

على الساحل الشمالي الغربي الوعر لجزيرة تسمانيا الأسترالية، تقف محطة بحثية صغيرة في مواجهة رياح لا تهدأ، تقطع أكثر من عشرة آلاف كيلومتر عبر المحيط الجنوبي قبل أن تصل إلى اليابسة، حاملة معها ما يصفه العلماء بأنه أحد أنقى كتل الهواء المتبقية على كوكب الأرض، وهواء لم تلوثه الانبعاثات الصناعية ولا عوادم المدن الكبرى، الأمر الذي جعل هذا الموقع النائي أحد أهم المراكز العالمية لرصد التغيرات المناخية وفهم التحولات التي يشهدها الغلاف الجوي منذ بداية الثورة الصناعية، وفق تقرير نشرته وكالة “بلومبرغ”.

وتعد محطة كيناوك/كيب غريم لرصد تلوث الهواء الأساسي من أبرز المراصد المناخية في العالم، إذ تعتمد عليها المؤسسات العلمية الدولية في قياس تركيزات ثاني أكسيد الكربون والعشرات من الغازات والجسيمات الدقيقة التي تؤثر في المناخ، كما تشكل البيانات التي تجمعها جزءاً أساسياً من التقارير الدورية التي تصدرها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي المرجع العلمي الأهم الذي تستند إليه الحكومات عند وضع السياسات البيئية ومفاوضات الحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.

وتقول سارة برايور، المسؤولة عن إدارة المحطة، إن الهواء الذي يصل إلى الموقع يمنح العلماء فرصة نادرة لدراسة الغلاف الجوي في حالته الطبيعية تقريباً، موضحة أن المنطقة تمثل أقرب ما يمكن إلى الظروف التي كانت سائدة قبل الثورة الصناعية، وهو ما يسمح بتمييز التغيرات الطبيعية في المناخ عن تلك الناتجة عن النشاط البشري، مضيفة أن مراقبة هذا الهواء النقي تكشف بدقة كيف تغير تركيب الغلاف الجوي خلال العقود الماضية بفعل الانبعاثات الصناعية والزراعية ووسائل النقل.

وتعود بداية عمل المحطة إلى عام 1976، حين بدأت عمليات الرصد من موقع متواضع استخدم في الأصل لمتابعة مهمات برنامج “أبولو” الفضائي الأمريكي، قبل أن يتحول تدريجياً إلى أحد أكثر المراكز تطوراً في مراقبة الغلاف الجوي، وعلى مدى نصف قرن جمع الباحثون سجلاً علمياً متواصلاً يوضح الارتفاع المستمر في مستويات ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بالقياسات المستخرجة من عينات الجليد العميقة في القارة القطبية الجنوبية، والتي تشير إلى أن تركيز هذا الغاز بقي مستقراً لقرون طويلة قبل أن يبدأ في الارتفاع بوتيرة متسارعة مع انطلاق الثورة الصناعية في أوروبا وانتشار استخدام الوقود الأحفوري.

ويمنح الموقع الجغرافي للمحطة أهمية استثنائية، فهي تقع ضمن ما يعرف بحزام “الأربعينيات الهادرة”، وهي منطقة تشتهر برياحها الغربية القوية التي تعبر المحيط الجنوبي من دون أن تمر فوق مناطق صناعية أو تجمعات حضرية كبرى، ولذلك يصل الهواء إلى المحطة خالياً تقريباً من تأثير الأنشطة البشرية، وتشير تقديرات الباحثين إلى أن نحو 30 في المائة من الوقت تستقبل المحطة هواءً يطابق المعايير الدولية لما يعرف بـ”الهواء المرجعي”، وهي نسبة تفوق ما تسجله معظم محطات الرصد المماثلة في العالم.

وتحتل محطة كيناوك/كيب غريم مكانة علمية خاصة إلى جانب مرصد مونا لوا في هاواي ومحطة أليرت في أقصى شمال كندا، وهي المراكز الثلاثة الرئيسة التي يعتمد عليها المجتمع العلمي الدولي في مراقبة تطور الغلاف الجوي، ويزداد دورها أهمية في وقت تواجه فيه برامج البحث المناخي تحديات متزايدة بسبب تقليص التمويل في عدد من الدول، إذ يشير تقرير بلومبرغ إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خفضت مخصصات عدد من البرامج العلمية المرتبطة بالمناخ، بينما تواجه مؤسسات بحثية في دول أخرى ضغوطاً مالية مشابهة رغم تزايد الحاجة إلى البيانات العلمية الدقيقة.

وفي أستراليا نفسها، تشهد منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية، التي تدير المحطة بالشراكة مع هيئة الأرصاد الجوية، إعادة هيكلة تتضمن تقليص بعض الوظائف، رغم زيادة الإنفاق الإجمالي على المؤسسة، ويرى روبرت رايان، الباحث في علوم الغلاف الجوي بجامعة ملبورن، أن هذه السياسات قد تحقق وفورات مالية محدودة على المدى القصير، لكنها قد تؤدي إلى خسائر علمية كبيرة مستقبلاً، في وقت يقترب فيه العالم من نقاط تحول مناخية قد يصعب التراجع عنها إذا لم تتوفر بيانات دقيقة تساعد على فهمها والتعامل معها.

ولا تقتصر أهمية المحطة على قياس تركيزات الغازات الدفيئة، إذ يستخدمها العلماء أيضاً لدراسة تشكل السحب فوق المحيط الجنوبي، وهي ظاهرة تؤثر مباشرة في كمية الطاقة الشمسية التي يحتفظ بها الغلاف الجوي، كما تساهم في فهم قدرة المحيطات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وهي إحدى العمليات الطبيعية الأساسية التي تحدد سرعة الاحترار العالمي، ولذلك أصبحت البيانات الصادرة عن المحطة عنصراً رئيساً في تطوير النماذج المناخية المستخدمة للتنبؤ بالتغيرات المستقبلية.

ويضم الموقع عشرات الأجهزة فائقة الحساسية القادرة على رصد أكثر من مئة نوع من الغازات والملوثات والجسيمات الدقيقة، بعضها يعود إلى السنوات الأولى لتأسيس المحطة وما يزال يعمل بعد تحديثه وصيانته باستمرار، بينما تحفظ العينات التي يجري جمعها داخل أسطوانات معدنية مصقولة خصيصاً لهذا الغرض، إذ تُسحب ست مرات كل عام، ويحتوي كل منها على نحو ألفي لتر من الهواء المرجعي، قبل أن تنقل إلى مستودع متخصص قرب مدينة ملبورن، يحتفظ بأكثر من مئتي عينة تعود إلى عام 1978، ويصفه الباحثون بأنه أشبه بقبو لحفظ تاريخ مناخ الأرض.

وتوضح الباحثة آن ستافرت، من منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية، أن بعض الأجهزة المستخدمة في المحطة قديمة إلى درجة أنها تكاد تسبقها عمراً، ومع ذلك ما تزال تؤدي دوراً محورياً في القياسات الدقيقة، مشيرة إلى أن بعض المعدات لا تتوافر لها حتى كتيبات تشغيل، وأن تشغيلها يعتمد على الخبرة المتراكمة للباحثين الذين تناقلوا المعرفة جيلاً بعد جيل، وهو ما يعكس القيمة العلمية والتاريخية للموقع.

وتتميز أجهزة الرصد في المحطة بقدرتها على اكتشاف جسيمات متناهية الصغر لا يتجاوز حجمها بضعة نانومترات، كما تستطيع التقاط آثار انبعاثات محدودة للغاية، وتقول برايور إن المعدات قادرة حتى على رصد أثر عادم قارب صغير لصيد جراد البحر يمر في عرض البحر، وهو مستوى من الدقة لا يتوافر إلا في عدد محدود جداً من المراكز البحثية حول العالم، ما يمنح العلماء فرصة استثنائية لفهم العمليات الكيميائية التي تحدث في الغلاف الجوي بعيداً عن تأثير التلوث الحضري الكثيف.

وأثبتت هذه القياسات قيمتها العملية في أكثر من مناسبة، فبعد دخول بروتوكول مونتريال حيز التنفيذ عام 1987 للحد من استخدام مركبات الكلوروفلوروكربون المسببة لاستنزاف طبقة الأوزون، ساهمت المحطة، إلى جانب مراصد أخرى، في اكتشاف تباطؤ غير متوقع في انخفاض انبعاثات غاز “سي إف سي-11” ابتداءً من عام 2012، وبعد سنوات من التحليل وتتبع البيانات تمكن العلماء من تحديد مصدر الانبعاثات في شرق الصين، الأمر الذي دفع السلطات الصينية إلى اتخاذ إجراءات أدت لاحقاً إلى تراجع الانبعاثات مجدداً، وهو ما اعتبر دليلاً على أهمية شبكات المراقبة العالمية في التحقق من التزام الدول بتعهداتها البيئية.

ويرى الباحثون أن هذا المثال يوضح الدور الذي تؤديه محطات الرصد في تقييم فعالية السياسات المناخية، إذ لا يكفي إعلان خطط خفض الانبعاثات من دون وجود قياسات مستقلة تؤكد نتائجها، وتشبه ستافرت الأمر بشخص يحاول إنقاص وزنه من دون أن يقف على الميزان أو يقيس النتائج، مؤكدة أن البيانات العلمية هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما إذا كانت الإجراءات المتخذة تحقق أهدافها بالفعل أم لا.

وتحمل المحطة أيضاً بعداً تاريخياً وثقافياً، فقد كان الموقع يعرف باسم “كيناوك” لدى السكان الأصليين في تسمانيا قبل أن يطلق عليه المستكشف البريطاني ماثيو فليندرز اسم “كيب غريم” عام 1798، ثم ارتبط لاحقاً بإحدى أكثر الحوادث دموية في تاريخ الجزيرة بعد مقتل عدد من السكان الأصليين عام 1828، وفي عام 2021 اعتمدت حكومة تسمانيا الاسمين معاً اعترافاً بالإرث التاريخي والثقافي للمنطقة، قبل أن تتبنى المحطة العلمية التسمية المزدوجة نفسها.

ومع تزايد تأثير التغير المناخي على مختلف مناطق العالم، من موجات الحر والجفاف إلى الفيضانات وحرائق الغابات، تزداد أهمية المواقع العلمية القادرة على توفير بيانات موثوقة بعيدة عن التأثيرات المحلية، ولذلك ينظر الباحثون إلى محطة كيناوك/كيب غريم باعتبارها نافذة فريدة على الغلاف الجوي للأرض، ومختبراً طبيعياً يساعد على فهم الماضي ورصد الحاضر واستشراف مستقبل المناخ، في وقت يؤكد فيه العلماء أن القرارات المناخية الكبرى لا يمكن أن تستند إلى التوقعات وحدها، وإنما إلى قياسات دقيقة ومتواصلة يوفرها هذا الموقع النائي، الذي تحول خلال نصف قرن إلى أحد أهم الشهود على التغيرات التي يشهدها الكوكب.

"أنقى هواء على الأرض" .. محطة أسترالية تقود أبحاث المناخ العالمية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

أنقى هواء على الأرض محطة أسترالية تقود أبحاث المناخ العالمية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس أنقى هواء على الأرض محطة أسترالية تقود أبحاث المناخ

كانت هذه تفاصيل "أنقى هواء على الأرض" .. محطة أسترالية تقود أبحاث المناخ العالمية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم