اخبار عربية من مراكش إلى غرناطة .. كيف ساهم المغاربة في الحياة العلمية الأندلسية؟

من مراكش إلى غرناطة كيف ساهم المغاربة في الحياة العلمية الأندلسية


اليكم الان من مراكش إلى غرناطة .. كيف ساهم المغاربة في الحياة العلمية الأندلسية؟ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

في وقت تتزايد فيه النقاشات حول هوية الأندلس وروافدها الحضارية، يعود ملف إسهام العلماء المغاربة إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الجوانب التي لم تنل ما تستحقه من البحث والتوثيق في السرديات التاريخية المتداولة.

ويثير هذا الغياب أسئلة حول أسباب تراجع حضور المغرب العلمي في الدراسات التي تناولت الأندلس، رغم ما تثبته المصادر من أدوار بارزة لعلمائه في التعليم، والفقه، والقضاء، والحياة الفكرية عبر مراحل مختلفة من تاريخها.

وفي هذا السياق، يرى محمد المذكوري المعطاوي، أستاذ وباحث بجامعة “أوتونوما” في مدريد، في مقال توصلت به هسبريس بعنوان: “علماء مغاربة أثروا في الأندلس: المغرب والسرديات التاريخية”، أن استعادة مكانة العلماء المغاربة في تاريخ الأندلس لا ترتبط بمجرد تصحيح معلومة تاريخية، وإنما تندرج ضمن مراجعة علمية أوسع للسرديات التي تشكلت عبر عقود، بما يتيح قراءة أكثر توازنًا للدور الذي اضطلع به المغرب في بناء التجربة الأندلسية.

نص المقال:

في كل مرة يُثار فيها الحديث عن الأندلس، يعود الجدل نفسه: لمن تنتمي الأندلس تاريخيًّا؟ هل هي امتداد للمشرق الإسلامي؟ أم هي فضاء أمازيغي؟ أم أنها مجرد صفحة من تاريخ إسبانيا؟ والغريب أن أكثر الغائبين عن هذا النقاش هم المغاربة أنفسهم؛ ليس لأن تاريخهم فقير، بل لأن سرديتهم التاريخية ضعيفة، أو تكاد تكون منعدمة.

إن المشكلة ليست في أن الآخرين “يسرقون” التاريخ المغربي، وإنما في أن المغرب لم ينتج، إلى اليوم، سردية علمية متماسكة قادرة على الدفاع عن ذاكرته التاريخية بلغات العالم، وبالمناهج الأكاديمية الحديثة. فالتاريخ، كما هو معلوم، لا يكتبه من عاشه، وإنما يكتبه من يملك أدوات إنتاج المعرفة ونشرها.

لقد نجحت السردية المشرقية، منذ قرون، في تعريب الأندلس تعريبًا شبه كامل؛ فأصبحت الأندلس في المخيال العربي امتدادًا طبيعيًّا لدمشق وبغداد والقاهرة، بينما يكاد يغيب الدور المغربي إلا في إشارات عابرة إلى المرابطين والموحدين. وفي المقابل، ظهرت في العقود الأخيرة سرديات أمازيغية متشددة تحاول تمزيغ الأندلس تمزيغًا كاملاً، فتجعلها مشروعًا أمازيغيًا خالصًا، متجاهلة البنية الحضارية المركبة التي نشأت فوق أرضها.

والحقيقة أن الأندلس لم تكن هذا ولا ذاك. لقد كانت ثمرة فضاء مغاربي-أندلسي متداخل، تشارك في بنائه العرب والأمازيغ والأندلسيون والمولدون والصقالبة واليهود والمسيحيون، ضمن شبكة سياسية وثقافية واقتصادية تجاوزت بكثير الحدود التي نعرفها اليوم.

وهنا يقع الخطأ المنهجي الأكبر. فكثير من الدراسات المعاصرة تسقط مفهوم الدولة الوطنية الحديثة على العصور الوسطى، وكأن الدولة في القرن الخامس الهجري كانت تقوم على وحدة اللغة أو العرق أو الحدود الجغرافية الثابتة. وهذا إسقاط تاريخي غير مشروع. فالدولة الحديثة الأوروبية تأسست، في جانب مهم منها، على فكرة الشعب الواحد واللغة الواحدة والأرض المحددة والحدود الصلبة، أما الدولة الإسلامية الوسيطة فكانت تقوم على منطق مختلف تمامًا؛ إذ كانت الشرعية السياسية تُبنى أساسًا على البيعة والولاء، وكانت العلاقة بين المركز والأقاليم تُقاس بدرجات الطاعة والسيادة وجباية الأموال أكثر مما تُقاس بالحدود الجغرافية.

ولذلك فإن مفهوم “الأمة” في التاريخ الإسلامي لم يكن مطابقًا لمفهوم “الوطن” بالمعنى الحديث، كما أن المجال السياسي كان أكثر مرونة مما نتخيل اليوم. فالمتوسط لم يكن حاجزًا، بل كان فضاءً للحركة والانتقال والتبادل. وكانت السلطة تُقاس بامتداد النفوذ والولاء، ودفع الزكاة بالنسبة للمسلمين، والجزية بالنسبة لغير المسلمين، أكثر مما تُقاس بخطوط مرسومة على الخرائط.

ومن هذا المنطلق، يصبح من الطبيعي القول إن الأندلس كانت، في مراحل طويلة من تاريخها، امتدادًا للمغرب السياسي والحضاري، ليس بمعنى الدولة الوطنية الحالية، وإنما بمعنى المجال السياسي الذي فتحها وأدارها وأعاد تنظيمها. فمن الذي عبر المضيق فاتحًا؟ ومن الذي جعل من الأندلس جزءًا من دولته في عهد المرابطين والموحدين؟ ومن الذي كانت عواصمه في مراكش وفاس بينما كانت قرطبة وإشبيلية وغرناطة مدنًا تابعة لسلطته؟ ليست هذه أسئلة أيديولوجية، وإنما حقائق تاريخية تعرفها أيضًا بعض المدارس التاريخية الإسبانية التي تتحدث عن الإمبراطوريتين المرابطية والموحدية باعتبارهما قوتين مغربيتين حكمتا الضفتين معًا. غير أن هذا الامتداد السياسي لم يتحول، للأسف، إلى سردية مغربية متماسكة.

ولهذا نجد اليوم أسماء عشرات العلماء المغاربة الذين انتقلوا إلى الأندلس وأسهموا في نهضتها العلمية، وقد ذابت هويتهم المغربية في كتب التراجم اللاحقة، أو أعيد تقديمهم باعتبارهم “علماء أندلسيين” أو “علماء مسلمين” دون إبراز جذورهم المغربية. ومن بين هؤلاء: أبو عمران الفاسي، وأبو الوليد الوقشي المغربي، وأبو بكر اللخمي السبتي، وأبو عبد الله محمد بن غالب السبتي، وأبو الحسن الشاري السوسي، وغيرهم كثير ممن يحتاجون إلى مشروع علمي جماعي يعيد بناء سيرهم اعتمادًا على المصادر الأصلية، مثل: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي، والصلة لابن بشكوال، وبغية الملتمس للضبي، ونفح الطيب للمقري. إن استخراج قائمة موثقة بعشرات العلماء المغاربة الذين انتقلوا إلى الأندلس ليس عملًا صحفيًّا عابرًا، بل مشروع بحثي متكامل؛ لأنه يقتضي التمييز بدقة بين علماء المغرب الأقصى، وعلماء إفريقية، وعلماء المغرب الأوسط، وبين الأندلسيين الذين استقروا بالمغرب والمغاربة الذين رحلوا إلى الأندلس.

وإذا كان ضعف السردية المغربية ظاهرًا في قضية العلماء، فإنه يبدو أوضح في قراءة تاريخ الدول المغربية نفسها. ولا أدل على ذلك من أثر هذا التأثير والتفاعل، وصدى ذلك الذي بلغ العراق؛ حيث أنجزت جامعة بغداد، مثلاً، رسالة دكتوراه كان الأجدر أن تقوم بذلك الجامعة المغربية، وكانت بعنوان “أثر علماء المغرب في الحياة العلمية في الأندلس” قامت بها مَن لم تكن دكتورة وقتئذٍ، الطالبة هند السمرائي، تحت إشراف الدكتورة نوال ناظم محمود، سنة 2016. وهي دراسة جديرة بالتعريف.

وفي المقابل، فكم من كتاب مدرسي أو دراسة جامعية لا تزال تكرر أوصافًا استشراقية جاهزة للمرابطين والموحدين، فتختزل تجربتهم في “التشدد الديني” أو “إقصاء الآخر”، بينما تكشف القراءة المتأنية للمصادر صورة أكثر تركيبًا.

لقد قامت الدولتان على شبكات واسعة من العلماء والفقهاء والقضاة والإداريين، وأسهمتا في بناء مؤسسات علمية وثقافية امتدت من سجلماسة إلى إشبيلية. بل إن جيش الدولة الموحدية نفسه لم يكن جيشًا أحادي الهوية أو العقيدة، وتشير المصادر إلى وجود قادة مسيحيين تولوا مناصب عسكرية رفيعة في خدمة الدولة، وهو ما يكشف أن الواقع السياسي كان أكثر تعقيدًا بكثير من الصور النمطية المتداولة.

إن إعادة قراءة التاريخ المغربي لا تعني صناعة أمجاد وهمية، كما لا تعني الدخول في منافسة قومية مع أحد، وإنما تعني تحرير التاريخ من القراءات الإيديولوجية، سواء كانت استشراقية أم قومية أم عرقية. فالمؤرخ لا ينبغي أن يبحث عما يؤكد قناعاته، بل عما تثبته الوثائق. ومن هنا فإن المغرب اليوم في حاجة إلى مشروع وطني لإعادة كتابة تاريخه، يقوم على التحقيق العلمي للمصادر، والنشر بلغات متعددة، وتكوين الباحثين، ورقمنة المخطوطات، وإنتاج أعمال مرجعية تستطيع أن تدخل النقاش الأكاديمي العالمي.

فالتاريخ لا يحمي نفسه. ومن لا يكتب روايته سيجد الآخرين يكتبونها نيابة عنه. أما الحديث عن “سرقة التاريخ المغربي” – وهي كذلك – فليس سوى وصف لنتيجة، وليس تشخيصًا للسبب. فاللص لا يسطو إلا على الضعيف وعلى المال السائب، ولا يستولي إلا على ما لم يحمه أصحابه. وهذه قاعدة لا تنطبق على الأموال وحدها، بل على الذاكرة الجماعية أيضًا.

من مراكش إلى غرناطة .. كيف ساهم المغاربة في الحياة العلمية الأندلسية؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

من مراكش إلى غرناطة كيف ساهم المغاربة في الحياة العلمية الأندلسية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس من مراكش إلى غرناطة كيف ساهم المغاربة في الحياة

كانت هذه تفاصيل من مراكش إلى غرناطة .. كيف ساهم المغاربة في الحياة العلمية الأندلسية؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم