- الاكثر زيارة- اخبار محلية

اخبار محلية الجنوب العربي.. بين العقلية الثورية العسكرية السياسية الكلاسيكية والعقلية البراغماتية العصرية

اخبار محلية
سما نيوز قبل 18 ساعة و 35 دقيقة

اليكم الان الجنوب العربي.. بين العقلية الثورية العسكرية السياسية الكلاسيكية والعقلية البراغماتية العصرية والان إلى التفاصيل من المصدر سما نيوز:

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج

 

في حياة الشعوب لحظاتٌ تصنع الثورات، ولحظاتٌ أخرى تصنع المستقبل. والمشكلة الكبرى أن كثيرًا من حركات التحرر تنجح في صناعة اللحظة الأولى، لكنها تتعثر في إدارة ما بعدها.

والجنوب العربي اليوم يقف أمام واحدة من أكثر لحظاته حساسية؛ ليس لأن القضية فقدت مشروعيتها، ولا لأن التضحيات كانت بلا معنى، بل لأن المرحلة تغيرت، بينما بقيت أدوات التفكير لدى كثير من النخب والخطابات حبيسة زمن مختلف.

فإذا كانت العقود الماضية قد صاغت عقلية ثورية تشكلت في ظروف الحرب والصراع والمواجهة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

هل ما زالت أدوات الأمس قادرة على صناعة الغد؟

لا أقصد بهذا السؤال التقليل من قيمة العقلية الثورية؛ فهي التي حافظت على القضية حيّة، وقدمت التضحيات، ورفضت الاستسلام، وأسهمت في تشكيل الوعي الوطني. لكن لكل مرحلة أدواتها، ولكل زمن منطقه، وما يصلح لإدارة مرحلة المواجهة لا يصلح بالضرورة لإدارة مرحلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فإن الخطاب الإعلامي والسياسي الجنوبي ما يزال، في جانب كبير منه، أسير العقلية الثورية العسكرية السياسية الكلاسيكية. عقلية ترى السياسة امتدادًا لساحة المعركة، وتفسر كثيرًا من الأحداث بمنطق المؤامرة، وتغلب عليها النظرة الأبوية في إدارة الاختلاف، حتى انعكست هذه الثقافة على البنية التنظيمية والسياسية، وأصبحت تتغلغل في التراتبية التنظيمية، فتتشابه الخطابات، وتتكرر الممارسات، ويغيب التجديد، وكأن الزمن توقف عند محطة واحدة.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:

هل آن الأوان أن نخرج من شرنقة الأيديولوجيا إلى لحظة الحدث؟

هل نستطيع أن نقرأ تجربتنا السابقة والحالية قراءة موضوعية، بعيدًا عن التقديس وبعيدًا عن جلد الذات، لنحدد معالم المستقبل كما هو، لا كما نتمنى أن يكون؟

لقد غلب على الممارسة السياسية في كثير من الأحيان الطابع الأيديولوجي التعبدي، حتى بدا وكأننا نؤدي فروضًا عقائدية تحت قبة السياسة، لا عملية مراجعة مستمرة يحكمها الواقع والنتائج والمتغيرات. بينما السياسة، في جوهرها، ليست ترديدًا للمسلمات، وإنما فن قراءة اللحظة، وإدارة الممكن، وصناعة الخيارات.

لقد بدأت معظم حركات التحرر في العالم من لحظة تاريخية استثنائية، حين شعر شعب أو جماعة بأن الواقع القائم لم يعد مقبولًا، وأن التغيير أصبح ضرورة وجودية لا خيارًا سياسيًا. وفي تلك اللحظة تتشكل العقلية الثورية؛ عقلية تقوم على رفض الواقع، وكسر المألوف، والاستعداد للتضحية من أجل هدف أكبر.

لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن أصعب مراحل الثورات ليست مرحلة مقاومة الخصم، بل مرحلة ما بعد تحقيق المكاسب. فالتحدي الحقيقي يبدأ عندما يصبح المطلوب ليس مجرد الصمود، وإنما حسن إدارة الواقع الجديد.

الثورة تحتاج إلى روح المواجهة، أما المراحل اللاحقة فتحتاج إلى روح البناء.

الثورة تحتاج إلى التعبئة، أما المرحلة الجديدة فتحتاج إلى التخطيط.

الثورة تحتاج إلى الحسم، أما الواقع الجديد فيحتاج إلى إدارة التناقضات.

الثورة تحتاج إلى المقاتل، أما المرحلة التالية فتحتاج إلى السياسي، والاقتصادي، والإداري، والمفاوض، والإعلامي، وصاحب الرؤية.

وهنا تكمن الفجوة التي تعثرت عندها تجارب كثيرة؛ إذ بقيت تدير المراحل الجديدة بعقلية المراحل القديمة، فأصبحت ترى في كل اختلاف تهديدًا، وفي كل نقد تشكيكًا، وفي كل مراجعة خروجًا عن الصف.

إن المشكلة ليست في العقلية الثورية ذاتها؛ فهي التي صنعت الوعي، وحافظت على القضية في أصعب مراحلها، وقدمت التضحيات حين كان الصمت هو الخيار الأسهل. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه العقلية من أداة لتحرير الواقع إلى قيد يمنع فهم الواقع الجديد، ومن طاقة للمواجهة إلى قالب جامد يعجز عن استيعاب التحولات.

فنحن اليوم لا نعيش لحظة البدايات، ولا نواجه المعادلات نفسها التي واجهتها الأجيال السابقة. لقد اتسعت مساحة الفعل السياسي، وتشابكت المصالح، وتداخلت المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وأصبحت القضايا أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في مراحل الصراع التقليدي.

ومن هنا، فإن المرحلة التي نمر بها تتطلب إعادة قراءة اللحظة بعقلية متنوعة؛ عقلية تجمع بين صون المكتسبات وإدارة المتناقضات، وتمزج بين الحس السياسي، والروح الثورية، والوعي البراغماتي. فالقضية التي تتحرك في بيئة متغيرة لا يمكن أن تُدار بأداة واحدة، ولا بعقل واحد، ولا بمنهج واحد، بل تحتاج إلى رؤية تتسم بالفطنة والحكمة والمرونة، قادرة على التكيف دون التفريط بالثوابت، وعلى المناورة دون فقدان البوصلة.

إن ملء المشهد السياسي والإعلامي بالصور النمطية التي ورثناها من التاريخ، أو إعادة إنتاج العقليات التي أخفقت في إدارة التجارب السابقة، لا يمكن أن يكون وصفة للنجاح في واقع أكثر تشظيًا وتعقيدًا. فالعقلية التي عجزت عن التعامل مع واقع أقل تعقيدًا، يصعب عليها أن تدير واقعًا أكثر تداخلًا، وأكثر خضوعًا لحسابات إقليمية ودولية متغيرة.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: من هو الأكثر ثورية؟ ولا من هو الأكثر صلابة في الخطاب؟

وإنما:

لماذا ينجح الآخرون في احتواء قضايانا وإعادة توظيفها بما يخدم مصالحهم، بينما نعجز نحن عن الحفاظ عليها، وإدارتها، والسير بها في الطريق الآمن؟

هذا السؤال لا يبحث عن متهم، بل يبحث عن مراجعة. لأن الأمم التي تمتلك شجاعة النقد الذاتي هي وحدها القادرة على تصحيح مسارها، أما الأمم التي تكتفي بتكرار يقينيات الماضي، فإنها تمنح خصومها فرصة إدارة مستقبلها.

إن الجنوب العربي اليوم لا يحتاج إلى التخلي عن روحه الثورية، بل يحتاج إلى تطوير أدواتها. فالثورة ليست عقيدة جامدة، وإنما فعل تاريخي يتغير بتغير المرحلة. والنجاح لا يقاس بمدى قدرتنا على تكرار خطاب الأمس، بل بقدرتنا على إنتاج خطاب جديد، وأدوات جديدة، وآليات جديدة، تستوعب تعقيدات الحاضر دون أن تتخلى عن ثوابت القضية.

إن القضية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بقدر ما تحتاج إلى عقول قادرة على قراءة التحولات، وفهم المتغيرات، وتحويل التحديات إلى فرص. فالتاريخ لا يرحم من يتوقف عند أمجاد الأمس، بل يكافئ من يحسن قراءة لحظة اليوم وصناعة معادلات الغد.

لقد آن الأوان للانتقال من عقلية تكتفي بردود الأفعال، إلى عقلية تصنع المبادرات؛ ومن عقلية تفسر كل شيء بالمؤامرة، إلى عقلية تبني القوة بالمعرفة، وتدير الواقع بالحكمة، وتتعامل مع السياسة باعتبارها فن تحقيق الممكن، لا مجرد تكرار للمواقف.

فاللحظات التاريخية لا تتكرر… ومن لا يقرأ لحظته جيدًا، قد يجد نفسه يعيش طويلًا في ذاكرة الماضي، بينما يصنع الآخرون المستقبل.

الجنوب العربي.. بين العقلية الثورية العسكرية السياسية الكلاسيكية والعقلية البراغماتية العصرية سما نيوز.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل الجنوب العربي.. بين العقلية الثورية العسكرية السياسية الكلاسيكية والعقلية البراغماتية العصرية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سما نيوز و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار محلية اليوم