اخبار عربية “قذف” الدولة و”عجز” المجتمع
اليكم الان “قذف” الدولة و”عجز” المجتمع والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب:
خرجت في اليومين الماضيين ثلاث مؤسسات دستورية، في توقيت متقارب، لتقول الشيء نفسه بثلاث لغات مختلفة. بنك المغرب تحدث بلغة الاقتصاد والاستثمار والبطالة والفوارق. ومؤسسة وسيط المملكة تكلمت بلغة الشكايات والآجال والردود والتنفيذ. والمجلس الأعلى للتربية والتكوين تحدث بلغة المدرسة والمناهج والبطء وفقدان الإيقاع.
لكن حين نجمع التقارير الثلاثة، لا نجد في الحقيقة ثلاثة أعطاب منفصلة، بل نجد عطبا واحدا لكنه كبير جدا: الدولة تحاول وتبادر وتتحرك، لكن أثرها لا يصل. لدينا اقتصاد ينمو، لكن المواطن لا يشعر بثماره. ولدينا إدارة تجيب، لكن جوابها لا يحل التظلم. ولدينا مدرسة تعلن الإصلاح، لكن الزمن المدرسي أسرع من زمن إصلاحها.
هذه ليست أزمة قطاعات، بل أزمة علاقة بين الدولة والمجتمع. والمشكل لم يعد أن الدولة لا تفعل شيئا. العكس تماما. الدولة تفعل كثيرا، وتنفق كثيرا، وتطلق أوراشا كثيرة. لكنها صارت تشبه آلة ضخمة تستهلك الوقود وتصدر الضجيج، بينما العجلات لا تنقل الحركة إلى الأرض.
لم تعد مؤسسة الوسيط تتلقى حالات استثنائية، بل صارت تستقبل جزءا عاديا من العلاقة اليومية بين المواطن والإدارة. ارتفع عدد الملفات إلى قرابة عشرة آلاف في سنة واحدة، وتصدرت القضايا المالية والإدارية والبرامج الاجتماعية والعقار قائمة النزاعات.
هذا ليس تعبيرا عن نجاح مؤسسة الوسيط في كسب ثقة الناس بالضرورة. إنه دليل على أن الناس لم يجدوا الإنصاف في مكانه الأول، فاضطروا إلى البحث عنه في المكان الثاني. أي إن المواطن يحتاج إلى مؤسسة دستورية كي يقنع الإدارة بأن تجيبه.
والأخطر أن بعض الإدارات لا تكتفي بالتأخر في الرد، بل تتأخر في تنفيذ أحكام قضائية نهائية، أو تتذرع بغياب الاعتمادات، أو تسيء تأويل النصوص، أو تنفذ جزءا من الحكم وتترك الباقي معلقا. وهنا لا نكون أمام خلل في التواصل، بل أمام شرخ في فكرة الدولة نفسها.
الدولة التي تطلب من المواطن احترام القانون، ثم تتأخر هي في تنفيذ حكم نهائي، ترسل إليه رسالة مفادها أن القانون ملزم لمن يوجد تحت الإدارة، للضعيف، لقليل الحيلة، فقط.
ثم نصل إلى المدرسة، فنجد النتيجة نفسها لكن على مدى زمني أطول. المجلس الأعلى للتربية والتكوين يقول إن إصلاح المناهج والبرامج بطيء، بينما الأجيال تتغير بسرعة. العالم يتحول، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمل والمعرفة، وسوق الشغل يطلب مهارات جديدة، والمدرسة ما تزال منشغلة بتجريب وصفات جزئية داخل نموذج قديم.
نضع الحواسيب وأجهزة العرض (الشهير “داتا شو”) في الأقسام، ونوزع دلائل جاهزة، ونعلن مدارس رائدة، لكن سؤال المدرسة الحقيقي يبقى مؤجلا: ماذا نعلّم؟ وكيف نعلّم؟ ولأي مجتمع واقتصاد نعد أبناءنا؟
لدينا استثمار عمومي لا يخلق ما يكفي من الشغل. ولدينا إنفاق اجتماعي لا يصل دائما إلى الأكثر هشاشة. ولدينا ميزانية تعليم ضخمة لا تنتج مدرسة بالسرعة والجودة المطلوبتين. ولدينا رقمنة إدارية لا تختصر المساطر. ولدينا أحكام قضائية لا تنفذ في وقتها.
إنها المشكلة نفسها، تتغيّر هيئتها بين المؤسسات الدستورية كما لو أنها تغير ملابسها من تقرير إلى آخر، والجوهر واحد: ضعف تحويل القرار العمومي إلى نتيجة محسوسة.
لهذا لا ينبغي أن يُفهم الحديث عن الهوة بين الدولة والمجتمع باعتباره صراعا سياسيا مباشرا أو رفضا للمؤسسات. الهوة تنشأ أحيانا من مجرّد إعلان الدولة نجاحا لا يجده المواطن في حياته.
المواطن لا يعارض الأرقام. هو فقط يملك أرقاما أخرى. يملك رقم القسط الشهري أو سومة الكراء، وثمن الدواء، وعدد سنوات البطالة، وعدد المرات التي عاد فيها إلى الإدارة، وعدد الأشهر التي انتظر فيها الجواب، وعدد الدروس الخصوصية التي يدفع ثمنها لأن المدرسة لم تعد كافية.
بين أرقام الدولة وأرقام المواطن تتشكل هوة لا تعالج بمزيد من التواصل فقط. لأن المشكلة ليست دائما في أن الدولة لم تشرح ما فعلته. أحيانا تكون قد شرحت كثيرا، لكن ما فعلته لم ينتج الأثر المنتظر.
الثقة ليست منشورا ولا وصلة إشهارية. إنها نتيجة يومية تتشكّل حين يجد المواطن عملا، وحين يتلقى جوابا، وحين ينفذ الحكم، وحين لا يضيع حقه بين إدارتين، وحين يرى المدرسة ترفع مستوى ابنه فعلا، لا في العرض الذي ينجر فيه وزير التعليم لغة الخشب.
المؤسسات الثلاث تقول إن المغرب لا يعاني فقرا في التشخيص. نحن نعرف منذ سنوات أين توجد الأعطاب. نعرف أزمة التشغيل، وضعف المدرسة، وتعقيد الإدارة، وسوء الاستهداف، وبطء الإصلاح، وغياب الالتقائية، وتأخر التنفيذ… المشكل أن التشخيص صار جزءا من الداء بدل أن يكون مقدمة للعلاج.
نكتب التقرير، ونقدم التوصيات، ونعلن التفاعل الإيجابي، ثم يأتي تقرير السنة الموالية (كما هو حال تقارير وسيط المملكة) ليقول إن الاختلال نفسه ما يزال قائما، مع تحسن طفيف في مؤشر وتراجع بسيط في آخر.
الشاب الذي كان ينتظر إصلاح المدرسة صار عبئا على أسرته. والعاطل الذي كان ينتظر إصلاح التشغيل صار يحاول الهجرة. والأسرة التي كانت تنتظر السكن أعادت تربية أطفالها في المسكن نفسه. والمتقاعد الذي ينتظر مراجعة معاشه يقترب من نهاية العمر. وصاحب الحكم القضائي قد يموت قبل أن تنفذه الإدارة.
المؤسسات تستطيع تأجيل الإصلاح إلى قانون مالية مقبل أو ولاية حكومية جديدة أو استراتيجية تمتد إلى 2030. أما الإنسان فلا يستطيع تأجيل عمره. لهذا تبدو الخلاصات الثلاث متقاربة إلى حد الإزعاج: اقتصاد لا يوزع أثره، وإدارة لا تنتج الإنصاف، ومدرسة لا تواكب الزمن.
في النهاية، تبدو الدولة كذلك الشريك في العلاقة الحميمية، الذي يبلغ ذروة النشوة قبل الأوان، فيترك شريكه “على عطشه”. الدولة تحقق أهدافها في تقاريرها قبل أن يصل المجتمع إلى أثره فينتهي به الأمر بعيدا عن لحظة الإشباع، وعالقا في الانتظار.
“قذف” الدولة و”عجز” المجتمع صوت المغرب.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل “قذف” الدولة و”عجز” المجتمع نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.