اخبار عربية ندوة حول السيرة والتصوف والهوية
اليكم الان ندوة حول السيرة والتصوف والهوية والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
لقد صار بالنسبة لي طقسا ثقافيا ومعرفيا، كلما قدمت من برلين إلى الدار البيضاء، أن التقي بالصديق الدكتور شعيب حليفي. كان لقاؤنا هذه المرة بإحدى المقاهي المقابلة لفندق الدار البيضاء ببن جديّة. كان الوقت عشية ورواد المقهى غارقون في سكرة مباريات كأس العالم، وكنا نحن في غياهب أحاديثنا عن الشيخ أبي يعزى، المعلوم عند العامة بمولاي بوعزة، الذي كتب عنه حليفي روايته “الشيخ والجبل: في سيرة بعض الزمن ما ظهر منها وما بطن”، الصادرة عام 2024، التي أهداني فوقها أعمالا أخرى: “تقرير إلى الهدهد” و”الخط الزناتي” و”المجال والذاكرة.. دراسات في التاريخ والتراث والتصوف”، وكلها عن منشورات السرديات.
تدرج بنا الحديث على خلفية أصداء المشاهدين الذين يشاهدون المباراة على التلفزيون بكل حماس وانفعالات، وأجواء المقهى حبلى بتعليقاتهم على سير أطوار المباراة، سخطا ورضى، ونحن في غفلة عن هذا نتحدث عن السيرة وعن كتابتها عند المتصوفة، ورحلنا مع الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني (1748 ـ 1809) وكتاب سيرته الذاتية “الفهرسة”، وكيف يتحدث فيه عن معاناة المريد والسالك المتدرج في طريق صحبة شيخه محمد البوزيدي، تلميذ مولاي العربي الدرقاوي. ثم طاف بنا المقام للحديث عن الشيخ مولاي بوعزة (أبو يعزى بن عبد الرحمن) الذي يُعد من أبرز أعلام التصوف بالمغرب؛ عاش في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، واشتهر بالزهد والكرامات… رغم أميته، وأنه لم يكن يتحدث إلا الأمازيغية فقط، حظي بمكانة عظيمة واحترام كبار علماء عصره، فذكره أكثر من واحد من أقطاب التصوف، كابن عربي في الفتوحات، وصاحب الروض، وتلميذه أبو مدين الغوت شعيب، الذي قال: “رأيت أخبار الصالحين من زمان أويس القرني إلى زماننا هذا، فما رأيت أعجب من أخبار أبي يعزى”؛ وأما الشيخ أحمد زروق فيعده من الأولياء الثلاثة الذين استمر تأثيرهم في المغرب بعد موتهم، وهم أبو العباس السبتي، ومولاي عبد السلام بن مشيش، وأبو يعزى لينور. ثم تحدثنا عن الشيخ أبي الفضل شهاب الدين أبو العباس أحمد زروق نفسه، الصوفي الذي يكاد لا يخلو كتاب من كتب الفقه المالكي من ذكره، وقد رحل إلى الشرق طلبا للاستزادة من العلم وكانت له مكانة كبيرة، ودرّس في جامع الأزهر وكانت له شهرة كبيرة هناك؛ ثم اختار مدينة مصراتة في ليبيا دار مقام له وتوفي بها سنة 1494 م.
كل تلك الأحاديث التي دارت بيننا كانت توطئة لما هيأني حليفي له، الندوة العلمية التي سينظمها المجلس العلمي الجهوي لعمالة مقاطعات الدار البيضاء ـ أنفا، بشراكة مع مختبر السرديات والخطابات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، حول موضوع “أدب السيرة بالمغرب وأسئلة الهوية والانفتاح”، ثم دعاني لمرافقته إلى هذه الندوة التي هو أحد الفاعلين فيها كمحاضر وكممثل لمختبر السرديات الذي هو رئيسه منذ عام 1993. افترقنا وتواعدنا على اللقاء لمرافقته إلى أشغال الندوة.
الماضي الحاضر
بعد اختتام أشغال المهرجان الدولي للمسرح الجامعي كنت ليومين متتاليين في ضيافة الصديق الدكتور عبد القادر كنكاي، العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الذي غاص بي في جولات ثرة بهية في وهاد الدار البيضاء، وكانت صحبته إمتاعا ومرافقته مؤانسة؛ إلى أن أودعني مدخل مقر “المجلس العلمي المحلي لعمالة مقاطعات الدار البيضاء ـ أنفا”، حيث كان شعيب حليفي في استقبالي. ودعنا معا حليفي أنا الدكتور كنكاي ودخلنا صرح مقر المجلس العلمي، الذي بخطوة واحدة فوق عتبته انتقلت من عالم شوارع الدار البيضاء بهندستها الدخيلة إلى عالم صاعد من بين طيات أسفار التاريخ العمراني المغربي الأندلسي، بروائح وأريج خشب الأرز وتصاميم جمالية الهندسة المغربية.
كان الدخول إلى هذا المبنى يشبه الإغراف في ثنايا خرافة شهية، تمنح من الوهلة الأولى الشعور بأن الزمان لم توقف عن الاستمرار من قرطبة، إشبيليا، غرناطة، فاس، مراكش، في أيام ربيعها الحضاري وبذخها العمراني إلى اليوم؛ إنه يعيش في الحاضر، في تلك الأشكال الهندسية الثرة من الزليج الملون والأبواب والسقوف الخشبية المخروطة المزدانة بالجبس المزخرف وتصفيف زجاج النوافذ الذي يحيل أشعة الشمس إلى ألوان راقصة (الزاج العراقي) باهرة. كل هذا الجمال يعيد إلى الذاكرة زمنا مازال فينا حيا بخيره وشره حلوه ومره، بانتصاراته ونكباته، زمن يخيل للناظر كأن هذه الممرات ستتفتق عن شخوص طالعة من بين صفحات الإحاطة، أو العقد الفريد، أو المعجب، أو الأنيس المطرب أو النبوغ المغربي.
قادني الدكتور حليفي إلى غرفة تشكل عضوا في نسق جمال البناية، مصففة بتأثيث جمال الهوية العمرانية المغربية، لأجد فيها الدكتور حكيم الفضيل الإدريسي، الباحث، والأكاديمي، وأستاذ التعليم العالي في تخصص الأدب والتصوف بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، ورئيس المجلس العلمي لعمالة مقاطعات الدار البيضاء. والدكتور سعيد يقطين، الكاتب والناقد والباحث في مجال السرديات العربية. كان اللقاء بيننا حميميا، لقاء أعاد بعد ردح من الزمن ذكرى دراسته في مدينة فاس والمشاركة بكثافة في فعالياتها الثقافية والعلمية، والمساهمة في تأسيس فرقة “مسرح الأقنعة”. يقطين الذي نشرت له مساهمات في الساحة الأدبية المغربية والعربية من سنة 1985 إلى 2026. ثم اللقاء بالدكتور إدريس قصوري، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، الذي له إسهامات في الساحة المعرفية المغربية.
رائحة الزمن
لم يمض من الزمن الكثير حتى التحقت بنا الدكتورة الباحثة والشاعرة التي تزاوج بين اللغة الصوفية والإشارات العرفانية لطيفة المسكيني، قادمة من الرباط؛ إنها ابنة فاس الجديد، واللقاء معها فتح نافذة أطللنا معا من خلالها وفي عجالة على عوالم المدينة المتاهة فاس بالتواءاتها وتعرجاتها التي تشبه “تركيبة الدماغ”، كما تصفها الكاتبة الأمريكية أنييس نين.
ونحن ننتقل من قاعة الغداء إلى قاعة الشاي، مارين من جديد في رحاب بهو بناية المجلس العلمي، قالت لي الدكتورة المسكيني: “إن رائحة الخشب هنا تذكرني بخزانة القرويين”. ذكرتها الرائحة المنبعثة من أرجاء المكان بالفترة التي عملت فيها في خزانة القرويين، حيث كانت لها تجربة في البحث العلمي تضمنت تحقيق عدد من المخطوطات النفيسة المحفوظة في هذه الخزانة التاريخية؛ لقد ترجمت كلماتها ذلك الحنين الذي تأسرنا به تلك المدينة العجيبة في حبائلها، فتسكننا حيث ما كنا وحيث ما ارتحلنا، إنها “كقدرنا الذي يتلبسنا ويضرب أوتاده في شراييننا”، حسب تعبير الكاتب المسرحي المغربي أحمد العراقي.
في جلسة الشاي دار الحديث بين الحاضرين عن رجالات التصوف، عن الشاذلية، عن التيجانية، عن الكرامات، عمن دون له وعمن لم يدوّن له من رجالاتها، عن حركة بن عبد الوهاب، وهل هي ثورة تشبه الثورة الفرنسية في الجزيرة العربية كما وصفها محمد عابد الجابري، أو هي غير ذلك، عن إمارة برغواطة، فكان الحديث كتوطئة أو مقدمة لما سيأتي لا حقا في ندوة “أدب السيرة بالمغرب وأسئلة الهوية والانفتاح”، المنعقدة في فضاء مرقد الولي سيدي عبد الرحمان، التي سنرحل إليها بعد قليل من مقر “المجلس العلمي المحلي لعمالة مقاطعات الدار البيضاء ـ أنفا”.
استقللنا سعيد يقطين وأنا سيارة شعيب حليفي وهو يقودنا إلى مقر ضريح الولي سيدي عبد الرحمان، الذي يبعد عن الدار البيضاء ـ أنفا بحوالي عشرة كيلومترات. كانت الرحلة القصيرة مزيجا من الأحاديث عن الأدب والاستماع إلى موسيقى غير مبتذلة. توقفت السيارة ومررنا إلى الضفة الأخرى من الشارع، لأجد نفسي مبهورا بذلك المنظر الرائع والتحول الذي عرفته تلك البناية البيضاء والحلة الجميلة التي لبستها فوق تلك الجُزيرة الصخرية في المحيط الأطلسي، المنعزلة عن صخب شاطئ ومنتزهات عين الذئاب.
وتبدأ الكرامة
لقد أصبح شكل الضريح الخارجي بكل محيطه نظيفا ناصعا، عمارة بيضاء خالية من كل الزخارف أو التشوهات، فالهيكلة الهندسية الحديثة أعادت للمكان بساطته، طبيعته الفطرية الأولى، جماليته، هيبته روحانيته، منحته جاذبية تذكر بتلك البنايات المنفردة بذاتها، التي تأخذ شكل خلوة، أو دير أو صومعة أو بيعة، كثيرا ما نلاقيها في المدن الشاطئية في اليونان، أو كريتا أو قبرص أو جربة، تثير انتباهنا وفضولنا من بعيد.
لقد تم وصل الصخرة الجُزيرة بجسر عريض يسمح بمرور سيارة فوقه دون عناء، جسر مصغر تتدفق من تحت أقواسه مياه البحر الأطلسي في حالة مده، وتنحبس في حالة جزره. صورة مصغرة تعيد إلى الذاكرة الجسر الذي يمر فوق الوادي الكبير ويربط محيط جامع قرطبة بأرباضه. ونحن نمر فوق الجسر كان أسفله على الجهة اليسرى أطفال وبعض النساء يستحمون في ماء دافق يخرج من بين صخور اليابسة وبقوة، ماء صاف لا هو بالماء الحار أو العكر. ربما من هنا بدأنا نستشعر كرامات الولي الصالح سيدي عبد الرحمان.
فهذا الفضاء الذي تم ترميمه وتجديده، بعد هدم وإزاحة كل البنايات التي كانت تحيط به سنة 2024، وكانت تشكل بؤرة الدجل والشعوذة في محيط سياحي جميل، جُعلت له عند نهاية الجسر وبداية الجُزيرة أدراج تشبه مدرجا مسرحيا يغري بعرض ملحمي فوقه. ما جعل المنظر الخارجي لضريح سيدي عبد الرحمان أو عبد “الرحمان مول المجمر” أو “الجمار” ومحيطه يكتسي حلة فضاء جذاب بامتياز، وقبلة للزوار من الدار البيضاء ومن خارجها؛ إنه مكان دفن الولي الصالح عبد الرحمان بن الجيلالي القادم من بغداد إلى المغرب، والذي عاش في القرن السادس الهجري التاسع عشر الميلادي.
ثم عبرنا إلى فضاء الضريح الداخلي، الذي حولته الهيكلة الهندسية الأخيرة إلى فضاء جدير باحتضان أجواء ثقافية ودينية في الوقت نفسه، باستيعاب ندوات وتظاهرات علمية وثقافية ذات استيعاب جماهيري محدود، مع إطلالة رائعة على المحيط والفضاء الخارجي الممتد على البحر؛ وذلك من خلال نوافذ زجاجية كبيرة تصل امتداد البحر بصخرة الجُزيرة في علاقة تناغم وانسجام روحي يرشح بفيض الاختلاء والتأمل في الذات والمحيط.
بمعية جمهور ملأ كل أرجاء الفضاء الداخلي للضريح، بل لم يكن الفضاء كافيا لذلك التدفق الجماهيري الذي حج إلى هذه الندوة، ما دفع بالمشرفين عليها إلى إيقاف دخول الحضور، لأن قاعد الضريح لا تستوعب كل هذا العطش للمعرفة الصوفية.
الهوية والانفتاح
جاءت مساهمات الباحثين كغيث أفاض على المكان سر وسحر أهمية موضوع الندوة “أدب السيرة بالمغرب وأسئلة الهوية والانفتاح”، التي أدار مسارها الدكتور إدريس قصوري، ممهدا لمساهمات باقي الفاعلين من خلال توطئة بيّن فيها أهمية تناول السيرة، لما تشكله من إضاءات للهوية المغربية وتاريخها والوعي بها، فالسيرة ليست توثيقا لما هو ذاتي، بل تعبيرا عن هوية ذاكرة جماعية؛ وإقامتها في هذا الفضاء الذي يحمل من السمات الروحية الكثير يمنح فرصة نقل ما هو داخل المناخات المغلقة إلى الجمهور ومانحا إياه إمكانية اللقاء المفتوح.
بعد توطئة الأستاذ قصوري جاءت كلمة الباحث سعيد يقطين الذي اختيار لها سيرة العلامة والصوفي الحسن اليوسي (1903 ـ 1970)، أول وزير للداخلية بعد الاستقلال سنة 1956، واحد مؤسسي حزب الحركة الشعبية، تحت عنوان: “لتجربة الذاتية في التراث المغربي: الحسن اليوسي”، موضحا أن معتقد أن كتابة السيرة هي ابتكار أدبي غربي فكرة تحتاج إلى إعادة النظر، وأن العرب عرفوا في كتابة السيرة قبل الغرب الذي ارتبطت فيه كتابة السيرة بظهور الطباعة؛ ثم قدم نماذج من الكتابات في السيرة عند العرب ابتداء من شعر الجاهلية، كما تحدث عن الكتابة حول الذات المتمثلة في ما هو جد ذاتي أو اليومي، والكتابة عن الذات التي تنصب على تجربة تشمل مراحل الحياة من بدايتها إلى لحظة الكتابة.
المداخلة الثانية قدمتها الباحثة الدكتورة لطيفة المسكيني، التي قامت بقراءة في ثلاثة أعمال: “التشوف إلى رجال التصوف”، من القرن الثالث عشر الميلادي ليوسف بن يحيى التادلي، المعروف بابن الزيات، وهو من أقدم الكتب المغربية التي اهتمت بسير المتصوفة وتراجيمهم، وكتاب الشيخ الحميري المعروف بابن الصباغ، من علماء التصوف من القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، “درة الأسرار وتحفة الأبرار في أقوال وأفعال وأحوال ومقامات ونسب وكرامات وأذكار ودعوات سيدي أبو الحسن الشاذلي” (1197 ـ 1258)، وكتاب “لطائف المنن” لابن عطاء الله السكندري (1260 ـ 1309).
لقد أوضحت الباحثة من خلال هذه النصوص أن أدب المناقب لا ينحصر عند نقل أخبار الأولياء والصالحين، بل يتخطاه إلى إنتاج المعنى الرمزي وترسيخ الانتماء الفكري والثقافي، وأن الوظيفة السردية هي أكثر من بعد الخارق للعادة وللقوانين الطبيعية (الكرامات)، بل وظيفتها ترمي إلى إضفاء المكانة الشرعية على الولي وتأكيد مكانته وترسيخها في التقبل الجماعي وإعطاء شخصيات الأولياء والصلحاء مكانة أخلاقية وروحية كرموز للهوية.
أما شعيب حليفي فقبل أن يتناول في مداخلته أحد أعلام الفقه والتصوف المغربي أحمد زروق شارك الحاضرين بسؤال مستفز وفي الوقت نفسه تنبيهي: “إذا سألتكم اليوم كم تعرفون من عَلَمٍ مغربي مؤثر في تاريخ المغرب؟ فكيف سيكون جوابكم؟”، انطلاقا من أن المغاربة لا يعرفون في الغالب إلا أسماء أعلام محدودة مثل يوسف بن تاشفين ابن بطوطة وغيرهما. لقد تناول حليفي في ما تناوله في مداخلته المرحلة الاستعمارية التي حاولت جادة جعل المغاربة يشعرون بأن قيمتهم الثقافية والتاريخية أقل من الآخرين، وهو سعي في إطار طمس الهوية، بل تشتيتها ومحوها؛ فالمكتوب من تاريخنا لا يمثل إلا جزء يسيرا من التجارب التي عاشتها شخصيات مغربية كثيرة، إلا أنها لم تكتب سيرتها الذاتية. ومن الشخصيات المغربية التي لم يكن دورها التبرك والاقتصار على البحث الفقهي فقط، بل كانت شخصية جهادية للدفاع عن الوطن وعن الانتماء إلى العالم والفكر الإسلامي، شخصية أحمد زروق، الفقيه الصوفي (1443 ـ 1494 م) الذي يرد ذكره كثيرا في المصنفات الفقهية المالكية المتأخرة، والذي دفن في مصراتة في ليبيا.
كما أشار الباحث حليفي إلى أن الفقيه أحمد زروق يعد من الذين اعترفوا مبكرا، وذلك في القرن الخامس عشر الميلادي، بالدور الذي لعبته المرأة في حياته وفي تكوينه العلمي والأخلاقي الإنساني، وهو دور لم يقتصر على جدته وحدها، بل شمل كثيرا من النساء التي عملن على تكوين الهوية والتربية العلمية؛ موردا أن الحديث عن هؤلاء الشخصيات هو في حد ذاته الحديث عن ربط الماضي بالحاضر وعلاقته بالتاريخ الفكري وبناء الذات والاعتزاز بها، وليس من قبيل تمجيد الماضي والتقوقع فيه.
الكتابة تجربة روحية
كان الأستاذ حكيم الفضيل الإدريسي خاتم المساهمين في هذه الندوةـ وقد اختار لموضوع مداخلته: “الكتابة الصوفية للسيرة النبوية: ذخيرة المحتاج”، للشيخ محمد المعطى الشرقاوي التدلاوي، وهو من علماء ومشايخ القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، ليبين أن الكتابة العلمية تجلت في الكتابات الصوفية وفي مصادرها العلمية، المبنية على مصادر الحديث النبوي بمفاهيمها المثلى، الحقيقة المحمدية، وبصفات الكمال في الوجود والذات المحمدية، وأن كتابة السيرة على المستوى الأدبي تكاد تنعدم في الأدبيات الصوفية، غير أن العالم المغربي الشيخ المعطي الشرقاوي أعطى، من خلال مؤلفه “ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”، الذي هو فوق الستين جزءا، نموذجا استثنائيا في كتابة السيرة؛ فقد خرق هذا العالم الكبي قاعدة كتابة السيرة النبوية على نحو التسلسل التاريخي، وبدأ بحادثة الإسراء والمعراج، ليس بهدف تدوين الحدث التاريخي في حد ذاته، ولكن بغرض الوصول إلى تنوير المتلقي. فكتابة الشيخ المعطي لا تنبع من تدوين السيرة تاريخيا ولكن انطلاقا من تجربة ذاتية صوفية روحية نابعة من الفيض الإلهي وأنوار المحبة المحمدية، التي هي دائما في تجدد واتصال غير منقطع.
ثم فتحت بوابة النقاش وتدخلات الحاضرين الذين تابعوا الندوة، واختتمت الأمسية بمنح جوائز للتلميذات والتلاميذ الحاصلين على شهادة الباكالوريا في الولاية.
غادرت مع شعيب حليفي وسعيد يقطين ولطيفة المسكيني المكان قبل نهاية الأمسية، لأن الأخيرين كان عليهما إدراك القطار المتوجه إلى الرباط من محطة الميناء محملين بعدد من الكتب التي منحت المحاضرين من طرف المجلس العلمي بعد نهاية الندوة. في محطة القطار الميناء ودعنا المسكيني ويقطين، وأوصلني حليفي إلى الدكتور عبد القادر كنكاي من جديد، لتبدأ رحلة أخرى.
ندوة حول السيرة والتصوف والهوية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل ندوة حول السيرة والتصوف والهوية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.