اخبار محلية إدارة الأزمات في تونس : هل نواجه الحدث أم نستعد له؟
اليكم الان إدارة الأزمات في تونس : هل نواجه الحدث أم نستعد له؟ والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس:
ليست إدارة الأزمات مجرد الإعلان عن موجة حر استثنائية أو تدخل سريع عند اندلاع حريق، أو استعادة الماء والكهرباء بعد انقطاعهما. فالأزمة لا تبدأ بالضرورة لحظة وقوع الحدث، كما أنها لا تنتهي بمجرد السيطرة عليه. بين ظهور الخطر وعودة الحياة إلى طبيعتها، توجد منظومة كاملة من الاستعداد والوقاية، والتنسيق، والتدخل، والتواصل، ثم التقييم واستخلاص الدروس. ولعل الأحداث الأخيرة، بما رافقها من حرائق واضطرابات وانقطاع في بعض الخدمات الأساسية، تطرح سؤالًا يتجاوز كل حادثة بعينها: هل نملك اليوم في تونس ثقافة ومنظومة لإدارة الأزمات، أم ما زلنا نعتمد أساسًا على سرعة التدخل بعد وقوع الحدث؟
العقيد محسن بن عيسى *
ليس هذا السؤال اتهامًا لمؤسسة، ولا مرافعة لصالح جهة، ولا تعليقًا على حادثة بعينها. إنه سؤال هادئ حول مسار طويل، وحول قدرتنا على الانتقال تدريجيًا من منطق رد الفعل إلى منطق الاستعداد.
من ملف الطوارئ إلى ثقافة الاستعداد
لم تصل إدارة الأزمات إلى شكلها الحالي دفعة واحدة. ففي مرحلة أولى وفي دولة الاستقلال، كانت مواجهة الحالات الاستثنائية تتم في إطار ما عُرف بـ«ملف الطوارئ» داخل الهياكل الأمنية. وكان ذلك يعكس حاجة أساسية إلى تنظيم التدخل في الأحداث غير العادية، في وقت كانت فيه الاستجابة تقوم بدرجة كبيرة على تعبئة الوسائل عند وقوع الحدث.
ومع إنشاء الوقاية المدنية، سنة 1975، في شكل إدارة فرعية تابعة للإدارة العامة للحرس الوطني، تطور هذا المسار. ومع تراكم التجارب وتنوع المخاطر، أصبحت الحاجة واضحة إلى ما يتجاوز تدخل كل مؤسسة في حدود اختصاصها، نحو تنظيم يحدد الأدوار ويضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، بدأ منذ بداية الثمانينيات نقاش حول الاستفادة من التجارب المقارنة، ومن بينها التجربة الفرنسية في تنظيم الاستجابة للكوارث، ولا سيما مخطط “Organisation de la Réponse de Sécurité Civile “ (Orsec) المعتمد منذ 1952، لا باعتباره نموذجًا جاهزًا ينقل كما هو، وإنما باعتباره تجربة يمكن أن تساعد على تطوير التفكير في تنظيم الاستجابة.
أستعيد هذه التجربة اليوم لا من باب الحنين إلى الماضي، ولا باعتبارها محطة أمنية عشناها، وإنما لأنها تعكس سؤالًا ظل حاضرًا في جوهره:
كيف ننتقل من التدخل عند وقوع الحدث إلى الاستعداد المسبق له؟ وكيف ننتقل من تدخل كل طرف في حدود إمكاناته إلى تنظيم يضمن التكامل والتنسيق؟
إن أهمية التجارب المقارنة لا تكمن في نقل نماذجها كما هي، بل في فهم منطق تطورها وتكييف ما يمكن الاستفادة منه مع واقعنا. ومن هنا، فإن الانتقال من «ملف الطوارئ» إلى منظومة أكثر تنظيمًا لا يعني التخلي عن أهمية التدخل الميداني، بل يعني أن سرعة التدخل ينبغي أن تستند إلى الاستعداد والتخطيط والتنسيق.
من مواجهة حادثة إلى إدارة الأزمة المركبة
تطرح الأحداث الأخيرة تحديًا إضافيًا. فالحريق، مثلًا، قد لا يبقى حريقًا فقط. فقد يؤدي إلى إجلاء السكان، وتعطيل الطرق، والضغط على المرافق الصحية، واضطراب التزود بالماء أو الكهرباء، وتزايد الحاجة إلى المعلومات والتوجيه. وهنا ننتقل من إدارة حادث إلى إدارة أزمة مركبة.
فالمطلوب لا يقتصر على إخماد الحريق، مهما كانت أهمية ذلك، بل يشمل أيضًا حماية السكان، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتنسيق مختلف المتدخلين، وتوفير المعلومات الضرورية في الوقت المناسب.
وعند هذه النقطة تظهر أسئلة عملية لا يمكن الإجابة عنها أثناء الأزمة فقط: من يقود؟ من يتدخل؟ من ينسق؟ من يملك المعلومة؟ من يتكفل باستمرارية الماء والكهرباء؟ وكيف يتم إعلام السكان؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة مسبقًا هي جوهر الاستعداد. وإدارة الأزمة، في جوهرها، تقوم على حلقات مترابطة: الوقاية والاستباق، ثم الاستجابة والتدخل، يرافقهما اتصال واضح وموثوق، يلي ذلك تقييم لما حدث واستخلاص للدروس.
فالخطة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. والوثيقة لا تصبح منظومة إلا عندما يعرف كل طرف دوره، وتكون المسؤوليات واضحة، وتوجد قنوات اتصال فعالة، ويتم اختبار التنسيق بين مختلف المتدخلين قبل وقوع الأزمة.
وهذا يقتضي التدريب والتمارين، وتبادل المعلومات، ومعرفة نقاط الضعف، وتحديد الموارد المتاحة، وإدماج مختلف الأطراف التي قد يكون لها دور في حماية السكان واستمرارية الخدمات الأساسية.
كما يقتضي تطوير ثقافة الأمن المدني أو المجتمعي، لا تقتصر على أجهزة التدخل وحدها. فالمؤسسات العمومية، والقطاع الخاص، والسلطات المحلية، ووسائل الإعلام، والمواطنون، جميعهم، بدرجات ومسؤوليات مختلفة، جزء من البيئة العامة لإدارة الأزمة.
من سرعة التدخل إلى بناء منظومة إدارة أزمات
إن سرعة التدخل ضرورية، وهي جزء من تقاليد العمل الميداني وروح المسؤولية. لكن عالم اليوم، بما يعرفه من تعقد للمخاطر وتداخل للأزمات، يفرض ما هو أبعد من سرعة التدخل بعد وقوع الحدث. فإدارة الأزمة لا تتعلق بالوسائل الميدانية وحدها. إن المعلومة، والتحليل، والخبرة، والقدرة على تفسير الأحداث، أصبحت جميعها عناصر من عناصر إدارة الأزمة.
يبدو أن البداية الحقيقية لاعتماد مصطلح “إدارة الأزمات” يعود إلى شهر أكتوبر 1962، بمناسبة أزمة الصواريخ الكوبية، حيث بدأ لأول مرة إضفاء طابع أكثر تنظيمًا وصياغةً على هذا المفهوم.
لقد انصرفت إدارة الأزمات في بداياتها إلى المجال السياسي، وبصورة أوسع إلى المجال العسكري. ولم تنتقل إدارة الأزمات المدنية فعليًا إلى صلب التاريخ الحديث إلا بعد الصدمات الكبرى التي مثلتها كارثة تسرب الغاز ببوبال سنة 1984 بالهند ، ثم كارثة تشرنوبل النووية الاشعاعية بأكرانيا سنة 1986.
لذلك تبرز الحاجة عند حدوث الأزمات إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الإعلامية والأكاديمية، وإلى دعم منصات فكرية تجمع الكفاءات وأصحاب الاختصاص الرصين. فالمطلوب ليس إنتاج خطاب نخبوي مغلق، بل تقديم معرفة علمية، واضحة وموثوقة، قادرة على الوصول إلى الجمهور العريض.
إن مواجهة ما يمكن تسميته بـ«فوضى الخبراء»، في هذا السياق، لا تكون بإقصاء النقاش العام، وإنما بإتاحة بديل أكثر جدية : مؤسسات ومنصات تجمع الخبرة Task force، لتتحقق من المعلومات، وتشرح للناس تعقيدات الواقع بلغة مفهومة. فحين يختلط الخبر بالرأي، والتحليل بالتخمين، والخبرة الحقيقية بـ«البوز»، قد تتحول فوضى المعلومات نفسها إلى عنصر من عناصر الأزمة.
يزداد هذا التلوث خطورة عندما تتحول “الغالونات” من رمز للمسؤولية والتحفظ الميداني إلى سندٍ لخوض أحاديث تتجاوز الاختصاص. فالرتبة تمنح سلطة القرار في الميدان، لكنها لا تمنح سلطة المعرفة في الفضاء العام، وكلما ارتفعت الرتبة كان الامتناع عن الاستعراض الإعلامي أوجب. لذلك، فإن بناء ثقافة إدارة الأزمات يقتضي التمييز الصارم بين سلطة الميدان وسلطة المعرفة، حتى لا تُفرغ الرتب من معناها، ولا تُترك الأزمات لـ”فوضى الخبراء” والتكهنات.
و على هذا المعنى ينبغي أن نسأل بموضوعية : ما الذي نجح؟ ما الذي تعثر؟ أين كان التنسيق جيدًا؟ أين ظهرت الصعوبات؟ هل كانت المسؤوليات واضحة؟ هل كانت المعلومات متاحة؟ وهل كانت الخدمات الأساسية قادرة على الصمود؟
فالمجتمع الذي يواجه الأزمات دون أن يتعلم منها قد يجد نفسه يكرر الصعوبات نفسها وهو تقريبا ما يجري حاليًا لدينا. أما المجتمع الذي يحول كل تجربة إلى معرفة، فإنه يبني تدريجيًا قدرة أكبر على الصمود والاستعداد. وبعد أكثر من أربعة عقود على النقاشات الأولى حول الاستفادة من التجارب المقارنة، وعلى التجربة الميدانية في تقديم مخطط لتنظيم الاستجابة، يبدو أن السؤال لم يفقد راهنيته، بل أصبح أكثر إلحاحًا مع تعقد المخاطر وتداخل الأزمات. فالسؤال اليوم ليس فقط: هل لدينا من يتدخل عند وقوع الكارثة؟ بل: هل لدينا منظومة كاملة تتوقع الخطر، وتستعد له، وتنسق الاستجابة له، وتتواصل بوضوح أثناءه، ثم تتعلم منه بعد انتهائه؟
وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية للأحداث الأخيرة: ليس فقط في أن نتجاوزها، بل في أن نتعلم منها. فكل أزمة، مهما كانت صعوبتها، يمكن أن تكون فرصة لتحسين الاستعداد، وتوضيح الأدوار، وتعزيز التنسيق، وإعادة الاعتبار للخبرة، وبناء قدرة وطنية أكبر على مواجهة المستقبل.
* ضابط متقاعد في الحرس الوطني.
ظهرت المقالة إدارة الأزمات في تونس : هل نواجه الحدث أم نستعد له؟ أولاً على أنباء تونس.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل إدارة الأزمات في تونس : هل نواجه الحدث أم نستعد له؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.