اخبار محلية من يهدد استقلالية البرلمان؟ عندما يتحول رئيس المجلس إلى سلطة إحالة على النيابة العمومية
اليكم الان من يهدد استقلالية البرلمان؟ عندما يتحول رئيس المجلس إلى سلطة إحالة على النيابة العمومية والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس:
بقلم فاهم بوكدوسصرح رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب المنعقدة يوم الأربعاء 29 جويلية الجاري، بما يلي:”يُمنع منعًا باتًا من أي مكان من القاعة استعمال التصوير بالهاتف. وكل من تقع منه مخالفة ذلك ستتم إحالته مباشرة إلى النيابة العمومية.”
ان هذا التصريح يثير إشكاليات قانونية ودستورية وسياسية عميقة، تتجاوز واقعة التصوير في حد ذاتها، لتطرح سؤالاً أخطر: هل يملك رئيس مجلس نواب الشعب أصلاً سلطة تجريم فعل لم يجرمه القانون؟ وهل يجوز له تحويل مخالفة مفترضة للنظام الداخلي إلى قضية جزائية؟
إن هذا التصريح لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء تنظيمي يتعلق بسير الجلسات، بل يأتي في سياق متواصل تتنامى فيه مظاهر تركيز السلطة داخل المؤسسة البرلمانية، بما يجعل رئاسة المجلس تتجاوز دورها الطبيعي في إدارة النقاش إلى ممارسة سلطة ردعية تجاه النواب والإعلاميين. وبدل أن يكون رئيس المجلس الضامن لاستقلال البرلمان وحماية صلاحياته، يصبح، من خلال هذا الخطاب، أحد أبرز مصادر التضييق على فضائه الديمقراطي.
إن هذا التصريح يكشف مرة أخرى نزعة متصاعدة نحو إدارة المؤسسة البرلمانية بمنطق السلطة الآمرة، لا بمنطق دولة القانون والمؤسسات، وهو ما يمثل انحرافاً خطيراً عن المبادئ الدستورية التي تحكم عمل البرلمان.
أولاً، لا يمكن لرئيس مجلس نواب الشعب أن ينشئ جريمة أو يقرر عقوبة جزائية بمجرد تصريح. فمبدأ الشرعية الجزائية، المستقر دستورياً وقانونياً، يقوم على قاعدة واضحة: “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني.” وبالتالي، فإن أي تهديد بالإحالة إلى النيابة العمومية يجب أن يستند إلى نص تشريعي صريح يجرم الفعل المعني، لا إلى تقدير شخصي أو إلى تعليمات تصدر أثناء إدارة الجلسة.
وحتى إذا افترضنا وجود مقتضى في النظام الداخلي يمنع استعمال الهاتف أو التصوير داخل الجلسة، فإن النظام الداخلي لا يرقى إلى مرتبة القانون الجزائي، ولا يمكن أن يكون مصدراً للتجريم أو للعقاب الجزائي. وأقصى ما يمكن أن يترتب عن مخالفته هو تطبيق الإجراءات التأديبية البرلمانية التي يضبطها النظام الداخلي نفسه، وليس إحالة آلية إلى القضاء.
بل إن اللجوء المباشر إلى التهديد بالإحالة الجزائية يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين رئاسة المجلس وأعضاء المؤسسة البرلمانية، من علاقة تؤطرها قواعد العمل البرلماني إلى علاقة تقوم على التخويف والردع. وهذا التحول لا يمس النواب وحدهم، بل يمس استقلال المؤسسة التشريعية ذاتها، لأن البرلمان الذي تُدار شؤونه بمنطق التهديد يصبح أقل قدرة على أداء وظائفه الرقابية والتشريعية بحرية.
والأخطر من ذلك أن رئيس المجلس لم يبين الأساس القانوني الذي يخول له إعلان الإحالة “مباشرة” إلى النيابة العمومية، بما يوحي وكأن رئاسة البرلمان أصبحت سلطة تقريرية في تحريك الدعوى العمومية، وهو أمر لا ينسجم مع قواعد القانون والإجراءات الجزائية.
كما أن استعمال عبارة “ستتم إحالته مباشرة” يحمل في ذاته إشكالاً مؤسساتياً، لأنه يوحي بأن مجرد مخالفة تقدرها رئاسة المجلس تكفي لتفعيل الآلة الجزائية، في حين أن الأصل في دولة القانون هو أن القضاء الجزائي لا يتحرك إلا في حدود نصوص قانونية واضحة وإجراءات مضبوطة، لا بناءً على أوامر أو تصريحات سياسية.
إن جلسات مجلس نواب الشعب، من حيث الأصل، جلسات علنية. والعلنية ليست امتيازاً يمنحه رئيس المجلس أو يسحبه، بل هي مبدأ دستوري يهدف إلى ضمان شفافية المؤسسة التشريعية وتمكين المواطنين من متابعة أعمال ممثليهم. لذلك فإن تصوير وقائع جلسة علنية لا يمكن اعتباره في حد ذاته فعلاً إجرامياً بمجرد صدور تعليمات من رئيس المجلس.كما أن علنية الجلسات لا تقتصر على فتح الأبواب أمام الحضور، بل تشمل أيضاً تمكين الرأي العام من الاطلاع على ما يدور داخل المؤسسة التشريعية بكل الوسائل المشروعة. ولذلك فإن التضييق على وسائل التوثيق والنقل يفرغ مبدأ العلنية من مضمونه، ويجعل الشفافية خاضعة لإرادة رئاسة المجلس لا لسلطان الدستور.
وتتضاعف خطورة هذا التصريح لأن رئيس المجلس لم يقل إنه سيحيل “النائب” المخالف، وإنما استعمل عبارة عامة هي: “كل من”. وهذه الصياغة لا تستثني أحداً، ويمكن أن تشمل النواب، والصحفيين، والمصورين، وأعوان وسائل الإعلام المعتمدين لتغطية أشغال المجلس.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالصحفي الذي يغطي جلسات البرلمان لا يقوم بعمل شخصي، بل يؤدي مهمة إعلامية تدخل في صميم حق المجتمع في النفاذ إلى المعلومة ومراقبة السلطة التشريعية. وإذا أصبح استعمال الهاتف أو وسيلة تصوير سبباً للإحالة إلى النيابة العمومية، فإن ذلك يوجه رسالة ترهيب مباشرة إلى الصحفيين، ويفرض عليهم رقابة ذاتية خوفاً من التتبعات الجزائية.
كما أن هذا الخطاب يبعث برسالة سلبية إلى الرأي العام مفادها أن البرلمان لم يعد فضاءً مفتوحاً للنقاش العمومي، بل مؤسسة تُدار بمنطق التحكم في الصورة والمعلومة، وهو ما يتعارض مع طبيعة السلطة التشريعية التي تستمد مشروعيتها من الرقابة الشعبية والشفافية.
إن حرية الصحافة داخل البرلمان ليست امتيازاً تمنحه رئاسة المجلس، وإنما هي امتداد لمبدأ علنية الجلسات ولحق المواطنين في المعرفة. وأي تهديد للمراسلين أو المصورين بسبب نقلهم لما يجري داخل مؤسسة دستورية، من شأنه أن يحول البرلمان من فضاء مفتوح للنقاش العمومي إلى فضاء مغلق تحكمه التعليمات والتهديدات.
أما أخطر ما في هذا التصريح فهو اللجوء إلى النيابة العمومية باعتبارها وسيلة لمعالجة مسائل تنظيمية داخل المؤسسة التشريعية، فالبرلمان سلطة دستورية مستقلة، وله آلياته الخاصة لضبط النظام وتأديب أعضائه. أما استدعاء القضاء الجزائي للتدخل في كل مخالفة مزعومة للنظام الداخلي، فإنه يمثل توسعاً خطيراً في منطق التجريم، ويؤسس لسابقة تمس باستقلال السلطة التشريعية نفسها.
والأخطر أن هذا المسار يضعف مبدأ الفصل بين السلطات، لأن البرلمان الذي يلجأ بنفسه إلى استدعاء الوظيفة القضائية لمعالجة خلافات تنظيمية داخلية، يتنازل عملياً عن جزء من استقلاله وعن قدرته على إدارة شؤونه وفق آلياته الذاتية.
كما أن هذا المنطق يكرس مناخ التخويف داخل البرلمان، ويجعل النيابة العمومية تتحول إلى وسيلة ضغط على النواب والصحفيين، بدل أن تبقى مؤسسة مستقلة لا تتدخل إلا عندما يتعلق الأمر بأفعال يجرمها القانون صراحة.
والمفارقة أن رئيس المجلس، الذي يتشدد إلى هذا الحد في مسألة استعمال هاتف جوال، لم يُبدِ الحزم نفسه في الدفاع عن صلاحيات البرلمان، ولا في فرض رقابة المجلس على الحكومة، ولا في حماية المبادرات الرقابية التي تمثل جوهر الوظيفة البرلمانية. ففي الوقت الذي يتوسع فيه في استعمال لغة المنع والإحالة، يتراجع دور البرلمان في ممارسة وظائفه الدستورية الأساسية، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول أولويات رئاسة المجلس: هل حماية النظام الداخلي، أم حماية الدور الدستوري للبرلمان؟
إن استقلالية البرلمان لا تقاس بصرامة الإجراءات الشكلية داخل القاعة، وإنما بقدرته على ممارسة رقابته بحرية، وحماية أعضائه، وصون حق المواطنين في متابعة أعماله. وكل ممارسة تجعل المؤسسة التشريعية فضاءً للخوف بدل النقاش، أو للإذعان بدل المساءلة، تمثل انتقاصاً من هذا الاستقلال مهما كانت الذرائع المعلنة.
إن الخطر الحقيقي على البرلمان لا يأتي من هاتف جوال، ولا من صورة تُلتقط داخل جلسة علنية، وإنما يأتي عندما تصبح رئاسة المجلس نفسها مصدر التهديد لاستقلال المؤسسة التشريعية، عبر استدعاء النيابة العمومية كلما تعلق الأمر بمسألة كان يفترض أن تُعالج داخل البرلمان ووفق آلياته. فبهذا المنطق لا يُحمى البرلمان، بل يُعاد تشكيله كمؤسسة تخضع لمنطق التخويف بدل الرقابة، ولثقافة الردع بدل النقاش الحر، وهو مسار يُقوّض تدريجياً مكانة الوظيفة التشريعية ويُفرغها من دورها الدستوري بوصفها سلطة مستقلة تمثل الشعب وتراقب الوظيفة التنفيذية، لا وظيفة تخشى ممارسة اختصاصاتها تحت وطأة التلويح بالملاحقة الجزائية.
فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين
ظهرت المقالة من يهدد استقلالية البرلمان؟ عندما يتحول رئيس المجلس إلى سلطة إحالة على النيابة العمومية أولاً على أنباء تونس.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل من يهدد استقلالية البرلمان؟ عندما يتحول رئيس المجلس إلى سلطة إحالة على النيابة العمومية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.