اخبار عربية رسالَةٌ إلىَ بُوعْلاَم صَنصَال

رسال ة إلى ب وع لا م ص نص ال


اليكم الان رسالَةٌ إلىَ بُوعْلاَم صَنصَال والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

عزيزنا بُوعْلام صَنصال؛

تحية الوفاء والمودّة؛

نَشَرْتَ على مَوقع Le360 بتاريخ 22 يوليوز 2026 رسالةً وجَّهْتَها إلى إخوانِكَ المغَاربة، فقرأتُها بِاعتبَارهَا شهادةً إنسانية خرجَت من عُمْق تجْربة أدِيب عَرَفَ قسْوةَ العُزلَة، ثُمَّ اخْتارَ أن يجعلَ من حُريته المسْتعادَة جسرًا للتواصل لا جدارًا جديدًا للخُصُومة.

لم تصلني كلماتكَ من وراء حُدود جغرافية فحسب، فقد حملت معها صدى ذاكرةٍ مشتركة، وإيمانًا بأن الجوار أقدم من الخلاف، وأنَّ ما جمع الشَّعبين من أرضٍ وتاريخٍ ولِسانٍ أقوى منْ كُلِّ ما حاولت السّياسة أن تزرعَهُ بينهما.

وصلتْ رسالتكَ من وراءِ حُدُود أغلقَتْها السِّياسةُ طويلًا، من غير أن تنجَح في إغلاقِ ما هوُ أعمَق منها: تشابهُ الوُجوه، وتقاربُ اللّسان، وتداخلُ التّاريخ، ووحدةُ الأسْئلة التي تُؤرق الإنسان في المغرب والجَزائر وسَائر المجال المغَاربي.

وقد أعادت كلماتكَ إلى الواجهة معنىً كاد يضيع وسط الصخب اليومي: فالعلاقةُ بين الشّعوب أوسَع من بيانات الحُكومات، وأبقى مِنْ تقلّبَات الظّرف السّياسي، وأعمقَ من أن تحصرها خُصومة عَابرة بين نظامَين.

تستمد رسالتكَ معناها الإنساني من المسافة القاسية التي قطعتها بين السجن واستعادة الحرية.

فالإنسان حين يخرج من الأسر لا يستعيد حريته الجسدية وحدها؛ إنه يستعيد حقه في رواية ما جرى، وفي إعادة ترتيب علاقته بالعالم، وفي اختيار الموقع الأخلاقي الذي يريد أن يقف فيه.

وما يمنحُ خطابكَ ثقله أنكَ لم تجعل من ألمكَ الشّخصي بابًا للكراهية، ولم تحوّل الظلم الذي أصابك إلى ذريعة للانتقام الرمزي من وطنك الأول أو من شعبه.

لقد حافظت على الفصل الضروري بين الوطن والسلطة، وبين الشعب والنظام، وبين الانتماء والموقف السياسي.

ولا يقدر كل من ذاق القمع على هذا الفصل، لأن الجُرح حين يشتدُّ قد يدفع صاحبه إلى محاكمة الأرض بسبب أخطاء من يحكمها.

وحين تؤكد أن الجزائر لن تكف عن السكن في ذاكرتك، على الرغم مما تعرضت له، فإنك تذكّرنا بأن الوطن أعمق من أن تصادره مؤسسة أو تختزله مرحلة سياسية.

لا تملكُ الحكوماتُ الأوطان، ولا تمنح الإدارات الانتماء لمن تشاء ثم تنتزعه ممَّن تشاء.

فالوطن تراكُم من اللغة والطفولة والمقابر والوجوه والروائح والأماكن الأولى.

قد تقصي السّلطة الإنسان عن أرضه، غير أنها لا تستطيع أن تنتزع تلك الأرض من وجدانه. لهذا أفهم أنّكَ تكتب من الجزائر حتى وأنت خارجها، وتكتب من فرنسا بحكم واقع العيش والمواطنة، وتكتب من المغرب بحكم القرب الثقافي والوجداني، ومن موقع الأمل في بناء فضاء إنساني لا تتحوَّل فيه الحدود إلى جُدران داخل النّفوس.

غير أن الأخوّة التي تستحق الدفاع عنها لا ينبغي أن تقوم على الإنشاء العاطفي وحده؛ فالعاطفة تفتح الأبواب، لكنها لا تبني المؤسسات، ولا تعالج الأزمات، ولا تحمي المصالح المشتركة من الانهيار.

لقد دفعَتْ شعوب المنطقة ثمنًا باهظًا حين تحوَّلت الحُدود من إطار قانوني لتنظيم السيادة إلى أداة لإنتاج القطيعة.

الحدود في معناها الحديث ضرورة سياسية وإدارية، غير أن تحويلها إلى حاجز ثقافي وأخلاقي أدى إلى إضعاف الجميع.

أُغلقت طرق، وتفرقت أسر، وتعطّلت مصالح، وضاعت فرص اقتصادية وتنمَوية، ونشأت أجيال تعرف عن شعوب بعيدة أكثر مما تعرف عن الجار الذي يشترك معها في اللغة والدين والتاريخ والموسيقى والعادات.

وقد أصبتَ حين كتبتَ أن سرعة انتشار المعلومات لم تؤد بالضرورة إلى نموِّ الفهم.

نحن نعيش في زمن تتضاعف فيه الأخبار، بينما تتراجع القدرة على التمييز بينها. يصل الحدث إلينا في لحظته، غير أن معناه يضيع بين الدّعاية والانفعال والتّحيز وسرعة إصدار الأحكام.

يتوهم الإنسان أنه يعرف الواقع لأنه شاهد صورته، مع أن الصورة قد تكون جزءًا من حجابٍ أكبر.

لهذا أصبحتْ مهمة المثقف أكثر تعقيدًا.

لم يعد دورُه أن يضيف خبرًا إلى سَيْل الأخبار، وإنما أن يمنحَ الوقائع سياقًا، وأن يُحرِّرها من الاستخدام الدِّعائي، وأن يُبيِّن ما تخفيه اللغة السياسية من مصالح ومخاوف وتناقُضات.

إن المعرفة التي لا تتحول إلى وعي قد تصبح أداةً للتِّيه، والوعي الذي لا يترجَم إلى مسؤولية قد يتحوَّل إلى تَرف أخلاقي، أما المسؤولية التي تنفصلُ عن الحكمة فقد تنقلبُ إلى انفعال جديد يضاعفُ الانقسام.

من هنا أجِدُ في دعوتكَ إلى الانتقال من المعرفة إلى الوعي، ومن الوعي إلى الالتزام، قيمة فكرية حقيقية.

غير أن هذا الالتزام يحتاج إلى “تحديد أخْلاقي” واضح: أن يكون دفاعًا عن حُرية الإنسان وكرامته، واحترامًا لسيادة الأوطان، ورفضًا لتقديس السُّلطة، وامتناعًا عن تحويل الاختلاف إلى عداوة وُجودية.

أقرأُ حديثكَ عن الجَزائر باهتمام خاص، لأنَّني أؤمنُ بأن المغرب لا يستطيعُ أن يصوغ مستقبله الإقليمي بمعزل عن الجزائر، كما لا تستطيعُ الجزائر أن تَبنيَ أفقًا مُستقرًا وهي تتجاهلُ المغرب.

وليسَ هذا موقفًا عاطفيًا أو مجرد تعبير وجداني، إنه حقيقة تفرضُها الجُغرافيا، وتؤكِّدها المصالح الاقتصادية، وتدعِّمها الرّوابط التاريخية والثّقافية.

فلا أحدَ من الطّرفين قادر على إلْغاء الآخر أو تجاوز حُضوره، كما لا يمكنُ لأيّ مشروع إقليمي جَادّ أن ينجح في ظل خصومة مزمنة بين أكبر بلدين في المنطقة.

إن استمرار النزاع لا يبرهن على قوة أيِّ منهما، ذلك أنه يستنزف قدراتهما، ويهدر فرص التّنمية والتّكامل، ويخلق فراغًا سياسيًا واستراتيجيًا تستفيدُ منه قوى خارجية لا يعنيها استقرار المنطقة بقدر ما يعنيها توسيع نفوذها وحماية مصالحها فيها.

عزيزنا بوعلام صنصال؛

استوقفتْني عبارتكَ التي تقولُ فيها إنّكَ لا تأتي لإقناعِ المغاربة أو اسْتمالتهم، وإنَّما للتَّفكير معهم؛ فهي تُؤسس لعلاقة تَقوم على النِّدية والاحْترام المتبادَل بين صَاحب الرأي ومن يتفاعل معه، وتجعلُ الحوار مجالًا لتبادل الفَهم، لا وَسيلة لفرض القَناعات أو توجيه الناس من موقع أعْلى.

فالمتلقي ليس جمهورًا صامتًا ينتظر ما يُملى عليه، والمثقف لا يحتكر الحقيقة ولا يملكُ سلطة الوصاية على المجتمع، والتّفكير المشترك يقتضي أن تظلّ الأفكار مفتوحة للنقاش، وأن يتّسع صاحبها للاعْتراض، وأن يُدركَ أن رؤيته، مهما بدتْ له متماسكة، تبقى جزءًا من حقيقة أوسع لا تختزلها تجربة فردية ولا زاوية واحدة.

ومن يُطالب بحريته في التَّعبير، يظل مطالبًا بأن يعترف للآخرين بحرية نقده ومُخالفته.

فإذا ضاق بالاعْتراض، فقدت الحُرية معناها المشترك، وتحوَّلت من قيمة عامّة إلى امتياز يحتفظ به المرءُ لنفسه.

إن الحوار الذي أؤمن به لا يقوم على إخفاء الخلافات حتى يبدوَ المشهد هادئًا، لأن الهدوء المصطنع لا يصنعُ سلامًا، ولا يبدِّد أسباب التَّوتر.

الحوارُ الجَادُّ هو الذي يفسح المجال لطرح الأسئلة المؤلمة من غير انزلاق إلى الإهانة، ويواجه الوقائع من دون تحريض، ويقرّ بالمصالح الوطنية من غير أن يحوِّل مصالح الآخرين إلى موضع اتهامٍ دائم.

وهذا النوع من الحوار يحتاج إلى قَدر مُتوازن من الشَّجاعة والإنصاف؛ فالشجاعةُ حين تنفصل عن الإنصاف قد تتحوَّل إلى اندفاعٍ عدائي، والإنصافُ حين يخلو من الشّجاعة قد ينتهي إلى مجاملة لا تُغير شيئًا.

من هنا تصبحُ قيمة الحوار في قُدرته على الجمع بين الصَّراحة والمسؤولية، وبين الدفاع عن المواقف واحترام حق الآخرين في الاختلاف.

أما مُستقبل “المغرب الكبير”، فلن يُبنى بإحياء خطابات الوَحدة القديمة بصيغتها الحمَاسية وحدها، ولا بالاكتفاء باستدعاء الذاكرة الحضارية المشتركة؛ فالتاريخ يمنح شعوب المنطقة رصيدًا رمزيًا مهمًا، غير أنه لا يعفيها من مسؤولية بناء الحاضر وصياغة المصالح المشتركة بلُغة الواقع.

وما تحتاجه المنطقة اليوم هو مشاريع ملموسة في الاقتصاد والمعرفة والطاقة والماء والتعليم والثقافة والأمن الإنساني، حتى تتحوّل وحدة المصير من شعار متداول إلى قدرة حقيقية على مواجهة التحديات المشتركة، من البطالة والهجرة إلى التّصحر والاضطرابات الأمنية في منطقة الساحل.

فلا قيمة عملية لمديح الروابط التاريخية إذا بقيت الحدود عائقًا أمام الحركة، وتعذّر على الباحث أن يتعاون مع نظيره، ووجد التّاجر في الوصول إلى الأسواق البعيدة فرصًا لا يجدها في التعامل مع أقرب جار؛ عندئذ يصبح الحديث عن القرب التاريخي والثقافي ناقصًا ما لم يصاحبه تقارب فعلي في المصالح والمشاريع والمؤسسات.

أمَّا استحضاركَ للمُتوسِّط والسّاحِل، فيمنحُ القضيَّة أفُقًا أوْسَع، لأن المنطقة لا تعيش معزولة عما يجري حولها، وإنما تقع في قلب تحولات كبرى ترتبط بالهجرة والطاقة والتغير المناخي والأمن.

وإذا استمرت بلدان المغرب الكبير في التعامل مع هذه التحولات بصورة متفرقة، فستظل القوى الكبرى تنظر إليها بوصفها ملفات منفصلة، يسهل الضغط عليها أو التفاوض بشأنها كلٌّ على حدة.

أما بناء رؤية مشتركة، فمن شأنه أن يحول الموقع الجغرافي للمنطقة من عامل هشاشة إلى رصيد استراتيجي.

ولا تعني الوحدة في هذا السياق إلغاء الدول أو الانتقاص من سيادتها، وإنما تعني تنسيق السياسات والمصالح بما يجعل كل دولة أكثر قدرة على حماية خياراتها وخدمة شعوبها.

فالسيادة لا تضعف بالتعاون، وإنما تكتسب فاعلية أكبر حين تتحول من موقف دفاعي منفرد إلى قدرة جماعية على التفاوض والتأثير.

وتقولُ إن ما يُبقي المنطقة أسيرة للريبة الدائمة هو استسلام الإنسان، وهي فكرة جديرة بالتأمل.

فالخُصومات السِّياسية حين تطول تكتسب مع الزمن مظهرًا يوحي بأنها قدَرٌ ثابت، حتى يتوهّم الناس أنها جزء من طبيعة الأشياء وليست نتيجة لخيارات وقرارات قابلة للمراجعة.

غير أن التاريخ لا يعرف أوضاعًا أبدية، وما صنعته الإرادة البشرية يمكن لإرادة بشرية أخرى أن تعيد تشكيله.

واليأس في هذا المعنى ليس مجرد شعور فردي، وإنما موقف يكرس الواقع القائم ويمنحه فرصة الاستمرار.

أما الأمل فلا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتظارًا سلبيًا لما قد يتغيَّر، وإنما قدرة على تصوُّر بديلٍ مُمكن، ثم العمل الهَادئ والمتدرِّج من أجل تحويله إلى وَاقع.

عزيزنا بوعلام صنصال؛

كتبتَ إلينا بِحُرِّية، ومن حقِّ هذا الكلام أن يُقابل بحُرية مُماثلة.

فلنجعل من الحوار سبيلًا إلى إعادة التعرّف إلى الجار، ومن الاختلاف فرصةً لمراجعة الأحكام وتوسيع آفاق الفهم، ومن الذّاكرة قوةً تدفعُنا نحو المسْتقبل، لا عبئًا يقيّدُ الحاضر بصرَاعات الماضي.

قد تكون الحُدود السِّياسية مُغلقة، غير أن الأفكار لا تعترفُ دائمًا بالحَواجز، والتَّعاطف لا يحتاجُ إلى إذْن كيْ يعبُرَ، والرَّوابط الحضارية أعمقُ منْ أن تمحُوها القَطيعة. ومع ذلك، فإن التقارب العاطفي، على أهميته، لا يكفي وحده لتغيير الواقع.

نحن في حاجة إلى شجاعة فكرية، وإلى مؤسسات تتحمّل مسؤولياتها، ونخبٍ ترفض تحويل الخلاف إلى خطاب كراهية، ووعيٍ جماعي يدرك أن استقرار الجار ليس تهديدًا، وأن حريته لا تنتقص من حرية سواه؛ فالمستقبل الآمن لا يُبنى على الخوف المتبادل، وإنما على الثقة، وتكامل المصالح، والاحترام المتكافئ.

مرحبًا بكَ في المغرب كاتبًا ومُحاورًا؛ أمامنا أفقٌ رحْبٌ للتَّفكير، وتجمعُنا مسؤوليةٌ مشتركة في ألّا نسمحَ لتقلّبات السّياسة العابرة بأن تختزل تاريخ الشعوب أو تصوغه وحْدها.

لهذا قرأتُ رسالتكَ باعتبارها نداءً إلى ضَمير مَغاربي أنهكتْهُ القَطيعة ولمْ يَفقِدْ قُدرتَه على الحُلْم.

قد تتأخَّر المصَالحات، وقد تستمرّ الحُدود في أداء وظيفتها البَاردة، غير أن الكلمةَ الصّادقة تظلُّ قادرةً على فتْح ما تعجز عنهُ المعابر المغلقة.

وما دام في الجزائر منْ يكتبُ للمغرب بمَحبَّة، وفي المغرب من يصغي للجزائر بإنْصافٍ…فإن التَّاريخ لمْ يقلْ كَلمتهُ الأخيرة بعدُ.

مَعزَّتي إليكَ وهيَ بِلاَ حُدُود.

رسالَةٌ إلىَ بُوعْلاَم صَنصَال Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

رسال ة إلى ب وع لا م ص نص ال



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس رسال ة إلى ب وع لا م ص نص ال

كانت هذه تفاصيل رسالَةٌ إلىَ بُوعْلاَم صَنصَال نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم