اخبار محلية الفلامنكو في قرطاج : حين يحمل الجسد ذاكرة المنفيين ويتمرّد على النسيان
اليكم الان الفلامنكو في قرطاج : حين يحمل الجسد ذاكرة المنفيين ويتمرّد على النسيان والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس:
لم يكن ركح المسرح الأثري بقرطاج، ليلة الخميس 30 جويلية 2026، مجرد فضاء لعرض راقص قادم من إسبانيا، بل تحول إلى مساحة لاستعادة ذاكرة كاملة. في عرض «الأرض المباركة» (Tierra bendita)، لم تقدم باتريسيا غيريرو مجرد فرجة بصرية، ولم تكتفِ بإعادة إنتاج جماليات الفلامنكو، بل فتحت جرحاً تاريخياً قديماً، جرح الأندلس التي بقيت حاضرة في الوجدان الإسباني والعالمي باعتبارها أرضاً للقاء والصراع والمنفى.
جمال ڨتالة
الفلامنكو ليس رقصة تُؤدى أمام الجمهور ثم تنتهي بانطفاء الأضواء. هو جسد يحمل آثار التاريخ، وصوت لمن فقدوا المكان ولم يفقدوا الذاكرة. إنه فن خرج من الهامش، من أصوات الفلاحين والمهمشين والموريسكيين والغجر، ليصبح لاحقاً أحد الرموز الثقافية الكبرى لإسبانيا. لكن قوته لا تكمن فقط في جمالياته، بل في قدرته على تحويل الألم إلى إبداع، والهزيمة إلى حركة، والمنفى إلى أغنية.
على خشبة قرطاج، كانت الأقدام تضرب الأرض كما لو أنها تستجوبها. تقنية «ثاباتيادو» لم تكن مجرد استعراض للمهارة، بل بدت كأنها حوار مع التراب، مع أرض فقدها البعض وحملوها معهم في الذاكرة. كل ضربة كعب كانت أشبه بإعلان وجود، وكأن الجسد يقول إن الإنسان قد يُقتلع من المكان، لكنه لا يُقتلع من حكايته.
اختارت باتريسيا غيريرو أن تضع الجسد في قلب العرض. لا ديكور يطغى، ولا بهرجة تخفي المعنى. الجسد وحده يصبح لغة كاملة: اليد تحكي، النظرة تعترف، والخطوة تستعيد ما حاول التاريخ طمسه. هنا يتحرر الرقص من وظيفته الترفيهية ليصبح كتابة أخرى للتاريخ، كتابة لا تعتمد الوثائق بل تعتمد الذاكرة الحية.
في رقصة «سوليا»، حضرت العزلة والتأمل، وكأن الراقصين يحملون ثقل قرون من الحنين. أما «أليغرياس» فجاءت كنافذة مضيئة وسط هذا الحزن، بألوانها وحركتها الجماعية، لتؤكد أن الفلامنكو لم يكن يوماً فناً للمأساة فقط، بل أيضاً احتفالاً بالبقاء والانتصار على الألم.
حتى الكاستانيات، تلك الآلة الصغيرة، تحولت إلى شريك في بناء المعنى. نقراتها لم تكن مجرد إيقاع إضافي، بل كانت امتداداً لحركة الجسد، مثل نبض داخلي يربط بين الصوت والصمت. أما القيثارة فبقيت رفيقة الحكاية، تحمل أنين العاشقين والمنفيين، وتمنح للرقص بعده الشعري.
لكن قوة العرض تكمن خصوصاً في رفضه تحويل الفلامنكو إلى قطعة فولكلورية محفوظة داخل متحف. فباتريسيا غيريرو لا تعيد الماضي كما هو، بل تحاوره. إنها تستعيد روح الفلامنكو وتدفعه نحو الحاضر، مؤكدة أن التراث الحقيقي ليس ما يبقى ثابتاً، بل ما يملك القدرة على التجدد دون أن يفقد جذوره.
في المشهد الأخير، حين ارتدى الراقصون السواد وتعالت نبرة الحزن، بدا العرض وكأنه يواجه سؤال الإنسان الأبدي: كيف يحول مآسيه إلى حياة؟ كانت ضربات الأقدام تشبه وقع خطوات في ساحة حرب، بين الهروب والمواجهة، بين الفقدان والرغبة في الاستمرار. لحظة صمت عميق سادت المدرجات قبل أن ينفجر التصفيق، لأن الجمهور لم يشاهد مجرد رقصة، بل عاش تجربة إنسانية.
لقد أثبت عرض «الأرض المباركة» أن الفلامنكو ليس ملكاً لإسبانيا وحدها، بل لغة عالمية للذاكرة والحرية. وهذا ما جعل اليونسكو تدرجه سنة 2010 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، باعتباره فناً يجمع بين الحزن والفرح، بين الألم والاحتفال، بين الفرد والجماعة.
في قرطاج، لم تستعد الأندلس أمجادها فقط، بل استعادت سؤالها الأعمق: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد أرضه؟ الجواب جاء من الأجساد الراقصة: تبقى الحكاية، ويبقى الفن، ويبقى ذلك الصوت الذي لا يحتاج إلى ترجمة.
ظهرت المقالة الفلامنكو في قرطاج : حين يحمل الجسد ذاكرة المنفيين ويتمرّد على النسيان أولاً على أنباء تونس.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل الفلامنكو في قرطاج : حين يحمل الجسد ذاكرة المنفيين ويتمرّد على النسيان نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.