اخبار محلية ا.د بني هاني يكنب عن : اقتصاد الانحطاط.. عندما نستورد الثقافة

ا د بني هاني يكنب عن اقتصاد الانحطاط عندما نستورد الثقافة


اليكم الان ا.د بني هاني يكنب عن : اقتصاد الانحطاط.. عندما نستورد الثقافة والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24

 كتب - عبدالرزاق بني هاني

لا تخشى الأمم الواعية انفتاحها على العالم، لأنها تدرك أن الحضارة الإنسانية قامت على التفاعل والتبادل والتراكم. فالعلوم هاجرت من الشرق إلى الغرب، والفلسفة انتقلت بين القارات، والتقنيات لم تعرف حدوداً سياسية، والأفكار العظيمة لم تحمل يوماً جواز سفر. إلا أن المشكلة لا تبدأ عندما نستورد المعرفة، وإنما عندما نستورد أنماطاً من السلوك والعادات والاستهلاك دون أن نسأل هل تضيف إلى مجتمعنا أم تستنزفه؟ وهل ترفع من إنتاجيتنا أم تستهلك ما تبقى لدينا من وقت ومال وطاقة؟ فالثقافة ليست الأغاني التي نستمع إليها، ولا الملابس التي نرتديها، ولا المطاعم التي نتردد عليها فحسب؛ بل هي منظومة كاملة تحدد كيف نفكر، وكيف نعمل، وكيف ننفق، وكيف نحترم القانون، وكيف ننظر إلى الوقت، وكيف نربي أبناءنا، وكيف نتعامل مع المال العام والخاص. ولهذا فإن استيراد الثقافة ليس عملية بريئة دائماً، لأن ما ينتقل بين المجتمعات ليس أفضل ما لديها بالضرورة، بل قد يكون أكثر ما يسهل تسويقه واستهلاكه. فقد أصبح العالم اليوم سوقاً هائلة لا تبيع السلع وحدها، بل تبيع أنماط الحياة أيضاً. فكل دقيقة يقضيها الإنسان أمام شاشة، وكل إعلان يطارده، وكل مؤثر يسعى إلى تشكيل ذوقه، هي جزء من اقتصاد عالمي، الريادة فيه للصهيونية، يقوم على جذب الانتباه وتحويله إلى استهلاك. وفي هذا الاقتصاد الجديد، لا يُقاس النجاح دائماً بما ينتجه الإنسان، بل كثيراً بما يشتريه، وما يعرضه، وما يستهلكه. ومن هنا تبدأ المعضلة. إذ قد نجد مجتمعات تعاني شح الموارد، وارتفاع معدلات البطالة، وضيق الفرص الاقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تنفق بسخاء على أنشطة لا تضيف قيمة اقتصادية أو معرفية، وتتنافس في اقتناء الكماليات قبل الضروريات، وتستهلك ساعات طويلة في متابعة محتوى ترفيهي لا يطور مهارة، ولا يبني معرفة، ولا يخلق فرصة عمل. ولا يعني كلامي هذا ذلك أن الترفيه خطأ، أو أن الانفتاح الثقافي مرفوض، أو أن كل ما يأتي من الخارج مذموم. فالفنون والرياضة والترفيه جزء من الحياة الإنسانية. لكن السؤال الاقتصادي يبقى مشروعاً: ماذا يحدث عندما تتحول الكماليات إلى أولويات، ويصبح الإنفاق الاستهلاكي بديلاً عن الاستثمار في الإنسان، وفي التعليم، وفي المهارة، وفي الإنتاج؟

ولعل أخطر ما يرافق هذا التحول هو إعادة تشكيل مفهوم النجاح. فبدلاً من أن يكون النجاح مرتبطاً بالعلم، والإتقان، والعمل، والإبداع، قد يصبح مرتبطاً بالظهور والاستهلاك واستعراض أنماط حياة يصعب على كثيرين مجاراتها. وعندما يحدث ذلك، تتولد فجوة بين الطموحات والقدرات، فينشأ الإحباط، ويضعف الرضا، وتزداد الضغوط الاجتماعية، لأن الناس يقارنون أنفسهم بصور مثالية أكثر من مقارنتهم بواقعهم. وللثقافة المستوردة وجه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في طريقة تعاملنا مع الفضاء العام. فالشارع ليس مجرد طريق، بل هو مرآة للنظام الاجتماعي. وعندما تتراجع ثقافة احترام المساحات المشتركة، ويغدو الضجيج أمراً عادياً، ويُنظر إلى النظام باعتباره قيداً لا قيمة له، فإن كلفة ذلك لا تكون جمالية فقط، بل اقتصادية أيضاً. فالوقت الذي يهدر في الفوضى، والطاقة التي تستنزف في النزاعات اليومية، وتراجع الثقة بين الأفراد، كلها عناصر تؤثر في كفاءة الاقتصاد وجودة الحياة. كما أن المشاهد اليومية التي تعكس هشاشة اقتصادية، كانتشار التسول أو البحث عن المواد القابلة لإعادة التدوير في النفايات أو توسع الاقتصاد غير المنظم، لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد ظواهر بصرية مزعجة، بل بوصفها مؤشرات تستحق الدراسة والمعالجة. فهي قد ترتبط بعوامل متعددة، منها الفقر، أو البطالة، أو ضعف شبكات الحماية الاجتماعية، أو اختلالات في سوق العمل، أو غير ذلك من الأسباب التي تختلف من مجتمع إلى آخر. والتعامل معها يحتاج إلى سياسات عامة فعالة، لا إلى الاكتفاء بإدانتها أخلاقياً. ومن المؤسف أن جزءاً من الثقافة الاستهلاكية الحديثة لا يكتفي بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بل يعيد ترتيب أولويات الإنسان نفسه. فبدلاً من أن يصبح الوقت مورداً ثميناً، يتحول إلى مادة للاستهلاك. وبدلاً من أن تكون المعرفة طريقاً للارتقاء، تصبح الشهرة السريعة هدفاً بحد ذاته. وبدلاً من أن يكون السؤال: ماذا سأنتج؟ يصبح السؤال: ماذا سأعرض؟ وفي مثل هذه البيئة، تزداد قابلية المجتمع للانقسام والتوتر. فحين يشعر الأفراد أن الفرص محدودة، وأن النجاح يقاس بالمظاهر أكثر من الإنجاز، تتراجع الثقة، ويزداد الاحتقان، وتصبح المقارنات الاجتماعية مصدراً دائماً للضغط النفسي. وليس الحسد أو الغضب أو العدوان سلوكاً يولد من فراغ، بل قد يتغذى أيضاً على شعور متراكم بانسداد الأفق، أو على ثقافة تمجد الامتلاك أكثر مما تمجد العمل.

ومع كل ذلك فإن تحميل الثقافة المستوردة وحدها مسؤولية كل هذه التحولات سيكون تبسيطاً للمسألة. فالمجتمع ليس متلقياً سلبياً، والحكومة ليست بلا دور، والأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية جميعها تشارك في تشكيل القيم. لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في إغلاق النوافذ أمام العالم، بل في امتلاك القدرة على الانتقاء الواعي؛ أي أن نستقبل المعرفة ونرفض السطحية، وأن نرحب بالتقنية ونقاوم الإدمان، وأن نستفيد من التجارب الناجحة دون أن نفقد معاييرنا في تقييم ما ينفع وما يضر. فالدول التي نجحت في عصر العولمة لم تنجح لأنها عزلت نفسها، بل لأنها أحسنت الاختيار! أخذت من العالم الانضباط، والبحث العلمي، وثقافة الجودة، واحترام الوقت، وربطت ذلك بهويتها ومؤسساتها. أما المجتمعات التي تكتفي باستهلاك المنتجات والأفكار دون إنتاج بدائلها، فإنها تبقى في موقع المتلقي، مهما ارتفع حجم استهلاكها. وفي النهاية، ليست القضية قضية شرق وغرب، ولا قديم وجديد، ولا محافظة وانفتاح. القضية هي أية ثقافة تساعد الإنسان على أن يكون أكثر إنتاجاً، وأكثر احتراماً للقانون، وأكثر قدرة على التفكير، وأكثر مساهمة في ازدهار مجتمعه؟ فهذه هي الثقافة التي تستحق أن تُستورد، وأن تُنتج أيضاً. أما كل ما يبدد الوقت، ويستنزف الموارد، ويحول الإنسان إلى مجرد مستهلك دائم، فهو استيراد باهظ الكلفة، حتى وإن بدا في ظاهره جذاباً، وهو في باطنه ثقافة من ابتداع الصهيونية الشريرة. فالأمم لا تنهض بما تستهلكه من ثقافات، بل بما تحسن اختياره منها، وبما تضيفه إليها من إبداعها وعملها وقيمها. وعندما يصبح المجتمع قادراً على التمييز بين ما يبني الإنسان وما يشتته، يكون قد بدأ بالفعل أول خطوة على طريق النهضة.

.

ا د بني هاني يكنب عن اقتصاد الانحطاط عندما نستورد الثقافة



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


جو 24 ا د بني هاني يكنب عن اقتصاد الانحطاط عندما نستورد

كانت هذه تفاصيل ا.د بني هاني يكنب عن : اقتصاد الانحطاط.. عندما نستورد الثقافة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم