اخبار عربية من الفنيدق إلى المجهول هل يعيش المغرب أزمة هجرة أم أزمة ثقة في النموذج التنموي؟

من الفنيدق إلى المجهول هل يعيش المغرب أزمة هجرة أم أزمة ثقة في النموذج التنموي


اليكم الان من الفنيدق إلى المجهول هل يعيش المغرب أزمة هجرة أم أزمة ثقة في النموذج التنموي؟ والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب

حين تتحول الهجرة إلى استفتاء صامت على المستقبل أو حين يصوت الشباب بأقدامهم: قراءة في أزمة الثقة التي كشفتها أحداث الفنيدق

لم تكن المشاهد التي عاشتها مدينة الفنيدق خلال محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة مجرد حادث عابر أو موجة جديدة من موجات الهجرة غير النظامية التي عرفها المغرب في مراحل سابقة. لقد شكلت تلك الأحداث لحظة كاشفة لأسئلة عميقة تتجاوز البعد الأمني والظرفي، لتلامس جوهر العلاقة بين المواطن ووطنه، وبين الشباب ومستقبلهم، وبين المجتمع ومؤسساته.

فحين يغامر آلاف الشباب، ومن بينهم قاصرون وأحياناً أسر كاملة، واشخاص من ذوي الاعاقة بحياتهم من أجل عبور البحر أو الأسلاك الحدودية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بإغراءات الخارج أو بحلم الهجرة في حد ذاته، بل يعكس أيضاً أزمة أمل متنامية وإحساساً متزايداً لدى فئات واسعة بأن المستقبل المنشود يوجد خارج الحدود أكثر مما يوجد داخلها.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة نقدية موضوعية لما وقع؛ قراءة لا تنكر الإنجازات المهمة التي حققها المغرب خلال العقود الأخيرة، ولا تسقط في خطاب التبخيس أو جلد الذات. فالمجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تمتلك الشجاعة لمساءلة نفسها باستمرار، والقدرة على تشخيص اختلالاتها بنفس القدر الذي تحتفي فيه بمنجزاتها.

فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل حقق المغرب تقدماً؟ لأن ذلك أصبح حقيقة يصعب إنكارها. بل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لا ينعكس جزء مهم من هذا التقدم بالقدر الكافي على حياة ملايين المواطنين؟ وأين تتعثر حلقات تحويل النمو الاقتصادي والاستثمار العمومي إلى شعور جماعي بالإنصاف والكرامة والثقة؟

بين مغرب الإنجازات ومغرب الانتظارات

خلال ربع القرن الأخير، شهد المغرب تحولات كبرى جعلته واحداً من أكثر البلدان الإفريقية استثماراً في البنية التحتية والأوراش الاستراتيجية.

فقد تم إنجاز آلاف الكيلومترات من الطرق السيارة، وتطوير شبكة السكك الحديدية وإطلاق أول قطار فائق السرعة في إفريقيا، كما تحول ميناء طنجة المتوسط إلى واحد من أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وأصبح المغرب منصة صناعية مهمة في مجالات السيارات والطيران والطاقات المتجددة.

كما تتواصل مشاريع استراتيجية واعدة مثل ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، في إطار رؤية ملكية تروم جعل المغرب منصة لوجستية وتجارية تربط أوروبا وإفريقيا وفضاء الساحل والصحراء.

إلى جانب ذلك، يمتلك المغرب مؤهلات طبيعية واستراتيجية مهمة؛ فهو يتوفر على أكثر من 3500 كيلومتر من السواحل، ويحتضن أكبر احتياطي عالمي من الفوسفاط، ويستفيد من موقع جغرافي استثنائي يجعله نقطة التقاء بين القارات والأسواق.

لكن في المقابل، هناك مغرب آخر.

مغرب يواجه فيه ملايين المواطنين تحديات يومية مرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الولوج إلى خدمات عمومية ذات جودة، واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضعف فرص الشغل المستقرة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

فالمشكلة ليست في غياب الإنجازات، بل في ضعف الإحساس الجماعي بالاستفادة العادلة من ثمارها. لقد أصبح هناك، في نظر فئات واسعة من المجتمع، فرق واضح بين مغرب المشاريع الكبرى ومغرب الحياة اليومية، وبين لغة المؤشرات الاقتصادية ولغة المعاناة الاجتماعية.

الأرقام التي تفرض الأسئلة

تشير المعطيات الرسمية الحديثة إلى أن معدل البطالة ما يزال يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني.

فقد تجاوز عدد العاطلين عن العمل مليوناً ومائتي ألف شخص، فيما تظل بطالة الشباب من بين الأعلى وطنياً، خصوصاً في الفئة العمرية بين 15 و24 سنة. كما تعرف بطالة النساء وحاملي الشهادات مستويات مقلقة تعكس استمرار الاختلال بين مخرجات التعليم وسوق الشغل.

لكن اختزال الأزمة في نسبة البطالة وحدها سيكون تبسيطاً مخلاً.

فالمشكل الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد فرص الشغل، بل أيضاً بجودة هذه الفرص واستقرارها وقدرتها على تمكين الشباب من بناء مشروع حياة مستقل.

إن الشاب المغربي اليوم لا يبحث فقط عن راتب شهري، بل يبحث عن أفق اجتماعي. يبحث عن وظيفة تضمن له الكرامة والاستقرار، وتمكنه من امتلاك سكن، وتأسيس أسرة، وتحقيق ذاته.

وعندما يصبح تحقيق هذه الأهداف حلماً بعيد المنال، تتحول الهجرة من خيار إلى مشروع إنقاذ فردي وجماعي.

حين يهاجر الطبيب والمهندس والإعلامي

من أكثر المؤشرات إثارة للقلق استمرار نزيف الكفاءات المغربية نحو الخارج.

فالمغرب لا يفقد فقط الباحثين عن أول فرصة عمل، بل يفقد أيضاً أطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين وباحثين وإعلاميين وخبراء في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمالية.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

إذا كان الطبيب يهاجر، والمهندس يهاجر، والباحث يهاجر، والإعلامي يهاجر، فهل المشكلة في البطالة فقط؟

الواقع أن الأمر يرتبط أيضاً بجاذبية البيئة المهنية، وجودة الحكامة، ومستوى التقدير الاجتماعي للكفاءات، وفرص البحث العلمي والابتكار، وآليات الترقي المبنية على الجدارة والاستحقاق.

إن الدولة تستثمر مليارات الدراهم في تكوين هذه الكفاءات، لكنها تجد نفسها عاجزة عن الاحتفاظ بجزء مهم منها. وعندما يهاجر العاطل والطبيب والمهندس معاً، فإننا نكون أمام أزمة ثقة في المستقبل أكثر مما نكون أمام أزمة شغل فقط.

الحماية الاجتماعية: نجاح إصلاحي وأسئلة مقلقة

لا يمكن إنكار الأهمية التاريخية لورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقه المغرب خلال السنوات الأخيرة.

فهذا المشروع يعد من أكبر الأوراش الاجتماعية التي عرفتها المملكة منذ الاستقلال، ويهدف إلى تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي والحماية من المخاطر الاجتماعية.

غير أن الأرقام تطرح أسئلة عميقة.

فاستفادة ملايين الأسر من الدعم الاجتماعي المباشر تعكس بلا شك حجم المجهود الذي تبذله الدولة، لكنها تكشف أيضاً اتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية.

فالسؤال الجوهري ليس: لماذا تقدم الدولة الدعم؟

بل: لماذا يحتاج هذا العدد الكبير من المواطنين إلى الدعم أصلاً؟

إن الدعم الاجتماعي ضرورة أخلاقية وإنسانية، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم عن خلق الثروة وفرص الشغل والإدماج الاقتصادي المنتج.

فالدول لا تبنى بمنطق الإعانة فقط، بل بمنطق التمكين الاقتصادي وخلق الفرص.

الفساد: الكلفة الخفية للتنمية

يصعب الحديث عن أزمة الثقة دون التوقف عند معضلة الفساد.

فالفساد ليس مجرد رشاوي أو اختلاسات أو تجاوزات إدارية معزولة، بل هو منظومة تؤثر على توزيع الفرص والثروة، وتحد من فعالية السياسات العمومية، وتضعف جاذبية الاستثمار.

لقد أكدت تقارير وطنية ودولية متتالية أن الفساد يمثل أحد أكبر معوقات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

لكن أخطر كلفة للفساد ليست مالية فقط.

إنها كلفة نفسية ومجتمعية.

فعندما يشعر المواطن أن النجاح لا يرتبط دائماً بالكفاءة والعمل الجاد، وأن النفوذ والعلاقات الشخصية قد تكون أكثر تأثيراً من الجدارة والخبرة، فإن الإيمان بقيمة الاجتهاد يتراجع.

وحين تتراجع الثقة في عدالة الفرص، تتراجع معها الثقة في المستقبل.

تضارب المصالح واقتصاد الريع

يرتبط موضوع الفساد ارتباطاً وثيقاً بإشكالية تضارب المصالح واقتصاد الريع.

ففي العديد من الأحيان، لا يتعلق الأمر فقط بخرق القانون، بل بوجود انطباع مجتمعي بأن بعض دوائر النفوذ ما تزال تستفيد من امتيازات وفرص لا تتاح للجميع بنفس القدر.

كيف يمكن إقناع الشباب بأن مستقبله رهين بكفاءته إذا كان يعتقد أن العلاقات والنفوذ ما تزال تلعب دوراً مؤثراً في الوصول إلى المناصب والفرص؟

إن اقتصاد الريع لا يضر فقط بالنمو الاقتصادي، بل يضرب في العمق فكرة العدالة الاجتماعية.

فحين يتقدم الولاء على الكفاءة، وتتراجع الجدارة أمام العلاقات، يصبح الإحباط نتيجة طبيعية، وتتحول الهجرة إلى خيار عقلاني في نظر الكثيرين.

أزمة ثقة سبق تشخيصها رسمياً

من اللافت أن اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد جعلت من مفهوم الثقة محوراً مركزياً في تقريرها الشهير «تحرير الطاقات واستعادة الثقة».

وقد اعتبر التقرير أن أزمة الثقة تمثل أحد أكبر العوائق أمام تحقيق التنمية الشاملة، سواء تعلق الأمر بالعلاقة بين المواطن والمؤسسات، أو بين الفاعلين الاقتصاديين والإدارة، أو بين الشباب والنخب السياسية.

كما سبق للملك محمد السادس أن نبه منذ سنوات إلى أهمية استعادة الثقة وترسيخ مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبهذا المعنى، فإن ما وقع في الفنيدق لا يمكن اعتباره فقط أزمة هجرة، بل مؤشراً عملياً على استمرار أزمة الثقة التي جرى تشخيصها رسمياً منذ سنوات.

ماذا تعلمنا كوريا الجنوبية وماليزيا وإيرلندا ورواندا؟

إن استحضار التجارب الدولية لا يهدف إلى استنساخ نماذج جاهزة، بل إلى فهم العوامل المشتركة للنجاح.

فكوريا الجنوبية لم تكن تمتلك الموارد الطبيعية التي يتوفر عليها المغرب اليوم، لكنها راهنت على التعليم والبحث العلمي والانضباط المؤسساتي ومحاربة الفساد.

كما نجحت ماليزيا في بناء قاعدة صناعية قوية عبر الاستثمار في الرأسمال البشري، بينما جعلت إيرلندا من المعرفة والابتكار والتعليم رافعة أساسية للنمو.

أما رواندا فتقدم درساً إفريقياً بالغ الأهمية. فبعد الإبادة الجماعية سنة 1994، تمكنت خلال ثلاثة عقود فقط من بناء مؤسسات أكثر فعالية وتحقيق تقدم مهم في الرقمنة والحكامة ومناخ الأعمال ومحاربة الفساد.

القاسم المشترك بين هذه التجارب لم يكن وفرة الموارد الطبيعية، بل جودة المؤسسات، وتقديس الكفاءة، واستمرارية السياسات العمومية، والقدرة على تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.

المجتمع المدني: الرأسمال غير المستغل بما يكفي

رغم كل التحديات، يمتلك المغرب رأسمالاً اجتماعياً مهماً يتمثل في حيوية المجتمع المدني.

فآلاف الجمعيات والمبادرات المواطنة تشتغل يومياً في مجالات التعليم والصحة والإدماج الاقتصادي والتنمية المحلية وحقوق الإنسان والإعاقة.

وقد أثبتت هذه التجارب أن المجتمع المغربي قادر على إنتاج الحلول والابتكار متى توفرت الثقة والشراكة الحقيقية.

لذلك فإن أي مشروع إصلاحي جاد لا يمكن أن ينجح دون إشراك المجتمع المدني كشريك أساسي في التشخيص والاقتراح والتقييم وتتبع السياسات العمومية.

الخلاصة: معركة المغرب الحقيقية ليست ضد الهجرة

ما حدث في الفنيدق ليس مجرد حادث هجرة جماعية، بل رسالة سياسية واجتماعية عميقة.

رسالة تقول إن التنمية لا تقاس فقط بعدد الطرق والموانئ والمصانع، بل أيضاً بقدرة الوطن على الاحتفاظ بأبنائه وإقناعهم بأن مستقبلهم يمكن أن يكون أفضل داخله.

لقد نجح المغرب في بناء مشاريع كبرى وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي، لكن التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة سيكون تحويل هذه الإنجازات إلى شعور جماعي بالإنصاف والكرامة والأمل.

فالأوطان لا تخسر فقط عندما يهاجر شبابها، بل عندما يفقدون الثقة في أن أحلامهم قابلة للتحقق داخلها.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة ضد الهجرة فقط، بل معركة من أجل الثقة، والعدالة الاجتماعية، والحكامة الجيدة، وتكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد والريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إنها معركة وطنية كبرى، لا يمكن أن تربحها الدولة وحدها، ولا الأحزاب السياسية وحدها، ولا المجتمع المدني بمفرده، بل تتطلب تعبئة جماعية تجعل من الإنسان المغربي محور التنمية وغايتها.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع: كيف نجعل الشباب يحلمون بالمغرب، بدل أن يحلموا بالهروب منه؟

يدير اكيندي

أستاذ العلوم الاقتصادية والاجتماعية

مستشار في التنمية الشاملة والاعاقة

من الفنيدق إلى المجهول هل يعيش المغرب أزمة هجرة أم أزمة ثقة في النموذج التنموي؟ صوت المغرب.

من الفنيدق إلى المجهول هل يعيش المغرب أزمة هجرة أم أزمة ثقة في النموذج التنموي



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


صوت المغرب من الفنيدق إلى المجهول هل يعيش المغرب أزمة هجرة أم أزمة

كانت هذه تفاصيل من الفنيدق إلى المجهول هل يعيش المغرب أزمة هجرة أم أزمة ثقة في النموذج التنموي؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم