اخبار عربية “الروبوتات” الحربية المستقلة .. بين كفاءة الآلة وآفاق المسؤولية الأخلاقية
اليكم الان “الروبوتات” الحربية المستقلة .. بين كفاءة الآلة وآفاق المسؤولية الأخلاقية والان إلى التفاصيل من المصدر جريده المساء:
بقلم : د. أسماء نوير (دكتوراه فلسفة الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات التكنولوجيا)
لم تعد الروبوتات الحربية تمثل مجرد امتداد للتقدم التقني في المجال الدفاعي، بل أصبحت تعكس تحولًا عميقًا في طبيعة القوة العسكرية وفي الكيفية التي تُدار بها الحروب المعاصرة. فالتطور المتواصل في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية لم يقتصر على تحسين كفاءة المعدات العسكرية، وإنما أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والآلة داخل ساحة القتال، حتى باتت مسألة إسناد قرارات القتل والاستهداف إلى أنظمة خوارزمية قضية فلسفية وأخلاقية وقانونية تتجاوز حدود التفوق العسكري.
ولم يعد السؤال المطروح اليوم يتعلق بمدى قدرة الروبوتات على تنفيذ المهام القتالية، وإنما بمدى مشروعية منحها سلطة اتخاذ القرار في أكثر الأفعال الإنسانية خطورة، وهو قرار إزهاق الحياة.
من هنا يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه: إلى أي مدى يمكن الوثوق بالروبوتات العسكرية المستقلة في اتخاذ قرارات القتل والاستهداف دون تدخل بشري، وهل تمثل هذه الأنظمة تطورًا مشروعًا في وسائل الدفاع، أم أنها تفتح الباب أمام نمط جديد من الحروب تتراجع فيه المسؤولية الإنسانية لصالح قرارات تصنعها الخوارزميات؟.
يرتبط تاريخ تطوير الروبوتات المستقلة ارتباطًا وثيقًا بالمؤسسة العسكرية، إذ لم تنشأ هذه التقنيات في فراغ علمي، وإنما جاءت استجابة لاحتياجات الحروب الحديثة. فقد شكّل علم التحكم السيبراني Cybernetics، الذي قاده نوربرت وينر Norbert Wiener خلال الحرب العالمية الثانية بتمويل من الحكومة الأمريكية، أحد أهم المنطلقات الفكرية والتقنية لهذا المسار، حيث استُخدمت مبادئه لتطوير أنظمة آلية لتوجيه المدافع المضادة للطائرات وتحسين دقة إصابتها للأهداف الجوية. وفي السياق نفسه، أسهم آلان تورينج Alan Turing في فك الشفرات العسكرية للبحرية الألمانية لصالح قوات الحلفاء، ليؤكد أن تاريخ الذكاء الاصطناعي والروبوتات لم يكن منفصلًا عن الاعتبارات الأمنية والعسكرية، بل نشأ في قلبها.
يكشف هذا التاريخ أن الهدف الأول للروبوتات العسكرية لم يكن استبدال الإنسان بالكامل، وإنما تعزيز قدراته القتالية وتقليل المخاطر التي يتعرض لها أثناء تنفيذ العمليات العسكرية. غير أن التطور اللاحق للأنظمة المستقلة نقل هذا المشروع إلى مرحلة مختلفة، إذ أصبح الاتجاه يميل إلى إخراج الإنسان تدريجيًا من دائرة اتخاذ القرار، لتصبح الآلة قادرة على الرصد والتحليل والاستهداف والتنفيذ بصورة مستقلة. وفي المقابل، ما تزال هناك روبوتات غير مستقلة تُدار بواسطة الإنسان عن بُعد، وتُستخدم في مهام متعددة مثل المراقبة والاستطلاع وإزالة الألغام، بما يعكس وجود تدرج في مستويات الاستقلالية داخل المنظومة العسكرية.
تتنوع الروبوتات العسكرية Military Robots تبعًا للبيئة التي تعمل فيها وطبيعة المهام الموكلة إليها. فمنها الروبوتات البرية التي تشمل المركبات المسلحة القادرة على الحركة والاشتباك داخل ميادين القتال، ومنها روبوتات إزالة الألغام Mine-Clearing Robots التي تقلل من تعرض الجنود للمخاطر أثناء التعامل مع المتفجرات. كما تضم الروبوتات الجوية Aerial Robots، وفي مقدمتها الطائرات بدون طيار التي تحمل الاسم الشهير ريبر Reaper، والتي اعتمد عليها الجيش الأمريكي في العديد من العمليات العسكرية.
تُعد طائرة ريبر Reaper من أبرز النماذج التي تجسد تطور الروبوتات الجوية العسكرية، إذ تجمع بين قدرات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات وبين تنفيذ الضربات الدقيقة ضد الأهداف المحددة. وتتميز هذه الطائرة بقدرتها على التحليق لساعات طويلة، ونقل البيانات بصورة آنية، واستخدام مستشعرات متقدمة وأنظمة تسليح عالية الدقة، الأمر الذي جعلها إحدى أهم أدوات العمليات العسكرية الأمريكية في مكافحة الإرهاب.
وقد برز دورها في العديد من العمليات، من بينها الضربة الجوية التي نفذتها القوات الأمريكية في الصومال عام 2019 بالتنسيق مع السلطات الصومالية، والتي استهدفت أحد عناصر حركة الشباب، بما يعكس اعتماد الجيوش الحديثة بصورة متزايدة على الطائرات غير المأهولة في تنفيذ العمليات العسكرية عالية الخطورة مع تقليل المخاطر التي يتعرض لها الأفراد العسكريون. غير أن هذا النمط من العمليات لا يخلو من جدل أخلاقي وقانوني، إذ تتواصل التساؤلات بشأن دقة الاستهداف، وإمكان وقوع خسائر بين المدنيين، وحدود المساءلة عن القرارات التي تتخذها الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في البيئات القتالية.
وتمتد هذه المنظومة إلى الروبوتات البحرية Marine Robots التي تشمل المركبات غير المأهولة المستخدمة في أعمال المراقبة والاستطلاع والإجراءات المضادة للغواصات، إضافة إلى المركبات الفضائية المستقلة. ولا تقتصر الروبوتات العسكرية على المنصات المتحركة، بل تشمل كذلك الأنظمة الدفاعية الثابتة التي تحتوي على أجزاء متحركة، مثل الأنظمة المضادة للقذائف المثبتة على السفن، والتي تؤدي وظائف قتالية ذات طابع آلي.
ورغم هذا التطور، فإن معظم الأنظمة العسكرية الحالية ما تزال تعتمد على وجود الإنسان داخل دائرة اتخاذ القرار، إذ تُدار غالبية المنصات بواسطة التحكم عن بُعد، بينما يظل القرار النهائي باستخدام القوة قرارًا بشريًا. إلا أن هذا الوضع يبدو مرشحًا للتغير مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت فكرة الاستغناء الكامل عن القرار البشري احتمالًا واقعيًا. ويستند المدافعون عن هذه الأنظمة إلى جملة من المبررات، أهمها حماية أرواح العسكريين من المخاطر المباشرة، فضلًا عن قدرة الأنظمة الذاتية على الاستجابة في أجزاء من الثانية، وهي سرعة قد تتجاوز الإمكانات البشرية، ولا سيما في أنظمة الدفاع الصاروخي التي تتطلب قرارات فورية لا تسمح بالتأخير.
غير أن هذه المبررات لا تلغي الأسئلة الأخلاقية التي تثيرها التطبيقات العملية لهذه التقنيات. فقد استخدمت الولايات المتحدة الطائرات بدون طيار منذ عام 2001، عندما حاولت وكالة الاستخبارات المركزية The Central Intelligence Agency اغتيال أحد قادة حركة طالبان، لتبدأ بعد ذلك مرحلة واسعة من الضربات الجوية في أفغانستان Afghanistan. وأسفرت هذه العمليات عن مقتل آلاف الأشخاص، من بينهم أعداد كبيرة من المدنيين، كما تركت آثارًا نفسية وصحية ممتدة على الناجين، تمثلت في اضطرابات عقلية Mental Distress ومشكلات صحية في القلب Heart Problems، في ظل غياب خدمات الرعاية الصحية النفسية Mental Health Care المناسبة. ويكشف هذا الواقع أن تقييم فعالية الروبوتات العسكرية لا ينبغي أن يقتصر على نجاحها العملياتي، بل يجب أن يشمل آثارها الإنسانية والاجتماعية طويلة المدى.
كما تزداد خطورة هذه الأنظمة مع ارتفاع مستوى استقلاليتها، فقد أصبحت بعض الطائرات بدون طيار قادرة على تحديد الأهداف وتعقبها بصورة ذاتية دون تدخل مباشر من الإنسان. ويُعد نجاح طائرة جلوبال هوك Global Hawk Drone عام 2001 في تنفيذ أول رحلة مستقلة متواصلة عبر المحيط الهادئ، انطلاقًا من قاعدة إدواردز الجوية Edwards Air Force Base في جنوب كاليفورنيا إلى قاعدة أدنبرة الجوية في جنوب أستراليا، مؤشرًا واضحًا على التطور الذي وصلت إليه تقنيات الملاحة والاستقلالية التشغيلية، وهو تطور يحمل في الوقت نفسه إمكانات مدنية وعسكرية بالغة التأثير.
وفقًا لذلك، لم يعد هذا التوجه مجرد احتمال مستقبلي، بل أصبح جزءًا من التصورات الاستراتيجية للدول الكبرى. فقد أشار تقرير صادر عام 2016 عن قسم الأبحاث في وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن الذكاء الاصطناعي مرشح لأن يصبح أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الدفاعية الأمريكية. كما انتهى تقرير صادر عن مؤسسة تشاتام هاوس Chatham House عام 2017 إلى أن العديد من القوات المسلحة حول العالم تعمل على تطوير أنظمة أسلحة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تمتلك القدرة على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، بما في ذلك اتخاذ قرارات القتل دون تدخل بشري مباشر، وهو ما يعكس انتقال سباق التسلح من امتلاك السلاح إلى امتلاك الخوارزمية.
ولا يقتصر الأمر على الطائرات بدون طيار، بل يشمل أيضًا أنظمة أسلحة فتاكة مستقلة، مثل أنظمة القذائف الذاتية وغيرها من المنصات القادرة على تنفيذ العمليات القتالية دون إشراف بشري مباشر. وقد أدى هذا التطور إلى تصاعد الحملات الدولية المطالبة بحظر ما يُعرف بالروبوتات القاتلة، انطلاقًا من المخاوف المرتبطة بإسناد قرار استخدام القوة المميتة إلى أنظمة خوارزمية تفتقر إلى الوعي الأخلاقي والقدرة على إدراك قيمة الحياة الإنسانية. كما أن تطوير هذه التقنيات لم يعد حكرًا على الولايات المتحدة، بل أصبح مجالًا تتنافس فيه دول عديدة تسعى إلى امتلاك أنظمة قتالية أكثر استقلالًا وأكثر قدرة على اتخاذ القرار.
في ضوء ذلك، تبدو الروبوتات العسكرية المستقلة إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في فلسفة التكنولوجيا المعاصرة، لأنها لا تعيد تشكيل أدوات الحرب فحسب، وإنما تعيد تعريف المسؤولية الإنسانية ذاتها. فكلما ازدادت استقلالية الآلة، تراجعت قدرة الإنسان على تحمل المسؤولية المباشرة عن نتائج أفعالها، وهو ما يثير إشكالية عميقة تتعلق بتحديد الفاعل الحقيقي عند وقوع الخطأ أو انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تطوير روبوتات أكثر ذكاءً، بل في بناء منظومة أخلاقية وقانونية تضمن بقاء القرار الإنساني حاضرًا في أكثر اللحظات ارتباطًا بحق الإنسان في الحياة.
ظهرت المقالة “الروبوتات” الحربية المستقلة .. بين كفاءة الآلة وآفاق المسؤولية الأخلاقية أولاً على جريدة المساء.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل “الروبوتات” الحربية المستقلة .. بين كفاءة الآلة وآفاق المسؤولية الأخلاقية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جريده المساء و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.