اخبار عربية عندما يصبح البحر أقل رعبا من المستقبل
اليكم الان عندما يصبح البحر أقل رعبا من المستقبل والان إلى التفاصيل من المصدر اليوم 24:
بعد النزوح الجماعي غير المسبوق نحو سبتة، وبعد أن اندفع عشرات الآلاف من المغاربة، من مختلف الأعمار، في اتجاه المدينة المحتلة، بعضهم سيراً على الأقدام وبعضهم الآخر ارتمى في البحر، في مشاهد مأساوية التهمت فيها الأمواج أرواحاً بشرية، لم يعد ممكناً التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد حادث عابر على الحدود. لقد تحدثت التقديرات عن نحو خمسين إلى ستين ألف شخص عبروا خلال فترة وجيزة، فيما ارتفع عدد الضحايا إلى عشرات الموتى، بينما عاد أكثر من 48 ألفاً إلى المغرب. وفي المقابل، لا تزال الأسباب الحقيقية التي جعلت هذا العدد الهائل من المغاربة يندفع بهذه السرعة نحو سبتة غير محسومة بصورة نهائية، وإن كانت السلطات الإسبانية قد تحدثت عن التضليل عبر شبكات التواصل وشبكات الاتجار بالبشر، وعن سوء فهم واسع لقرار قضائي إسباني.
لكن الأرقام، مهما كانت مهولة ، لا تختصر المأساة. الصور هي التي تختصرها. صور الشباب والأطفال والنساء وهم يركضون نحو البحر، وأجساد تكافح الأمواج، وأناس يقطعون مئات الكيلومترات بحثاً عن منفذ إلى ضفة أخرى، ثم يجد بعضهم نفسه في مواجهة الموت أو العودة. صور جالت العالم، وتحولت إلى عناوين رئيسية في كبريات التلفزات والإذاعات والصحف، فيما بدا القطب العمومي المغربي، في لحظة كان يفترض أن يكون فيها في قلب الحدث، كأنه اختار الصمت أو التجميد، تاركاً للآخرين مهمة تفسير ما وقع ورسم سيناريوهاته.
وفي غياب رواية رسمية واضحة ومتكاملة، تكاثرت الروايات والتأويلات: من قائل: إن الأمر كان عفوياً تغذيه الشائعات، ومن تحدث عن شبكات تهريب استغلت هشاشة آلاف الشباب، ومن ذهب أبعد إلى فرضيات سياسية وجيو-سياسية، بل إن أصواتاً إسبانية اتهمت المغرب بالتغاضي المتعمد عن التدفق. لكن لا ينبغي تحويل أي من هذه الفرضيات إلى حقيقة قبل أن تثبتها الأدلة. ولم لا ياتح بشأنها تحقيق عميق ودقيق .فحتى الآن، لا توجد معطيات علنية حاسمة تثبت أن الأمر يتعلق بعمل مدروس ومخطط له ، بينما أرجعت الحكومتان المغربية والإسبانية في روايتهما الرسمية أسباباً مهمة إلى التضليل والمعلومات الكاذبة.
غير أن هذا التحفظ لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكبر والأكثر إزعاجاً: لماذا كان عشرات الآلاف من المغاربة مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل بضعة كيلومترات تفصل بين ضفتين؟
قد تكون الشائعة قد أشعلت النار، وقد يكون المهربون قد باعوا الوهم، وقد تكون شبكات التواصل قد صنعت حلما جماعياً حول إمكانية الوصول إلى أوروبا. لكن المهرب يستطيع أن يبيع الوهم، ولا يستطيع وحده أن يصنع اليأس. وحتى لو ثبت أن عوامل خارجية ساهمت في التعبئة، فإن السؤال يبقى قائماً: ما الذي جعل آلاف المغاربة يصدقون الوهم، ويغامرون بأرواحهم ، ويتركون مدنهم وبيوتهم ويقطعون مئات الكيلومترات بحثاً عن سراب؟
هنا ربما تكمن القصة الحقيقية لسبتة.لقد عرت الصور جزءاً متورماً من الواقع المغربي، وأظهرت أن آلاف المغاربة الهائمين التائهين هم عبارة عن جيش من المحبطين والمهمشين والمغلولين بالبطالة وغلاء المعيشة وصعوبة الولوج إلى الخدمات، وأناساً يشعرون بأنهم لا يملكون دخلاً قاراً ولا أفقاً واضحاً للمستقبل. لم يكن هؤلاء جميعاً فقراء بالمعنى التقليدي، ولم تكن دوافعهم واحدة، لكن ما جمع بينهم، كان الإحساس بانسداد الأفق. وهذا أخطر من الفقر نفسه.
فحين يصبح البحر، بكل ما يرمز إليه من أهوال ومخاطر، أقل رعباً من المستقبل، فإن الأمر لا يعود مجرد قضية هجرة. إنه يتحول إلى سؤال عن علاقة المواطن بوطنه، وعن مدى ثقته في مؤسساته، وعن معنى العدالة الاجتماعية في حياته اليومية.
إن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو اختزال ما حدث في مسألة أمنية. الأمن يستطيع إغلاق الحدود وإعادة الناس إلى نقطة البداية، لكنه لا يستطيع إغلاق أبواب اليأس. يمكن إعادة المهاجر إلى بلده، لكن لا يمكن إعادة الأمل إليه بالقوة.
ولذلك فإن الذين اندفعوا نحو سبتة لم يهربوا جميعاً من الفقر، بل كان بعضهم يهرب من الإحساس بأنه لا مستقبل له. يرى المواطن ارتفاع أسعار اللحم والسمك والطماطم والبصل والزيت والسكر والماء والأدوية، ويرى كلفة التعليم والصحة والسكن، ويشاهد في المقابل مظاهر ثراء فاحش وصعوداً طبقياً سريعاً لدى بعض المسؤولين والمنتخبين والموظفين. ليس المقصود أن كل ثراء فساد، ولا أن كل مسؤول متهم، ولكن المسألة تتعلق بالإحساس بالإنصاف: لماذا تتاح فرص الصعود لبعض الناس، بينما يبدو المستقبل مغلقاً أمام آخرين؟
حين تتسع هذه الهوة يبدأ الإيمان بالمؤسسات في التآكل، وتفقد الأحزاب قدرتها على الإقناع، ويصبح الاستحقاق الانتخابي في نظر فئات محبطة موعداً عابرا لا يغير شيئاً. وعندما لا يعود الوطن بالنسبة إلى بعض أبنائه أفقاً للمستقبل، تصبح أوروبا، بكل صعوباتها ومخاطرها، أقرب إلى الحلم من المكان الذي ولدوا فيه.
لكن مأساة سبتة لم تصب الداخل المغربي وحده. لقد أصابت أيضاً رأسمالاً رمزياً بناه المغرب على امتداد سنوات في علاقته بإسبانيا. فقد تحولت صور التدفق إلى مادة خصبة في الإعلام الإسباني، وعادت كلمات من قبيل « الغزو » و »الاجتياح » إلى التداول السياسي والإعلامي، خصوصاً في أوساط اليمين واليمين المتطرف. وهذا تحول بالغ الخطورة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بخلاف عابر حول الهجرة، وإنما بصورة المغرب في المخيال الإسباني. وقد أعلنت الحكومة الإسبانية أن ما جرى يمثل انتهاكاً لسلامة أراضيها، حتى ولو حملت شبكات الاتجار بالبشر والتضليل جانباً مهماً من المسؤولية.
لكن المؤشر الأكثر دلالة ربما لم يكن في التصريحات الرسمية، بل في مشهد آخر أكثر رمزية وقع في مدريد. في حفل السفارة المغربية بمناسبة عيد العرش، لم يحضر من أعضاء الحكومة الإسبانية سوى وزير الفلاحة والصيد البحري، مرفوقاً بزوجته، في وقت كان الحضور الوزاري في مناسبات مماثلة خلال السنوات السابقة أوسع بكثير. والأشد دلالة أن الوزير تعرض عند مدخل الحفل لوابل من السب والشتم من طرف عدد من الصحافيين المقربين من اليمين واليمين المتطرف، وكأن المناسبة الدبلوماسية تحولت فجأة إلى منصة لمحاكمة المغرب على ما جرى في سبتة.
قد يذهب البعض ادإلى القول : إن الأمر لا يتجاوز سلوك بعض الصحافيين المتطرفين، وهذا صحيح جزئياً. لكن قيمة المشهد تكمن في رمزيته: هؤلاء لم يأتوا في مناسبات سابقة بالعدد نفسه ولا بالعدة الإعلامية نفسها بحثاً عن « صيد » إعلامي، بينما ظهروا هذه المرة وكأنهم يحملون إلى مدخل الحفل كل الغضب الذي خلفته صور سبتة. هنا لا يعود الأمر مجرد خلاف بين صحافيين ومسؤول مغربي، وإنما يصبح مؤشراً على تغير في المزاج المحيط بالعلاقة المغربية الإسبانية.
واللافت أن هذا يحدث في وقت ما تزال فيه العلاقات الرسمية بين الرباط ومدريد توصف بأنها قوية، ويستمر التعاون بين البلدين في ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد، بل وفي التحضير المشترك لكأس العالم 2030. لكن العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بما يقوله المسؤولون. هناك أيضاً الرأي العام، والاحزاب السياسية والنقابات والإعلام، والمخيال الشعبي، والصور التي تترسخ في الوعي الجمعي. وهنا تكمن الخطورة.
فإسبانيا تحتضن جالية مغربية كبيرة، تضم في نسيجهاأطباء ومهندسين وأساتذة ورجال أعمال وطلبة ورياضيين، وتضم أجيالاً كاملة ولدت وعاشت ونجحت في المجتمع الإسباني. وقد ساهم هؤلاء، على امتداد سنوات، في تبديد كثير من الصور النمطية والكليشيهات التي كانت تحيط بالمغربي في المخيال الإسباني. وليس من العدل أن يدفع هؤلاء ثمن صورة صنعتها أزمة حدودية، ولا أن يتحول آلاف العابرين إلى مادة لإعادة إنتاج خطاب عنصري يختزل المغاربة جميعاً في الهجرة غير النظامية والفقر والتهديد.
من هنا تصبح مسؤولية المغرب مضاعفة: مسؤولية تجاه مواطنيه الذين ماتوا أو فقدوا أو عادوا محبطين، ومسؤولية تجاه جاليته في إسبانيا، ومسؤولية تجاه صورته الدولية. ولا يمكن حماية هذه الصورة بالتجميل أو بالصمت. فالصورة لا تحمى بإنكار الواقع، وإنما بمواجهته.
لقد عرّت سبتة ما كان ينبغي ألا نحتاج إلى البحر كي نراه. كشفت أن وراء أرقام التنمية والإنجازات والمشاريع العملاقة ،فئات تشعر بالتهميش و »الحكرة « وانسداد الأفق، وأن هناك شباباً لا يثقون بما يكفي في المؤسسات والأحزاب والانتخابات، ولا يرون في الوطن دائماً المكان الذي يمكن أن يحققوا فيه ذواتهم.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من دفع هؤلاء للزحف على سبتة؟ ولا كيف استطاع عشرات الآلاف أن يعبروا؟ السؤال الأكثر قسوة هو: لماذا أصبح البحر، بكل احتمالات الموت فيه، أقل رعباً لدى بعضهم من المستقبل في وطنهم؟
لقد أغلقت الحدود، وعاد عشرات الآلاف إلى المغرب، وانتهت موجة العبور. لكن ذلك لا يعني أن الأزمة انتهت. فقد يعود الناس إلى أماكنهم، ولا يعود اليأس معها إلى مكانه.
ويبدو أن لمعركة الحقيقية ليست مع البحر، ولا مع الحدود، ولا حتى مع أولئك الذين صدقوا السراب. إنها مع الأسباب التي جعلت السراب يبدو لهم أكثر جاذبية من الحقيقة..سبتة لم تكن مجرد أزمة هجرة. كانت لحظة انكشاف. والانكشاف، مهما كان مؤلماً، قد يكون بداية الإصلاح ،إذا امتلكنا شجاعة النظر إلى المرآة دون أن نكسرها.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل عندما يصبح البحر أقل رعبا من المستقبل نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على اليوم 24 و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.