اخبار عربية بعد نصف قرن .. محمود درويش يستعيد الطفولة والنكبة وميلاد القصيدة
اليكم الان بعد نصف قرن .. محمود درويش يستعيد الطفولة والنكبة وميلاد القصيدة والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
بعد نحو خمسين عاما من بقائه حبيس الأرشيف، خرج إلى العلن نص نادر يحمل شهادة مطولة لمحمود درويش، تعود إلى لقاء أجري في بيروت يوم 17 فبراير 1976 مع الصحافي الفرنسي برنار فيوليت، بمشاركة الباحث الفرنسي ميشال سورا، وكان معدا للبث عبر إذاعة “فرانس كولتور” قبل أن يُرفض بثه، ليظل غير منشور طوال نصف قرن، إلى أن صدر للمرة الأولى في عدد غشت 2026 من مجلة “لوموند ديبلوماتيك”، مقدما للقارئ صوت درويش كما كان في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وهو يستعيد طفولته، والنكبة، والمنفى، واكتشافه للشعر، وعلاقته بالسياسة، ورؤيته للجمال والالتزام، بعيدا عن الصورة التي التصقت باسمه لاحقا بوصفه أحد أبرز شعراء العربية وأكثرهم حضورا في الوجدان الفلسطيني والعربي.
وتنبع أهمية هذه الشهادة من كونها لا تقدم قراءة نقدية لتجربة محمود درويش، ولا تعيد رواية سيرته من خلال باحث أو مؤرخ، وإنما تتيح للشاعر نفسه أن يعيد ترتيب محطات حياته بلغته الخاصة، في نص متصل يخلو من الأسئلة والأجوبة التقليدية، ويقترب من السيرة الذاتية الشفوية، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لفهم تجربة شعرية ارتبطت، منذ بدايتها، بفكرة الفقد والبحث عن الوطن، كما تمنح هذه الوثيقة فرصة لإعادة اكتشاف درويش الإنسان، قبل أن يصبح رمزا ثقافيا وسياسيا يتجاوز حدود الشعر.
من قرية البروة إلى بداية المنفى
يبدأ محمود درويش شهادته من قرية البروة في الجليل، حيث ولد سنة 1941، ولا يختار الحديث عن الأحداث الكبرى أو الشخصيات التاريخية، وإنما يعود إلى تفاصيل الطفولة الأولى، مستحضرا يوما خرج فيه للبحث عن والدته التي كانت في مدينة عكا، فسار وحده لمسافة طويلة قبل أن يعثر عليه أهل القرية، ويعتبر أن تلك الواقعة كانت آخر ذكرى هادئة عاشها قبل أن تنقلب حياته رأسا على عقب مع أحداث سنة 1948.
ويستعيد لحظة الرحيل عن القرية، عندما اضطرت الأسرة إلى مغادرة منزلها ليلا تحت وقع إطلاق النار، متجهة نحو جنوب لبنان، وهناك، كما يقول، اكتشف للمرة الأولى معنى أن يصبح الإنسان لاجئا، دون أن يكون قادرا على استيعاب أسباب ما يجري حوله، فقد كان طفلا يرى العالم يتغير بسرعة تفوق قدرته على الفهم، لكنه ظل يحتفظ في ذاكرته بصورة الطريق، والوجوه، والحقول التي تركها خلفه، وهي الصور التي سترافقه لاحقا في عدد كبير من قصائده.
ويروي أن العائلة قررت العودة سرا إلى فلسطين بعد أشهر، لكنها وجدت قرية البروة قد سويت بالأرض، ليعيش الفلسطينيون العائدون وضعا قانونيا استثنائيا، عرفوا بموجبه باسم “الحاضرين الغائبين”، أي أنهم موجودون داخل وطنهم، لكنهم محرومون من أراضيهم وحقوقهم، وهو الوضع الذي يصفه درويش بأنه ترك أثرا عميقا في وعيه، وجعل سؤال الهوية يرافقه منذ طفولته، قبل أن يتحول إلى أحد المحاور المركزية في مشروعه الشعري.
ولا يتحدث درويش عن هذه التجربة بوصفها مأساة شخصية فقط، وإنما باعتبارها تجربة جيل كامل وجد نفسه مطالبا بإعادة تعريف علاقته بالأرض والبيت والانتماء، لذلك تبدو النكبة، في هذه الشهادة، حدثا يتجاوز التاريخ السياسي، ليصبح لحظة تأسيسية في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.
حين أصبحت القصيدة وطنا
يؤكد محمود درويش أن الشعر لم يكن خيارا مسبقا، ولا نتيجة شغف مبكر بالأدب، وإنما جاء استجابة لواقع فرض نفسه عليه، ففي سنوات الدراسة طلبت منه المدرسة المشاركة في احتفال رسمي، لكنه اختار أن يكتب قصيدة تتحدث عن الفلسطيني الذي فقد أرضه، وعن القرى التي اختفت، وعن الإنسان الذي تحول إلى غريب داخل وطنه، وهو ما أثار غضب السلطات الإسرائيلية، التي استدعته ووجهت إليه تحذيرا شديدا بسبب مضمون النص.
ويقول إن تلك الواقعة كانت نقطة التحول الحقيقية في حياته، لأنها جعلته يكتشف أن الكلمة قادرة على إزعاج السلطة، وأن القصيدة ليست مجرد تعبير عن المشاعر، وإنما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للدفاع عن الذاكرة والكرامة، لذلك استمر في الكتابة وهو أكثر اقتناعا بأن الأدب يمتلك قدرة على مقاومة النسيان، حتى عندما يعجز عن تغيير الوقائع.
غير أن درويش يرفض، في الوقت نفسه، اختزال الشعر في دوره السياسي، مؤكدا أن القصيدة التي تكتفي بالشعارات لا تستطيع أن تعيش طويلا، وأن القضية العادلة تحتاج إلى أدب جيد، لا إلى خطاب مباشر، ولذلك ظل يعتبر أن الجمال ليس ترفا، وإنما جزء من قوة النص، وأن الشاعر الحقيقي هو الذي يستطيع الجمع بين الصدق الفني والالتزام الإنساني، دون أن يضحي بأحدهما لحساب الآخر.
ويتوقف أيضا عند العلاقة المعقدة بين الشاعر والقارئ، معتبرا أن تطوير القصيدة العربية يقتضي أحيانا المغامرة باللغة والصورة والإيقاع، حتى لو بدا ذلك صعبا بالنسبة إلى بعض القراء، لأن مهمة الأدب لا تقتصر على تلبية التوقعات، وإنما تشمل أيضا توسيع أفق التلقي، وهو ما يفسر التحولات التي عرفتها تجربته الشعرية من القصيدة المباشرة إلى النص الأكثر تركيباً في مراحله اللاحقة.
الإنسان خلف الأسطورة
من أبرز ما تكشفه هذه الشهادة أن محمود درويش لم يكن مرتاحا للصورة التي صنعها الآخرون عنه، فهو يستعيد المقال الذي نشره بعنوان “أعفونا من هذا الحب القاسي”، معبرا عن رفضه أن يتحول إلى أسطورة أو رمز فوق النقد، لأن الشاعر، في نظره، ينبغي أن يبقى إنسانا قابلا للتطور والخطأ والتجريب، لا شخصية جامدة تكرر صورتها إلى ما لا نهاية.
ويتحدث بإعجاب خاص عن والده، الذي رفض الحصول على تعويض عن الأرض التي صودرت من العائلة، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، معتبرا أن ذلك الموقف شكل بالنسبة إليه درسا في الكرامة والصمود، وأن البطولة لا تصنعها الكلمات وحدها، وإنما تصنعها أيضا الخيارات الأخلاقية التي يتخذها الإنسان في حياته اليومية.
كما يتناول علاقته بالسياسة، موضحا أنها لم تكن قرارا منفصلا عن الشعر، وإنما نتيجة طبيعية للواقع الذي عاشه الفلسطينيون داخل إسرائيل بعد النكبة، حيث أصبحت السياسة جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، من المدرسة إلى العمل والتنقل، لذلك وجد نفسه منخرطا فيها، مع حرص دائم على ألا تتحول القصيدة إلى بيان حزبي، لأن استقلالية الأدب، في رأيه، شرط أساسي لبقائه وتأثيره.
وتكشف الشهادة كذلك عن شاعر شديد الانشغال باللغة، إذ يبدو حريصا على الدفاع عن قيمة الجمال، حتى وهو يكتب عن أكثر التجارب قسوة، فالمأساة، بالنسبة إليه، لا تكفي وحدها لصناعة الأدب، وإنما تحتاج إلى صياغة تمنحها بعدا إنسانيا يتجاوز حدود الحدث، وهو ما يفسر استمرار حضور قصائده في ثقافات متعددة، وترجمتها إلى عشرات اللغات، باعتبارها نصوصا تتحدث عن الإنسان بقدر ما تتحدث عن فلسطين.
وتكتسب هذه الوثيقة أهمية إضافية لأنها تعيد القارئ إلى محمود درويش قبل أن يصبح اسما عالميا، ففيها يظهر شاعرا شابا يراجع بداياته، ويبحث عن تفسير لما جرى له، أكثر مما يسعى إلى تثبيت صورته في التاريخ، ولذلك تبدو الشهادة أقرب إلى محاولة لفهم الذات منها إلى كتابة سيرة رسمية، وهو ما يمنحها صدقا ودفئا إنسانيا يندر العثور عليهما في النصوص اللاحقة.
ولا تقتصر قيمة هذا النص على كونه وثيقة ظلت غائبة عن النشر طوال نصف قرن، وإنما تكمن أيضا في أنه يعيد تقديم محمود درويش بصوته، وهو يسترجع اللحظات التي صنعت وعيه الشعري والإنساني، ويكشف كيف تحولت تجربة طفل فقد قريته إلى مشروع أدبي جعل من القصيدة وطنا بديلا، ومن اللغة مساحة لمقاومة النسيان، لذلك لا تبدو هذه الشهادة مجرد استعادة للماضي، وإنما قراءة جديدة للجذور الأولى التي خرج منها أحد أهم شعراء العربية في العصر الحديث.
بعد نصف قرن .. محمود درويش يستعيد الطفولة والنكبة وميلاد القصيدة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل بعد نصف قرن .. محمود درويش يستعيد الطفولة والنكبة وميلاد القصيدة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.