- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية على أعتاب العالم الرقمي

اخبار عربية
ترك برس قبل ساعة و 41 دقيقة

اليكم الان على أعتاب العالم الرقمي والان إلى التفاصيل من المصدر ترك برس:

سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

تمضي البشرية، وسط شعور ممزوج بالدهشة والفضول، نحو عالم تقني مكثف. ولا أحد يملك يقينًا بشأن مآلات هذا المسار. فهناك من ينظر إليه بإيجابية كبيرة، كما أن هناك من يشعر حياله بالرعب. وبطبيعة الحال، شهدت المراحل التي انتقل فيها الإنسان من التقنيات البسيطة إلى تكنولوجيات أكثر تعقيدًا أوضاعًا مشابهة. فعلى سبيل المثال، عندما تحققت الثورة الصناعية، ظهرت بين الفئات التي كانت تعمل بالتقنيات البسيطة جماعات ثارت على هذا التحول، واعتبرت الآلات الجديدة أدوات شيطانية. وكانت جماعة عُرفت باسم "اللوديين" تهاجم الآلات التي تصادفها وتحطمها. وبدا أن اللودية في العالم الحديث قد حلت محل تحطيم الأيقونات القديم. وكان أفراد هذه الجماعة يخشون أن تحل الآلات محل الإنسان، وأن تتركهم بلا عمل ولا مصدر رزق. نعم، كانت هذه هي القضية الأساسية.

لقد ظل العداء للتكنولوجيا حاضرًا بأشكال مختلفة على امتداد التاريخ الحديث. ففي القرن التاسع عشر، الذي شهد أشد مراحل التصنيع، أصبحت الرومانسية الحامل الرئيس لهذه المشاعر. وكانت الفئات التي ربطت بين التكنولوجيا والحضارة، وانزعجت من ذلك بطريقة أو بأخرى، تشيد في كل مرة بالطبيعة وبالعلاقات التي اعتبرتها طبيعية. أما بعض الفلاسفة، فقد ناقشوا القضية من زاوية الاغتراب. وفي أحلك أيام العصر الفيكتوري، الذي ارتبط بالجوع، وانعدام الجذور، والأمراض، والتلوث، كان لهذه الأفكار تأثير نسبي. لكن مع اقتراب نهاية تلك المرحلة، ومع الاكتشافات العلمية والتقدم في مجالات العلوم والتقنية، بدأت تُتخذ خطوات مهمة لمعالجة هذه المشكلات، فتراجعت أيضًا مشاعر العداء للتكنولوجيا. فعلى سبيل المثال، اعتُبر اكتشاف الجراثيم، وتطوير اللقاحات للعديد من الأمراض، والنجاحات الهندسية التي ساهمت في حل بعض المشكلات الأساسية الناجمة عن التصنيع والتحضر، إنجازات كبيرة. وهذا يعني أن الترياق للمشكلات التي أفرزتها التكنولوجيا جاء من التكنولوجيا نفسها. وقد منحت هذه الديناميكيات النزعة الوضعية، أي ادعاء الحضارة، حالة واسعة من التوافق والقبول. ووفقًا لهذا التصور، فإن التطورات التي قد تفضي إلى نتائج كارثية إذا تُركت على حالها، يمكن تحويلها من الشر إلى الخير عبر تدخلات مناسبة. وكان الوضعيون يرون أنه بدلًا من اعتبار إحلال الآلات محل الإنسان شرًا مطلقًا، ينبغي البحث عن كيفية تحويل ذلك إلى ميزة. وكان أصحاب هذا الرأي يعتقدون أن الإنسان، بفضل الآلات، سيتحرر من العمل اليدوي، وسيصبح قادرًا على تشغيل قدراته الذهنية والروحية التي تجعله إنسانًا بكامل طاقتها، وأن بلوغ حضارة راقية يكون وقت الفراغ فيها مكسبًا إضافيًا أمر ممكن تمامًا. أما العداء للتكنولوجيا فلم يختف، لكنه تهمش مع مرور الوقت، إذ اقترن أحيانًا بالسلمية وأحيانًا أخرى بالفوضوية.

ونواجه اليوم، في هذه المرحلة، متلازمات مشابهة. فأنا أرى أن جيل "البيت"، والهيبيين، وبعض أبناء حركة عام 1968، وحركة "غرينبيس"، وجزءًا من القراصنة الإلكترونيين، يمثلون لوديي العصر الحديث. لكن ثمة اختلافات أيضًا. وسأتحدث قليلًا عما أستطيع ملاحظته. وأبرز هذه الاختلافات، في رأيي، أن النزعة التكنولوجية الجديدة استوعبت في صفها بعض جوانب الانتقادات التي كان يوجهها أنصار العداء للتكنولوجيا إلى التكنولوجيا القديمة وإلى مجتمع الرفاه. فنحن نعرف موضوعات مثل الطاقة الخضراء، وصفر نفايات، وصفر انبعاثات كربونية، وغيرها. وبهذا الشكل، تمتلك قدرة على إضعاف مزاعم العداء للتكنولوجيا.

وثانيًا، تنتقد النزعة التكنولوجية الجديدة، بصورة جذرية، الكثافة الخانقة والتراكمات التي أفرزتها الرأسمالية الصناعية، وتعد بعالم أكثر تشتتًا ولا مركزية. وهذا يولد تأثيرًا مريحًا للغاية. فعلى سبيل المثال، لا أظن إطلاقًا أن تحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات غير مباشرة في هذا العصر، أو بالأحرى حالة الاغتراب، سيُنظر إليها على أنها مشكلة لدى جماهير أصبحت، من الناحية الذهنية، شديدة الفردانية.

لكن، في رأيي، فإن أهم ما يميز النزعة التكنولوجية الجديدة هو قدرتها على إدخال منتجاتها بصورة مباشرة وعلى نطاق واسع إلى المجال الفردي. وتعد أجهزة الحاسوب المحمولة سهلة النقل والهواتف المحمولة أبرز الأمثلة على ذلك. وفي المرحلة التي بلغناها، يمكننا القول بسهولة إن هجرة كبرى قد وقعت، وإن الغالبية الساحقة من البشرية قد انفصلت ذهنيًا وروحيًا عن الأرض واستقرت في السحب، وإن التاريخ يعيش، بالمعنى الحرفي للكلمة، أكثر عصوره هوائية.

وأخيرًا، هناك ديناميكية أخرى تسهم في فرض قبول العالم التكنولوجي الجديد. وأنا أراها نوعًا من الابتزاز الضمني. فنحن نعيش اليوم أكثر مراحل مجتمعات الرفاه تأزمًا، وهي المرحلة التي يشكل فيها الاستهلاك، وما يولده من نزعة نرجسية مفرطة وتمركز حول الذات، بشرًا مدللين إلى أقصى حد، صعبي المعشر، يشعرون بالازدراء، وعدوانيين، وكثيري الخصومات. كما أن تراجع فاعلية مؤسسات المجتمع الصناعي، وفساد الطبقات السياسية، وانتشار المافيات، وتحول الصراعات الثقافية وصراعات الهوية إلى ما يشبه الثأر، وأخيرًا الحروب المتزايدة، كلها عوامل تجعل مسألة الأمن أكثر تعقيدًا. وهنا تتقدم التكنولوجيا الجديدة بوصفها الحل الوحيد لهذه المعضلة. فنحن نندفع بسرعة نحو نقطة الانصهار الكامل. وعندما نبلغ تلك النقطة، تتزايد المخاوف من أن تتخلى البشرية بسهولة عن حرياتها، في اختيار أقرب إلى تصور الفيلسوف توماس هوبز.

وتلوح في الأفق إنسانية مستأنسة، يحكمها العالم الرقمي، وتخضع لرقابة متعددة الأبعاد لا تنقطع. وهناك من يرى في ذلك نهاية للرأسمالية، وللدول، والبيروقراطيات، والأمم، والمجتمعات، ويعتبره تطورًا إيجابيًا. لكنني لا أشارك هذا الرأي. ولحسن الحظ، لم يعد هناك من يروج لأطروحات طموحة من قبيل "نهاية التاريخ"، كما فعل فوكوياما. فالتاريخ مستمر، وهذا يوحي بأن تراكماته لن تزول أبدًا. وكل ما سيحدث هو أن هذه التراكمات ستُهذب داخل العناصر المهيمنة الجديدة، ثم يعاد إنتاجها. ففي المستقبل ستستمر الدول والبيروقراطيات في الوجود، ولكن بصفتها دولًا تكنولوجية وبيروقراطيات تكنولوجية. وكذلك سيكون حال الأمم والمجتمعات والأفراد. وبالتأكيد، فإن نزعة التمرد، التي تُقمع اليوم بشدة في مكان ما داخل هذا العالم الجديد، ستعود إلى الظهور. فلا يمكن إخضاع العقل والروح البشرية لسيطرة مطلقة. لأن المطلق لا يعمل في التاريخ أبدًا.

 

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل على أعتاب العالم الرقمي نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على ترك برس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم