اخبار محلية محطة عيشة

محطة عيشة


اليكم الان محطة عيشة والان إلى التفاصيل من المصدر سما نيوز

قصة: د. مسعود عمشوش

 

في الصباحات العدنية التي تبدأ قبل أن تكتمل زرقة السماء، كانت محطة عيشة في خورمكسر تشبه خليةً بشرية لا تهدأ. باصات التاتا الزرقاء تتعاقب، تفرغ ركابها وتبتلع آخرين، والباعة الصغار يتنقلون بين الواقفين كما لو كانوا يعرفون، قبل الجميع، أن الجوع لا ينتظر وصول الباص.

كانت رجاء التي تصل إلى المحطة كل صباح قادمة من المعلا، حاملة حقيبتها الصغيرة، وملفًا من الأوراق، وقلقًا لا يفارقها، واحدة من عشرات الموظفات الشابات اللواتي يعملن في المجمع الاستهلاكي بحي أكتوبر في خورمكسر. راتبها لم يكن كبيرًا، لكنه كان العمود الذي يستند إليه بيتها كله. أبوها بلا عمل منذ سنوات، وأمها لا تملك من الدنيا إلا صبرها، وأختها الصغرى طالبة في المدرسة الثانوية، تحتاج إلى الكتب والدفاتر والزي المدرسي.

كانت رجاء تقول لنفسها كلما قبضت راتبها: (ليس راتبي لي وحدي.)

ولهذا كانت تتشبث بعملها كما يتشبث الغريق بخشبة في بحر مضطرب. كان باص التاتا لا يصل إلى المجمع، ولذلك كانت تنزل في محطة عيشة وتنتظر سمير الرابية، نائب مدير المجمع، ليأخذها معه في سيارته اللادا الصغيرة. كانت السيارة معروفة في المحطة؛ لادا رمادية.

وأحيانًا كان سمير يتأخر ساعة كاملة. وكانت تقف تحت الشمس، ثم تنتقل إلى ظل شجرة، ثم تعود إلى مكانها، بينما عيون الركاب تلاحقها بفضول. امرأة شابة أنيقة في حدود ما تسمح به ملابس موظفة ذات راتب زهيد، تقف كل صباح في المحطة نفسها وتنتظر الرجل نفسه.

ولأن الناس في المحطات ينسجون الحكايات أسرع مما تصل الباصات، بدأت رجاء تشعر أن المحطة كلها تعرفها. هناك تعرفت إلى علاء. كان صبيًا نحيلًا، لا يتجاوز الثالثة عشرة، يحمل صينية صغيرة عليها علب من الشاي الملبن، وأكياس من الخمير المقصقص الذي كانت أمه تعده في البيت.

كان ينادي: شاي ملبن… خمير ساخن…

ثم يقترب من رجاء ويقول: أنتِ اليوم ما شربتِ شاي.

فتبتسم: ومن قال لك؟

-وجهك.

ضحكت أول مرة.

ومنذ ذلك اليوم صار علاء يترك لها علبة شاي قرب حقيبتها دون أن تطلب.

وفي الطرف الآخر من المحطة كانت تجلس فوزية. عجوز هادئة، لا ترفع صوتها ولا تتوسل بطريقة جارحة. كانت تضع أمامها قطعة قماش ، وتجلس وكأنها تنتظر شيئًا لا يعرفه أحد.

قالت لرجاء ذات صباح: أنتِ شاطرة في الشغل؟

استغربت رجاء السؤال.

-الحمد لله.

قالت: أعرف لكِ ناسًا في الحي الدبلوماسي. يريدون بنتًا تساعد في البيت. طبخ، وغسيل، وأمور خفيفة. والبيت كبير.

هزت رجاء رأسها: أنا موظفة.

ضحكت فوزية: كلنا موظفات عند الحاجة يا بنتي.

لكن رجاء لم تفهم العبارة يومها.

 

في صيف عام 1984 تغيّر كل شيء. نُقل سمير الرابية إلى إدارة المجمع الاستهلاكي في المعلا. في صباح اليوم التالي وقفت رجاء في محطة عيشة تنتظر اللادا التي لم تأتِ. انتظرت نصف ساعة. ثم ساعة. ثم ركبت باصًا من جولة ريجل، ومنها حاولت الوصول إلى المجمع.

وصلت بعد التاسعة. وفي اليوم التالي تكرر الأمر. وبعد أيام جرى تحويل دوامها إلى فترة الظهيرة والمساء، ثم بدأت الإدارة تسجل تأخرها.

ذهبت إلى سمير. قالت له: -انقلني معك إلى المعلا. أنت تعرف أنني لا أستطيع الوصول إلى المجمع في الوقت المحدد.

نظر إليها لحظة، ثم قال ببرود: ما فيش إمكانية.

-لكنني كنت أصل معك كل يوم.

خفض عينيه إلى الأوراق أمامه.

فهمت رجاء فجأة. كان وراء المجمع، في الحي القريب من المعلا، بيت تسكن فيه امرأة كانت رجاء قد سمعت عنها من بعض الموظفات. زوجته الثانية. ولم يكن يريد أن تراها.

خرجت رجاء من مكتبه وهي تشعر للمرة الأولى أن الطريق الذي ظنته طريقًا عاديًا إلى العمل كان مليئًا بأبواب مغلقة لا تراها. وبعد شهرين، في بداية أكتوبر، وصلها قرار الفصل.

السبب: التأخر المتكرر عن الدوام. حملت الورقة إلى البيت. لم تقل شيئًا.

وضع أبوها نظارته، قرأ القرار، ثم أعاد الورقة إليها.

-ماذا سنفعل؟

لم تجبه.

في تلك الليلة اكتشفت رجاء شيئًا أكثر قسوة من الفصل نفسه.

راتبها الصغير كان يحمل البيت كله. كان أبوها يعتمد عليه، وأمها، وأختها التي تستعد لامتحانات الثانوية. وفي الصباح خرجت رجاء تبحث عن عمل.

ذهبت إلى الخدمة المدنية. لا وظيفة.

ذهبت إلى رئيس اللجان الشعبية في الحي. قدمي طلبك وانتظري.

انتظرت يومين، ثم ثلاثة. ولا شيء. وحين عادت إلى محطة عيشة، تذكرت فوزية. وجدتها في مكانها القديم.

قالت: العائلة لا تزال تريد فتاة؟

رفعت العجوز عينيها إليها.

-قلت لكِ من قبل.

-أحتاج العمل.

تأملتها فوزية طويلًا. ثم قالت:

تعالي غدًا.

وفي صباح اليوم التالي سارت رجاء معها إلى فيلا ضخمة في الجهة المقابلة من المحطة. كان الباب عاليًا، والحديقة واسعة، والنوافذ مغلقة. طرقت فوزية. فتح رجل في منتصف العمر. لم يكن يبدو مريضًا، لكنه كان مقعدًا على كرسي متحرك.

قال لفوزية: هذه هي؟

أجابت: نعم.

نظر الرجل إلى رجاء.

-هل تستطيعين الطبخ؟

-أعرف الطبخ والغسيل وكل أعمال البيت.

-تعملين صباحًا فقط؟

-نعم.

وافق.

لم تسأل رجاء عن الراتب كثيرًا كان المهم أن تعود إلى البيت وفي يدها شيء. وقبل أن تخرج، قال الرجل:

-شيء واحد فقط… لا تدخلي الغرفة الأخيرة في الممر.

نظرت إليه. ثم إلى الباب المغلق.

-لماذا؟

ابتسم ابتسامة غامضة.

-لأنها ليست بحاجة إلى التنظيف.

بدأت رجاء العمل. وفي المساء كانت تعود إلى بيتها وكأن شيئًا لم يحدث.

كانت تقول لأبيها وأمها:

-رجعوني للعمل في المجمع.

لم تكن تريد أن تقلقهما.

ومرت الأيام. كانت الفيلا غريبة، لكنها هادئة. الرجل المقعد لا يستقبل أحدًا.

لا أقارب. لا أصدقاء. ولا حتى عاملًا واحدًا. وكانت فوزية تأتي أحيانًا لتسأل عن حالها، ثم تختفي.

بعد نحو ثلاثة أشهر بدأت رجاء تشعر بألم في بطنها. في البداية ظنته إرهاقًا. ثم صار الألم يتكرر. وفي أحد الصباحات اشتد حتى اضطرت إلى الجلوس على الأرض في مطبخ الفيلا. وحين جاءت فوزية، رأت وجهها شاحبًا.

قالت: -أنتِ حامل؟

شهقت رجاء.

-ماذا؟ لا!

وضعت العجوز يدها على بطنها بحركة خبيرة. ثم قالت:

-هذا ليس مرضًا عاديًا.

أعطتها شرابًا عشبيًا، وطلبت منها الراحة.

بعد أيام تحسنت.

لكن فوزية لم تكن قد قالت لها كل شيء.

 

في صباح شتوي، كانت رجاء تنظف الممر حين سمعت صوتًا خلف الباب المغلق. توقفت. كان الصوت خافتًا. مثل بكاء.

اقتربت. وضعت أذنها على الباب. سمعت بوضوح:

-ماما…

تراجعت. ارتجف جسدها كله. ذهبت إلى الرجل المقعد.

-من في الغرفة؟

حدق فيها طويلًا. ثم قال:

-لا أحد.

سمعت صوت طفلة. تغير وجهه.

=قلت لك لا تدخلي هناك.

وفي اليوم التالي لم تأتِ فوزية. ولا اليوم الذي بعده.

وبدأت رجاء تشعر أن شيئًا ما يحيط بها. كانت تجد أحيانًا باب الغرفة الأخيرة مفتوحًا قليلًا، رغم أنها متأكدة من أنها أغلقته.

وفي أحد الأيام، بينما كان الرجل خارج الصالة، سمعت الصوت مرة أخرى.

-رجاء…

تجمدت في مكانها. كيف عرفت الطفلة اسمها؟

اقتربت من الباب. دفعته. كانت الغرفة شبه مظلمة. وفي الزاوية جلست فتاة صغيرة، ربما في العاشرة، شاحبة الوجه، ترتدي ثوبًا قديمًا.

نظرت إليها وقالت:

-أنتِ التي كانت تأتي مع فوزية؟

لم تستطع رجاء الكلام. اقتربت الطفلة وهمست:

-لا تثقي فيها.

 

في ذلك المساء عرفت رجاء الحقيقة. الرجل المقعد لم يكن صاحب الفيلا كما ادعت فوزية. كان شقيق صاحبها السابق، وقد مات منذ سنوات. أما الفيلا فقد أصبحت مكانًا تتردد عليه فوزية منذ زمن. والطفلة كانت ابنة امرأة كانت تعمل في البيت، اختفت ذات ليلة ولم تعد. لم تعرف رجاء ماذا تفعل.

هربت؟ لكنها تذكرت أباها وأمها وأختها. كانت تعرف أن أي خطوة خاطئة قد تعني فقدان العمل، وربما أكثر من ذلك. وفي اليوم التالي، حين جاءت فوزية، واجهتها.

قالت: -من هي الطفلة؟

سكتت العجوز.

ثم قالت: -كنت أعرف أنك ستصلين إليها.»

-أين أمها؟

جلست فوزية. وبدت للمرة الأولى عجوزًا حقيقية.

-أمها ماتت.

-وكيف؟

-لم تمت كما يقولون.

رفعت رجاء رأسها.

-ماذا تقصدين؟

قالت فوزية: كانت تعرف سرًا عن البيت. وحين حاولت الكلام، اختفت.

شعرت رجاء بأن الهواء انقطع من حولها.

ثم سألت: ولماذا جئتِ بي إلى هنا؟

نظرت إليها فوزية طويلًا. وقالت:

-لأنك كنتِ الوحيدة التي أعرف أنها لن تؤذي البنت.

كان ذلك هو الجزء الذي لم تتوقعه رجاء. فوزية لم تكن مجرد شحاذة.

كانت تعرف نساء كثيرات، وتعرف البيوت والأسرار والطرق الخلفية للمدينة. وكانت قد ظلت لسنوات تحاول حماية الطفلة، لكنها لم تكن تستطيع إبقاءها وحدها.

أما رجاء، الموظفة المفصولة، فقد بدت لها فرصة أخيرة.

 

في صباح اليوم التالي أخذت رجاء الطفلة وخرجت من الفيلا. لم يكن معها سوى حقيبتها. كانت محطة عيشة مزدحمة كعادتها. الباصات تأتي وتغادر.

الناس يركضون. علاء يبيع الشاي والخمير.

وحين رأى رجاء قال: أين كنتِ كل هذه الأيام؟

ابتسمت.

ثم وضعت يدها على كتف الطفلة.

-كنت أعمل.

نظر علاء إلى الطفلة، ثم إلى رجاء، ولم يسأل. في تلك اللحظة مرت سيارة لادا بطيئة قرب المحطة. كانت تشبه سيارة سمير الرابية. توقفت قليلًا. لكن رجاء لم تنظر إليها. لأول مرة منذ سنوات لم تكن تنتظر أحدًا. كانت تعرف طريقها. حملت الطفلة بيد، وحقيبتها باليد الأخرى، واتجهت نحو الباص. وفي مكان ما داخلها كانت تقول:

لقد فصلوني من وظيفة، لكنهم لم يستطيعوا أن يفصلوني عن قدرتي على النجاة. كانت عدن في ذلك الصباح تبدو لها مختلفة. الشمس نفسها. المحطة نفسها. والباصات نفسها. لكن رجاء لم تعد تلك الفتاة التي تقف تحت الشمس تنتظر لادا تأتي من بعيد. كانت قد اكتشفت أن بعض المحطات لا ننتظر فيها وسيلة نقل. ننتظر فيها أن نعرف إلى أين نمضي.

محطة عيشة سما نيوز.

محطة عيشة



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


سما نيوز محطة عيشة

كانت هذه تفاصيل محطة عيشة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سما نيوز و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم