اخبار عربية سبتة ومليلية .. هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي؟
اليكم الان سبتة ومليلية .. هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي؟ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
ليست كل الأزمات التي تقع على الحدود أحداثا عابرة، وبعضها يكشف حدود التصورات التي تُدار بها القضايا الاستراتيجية. وما شهدته سبتة خلال الأيام الأخيرة يندرج في هذا النوع من الأحداث. فقد أعاد إلى الواجهة ملفا يعود إلى أكثر من خمسة قرون، لكنه طرح، في الوقت نفسه، سؤالا يتجاوز الوقائع الأمنية المباشرة: هل ما تزال المقاربات التي حكمت هذا الملف طوال العقود الماضية قادرة على تفسير التحولات التي يعرفها غرب البحر الأبيض المتوسط؟
تعاملت الحكومات الإسبانية المتعاقبة مع سبتة ومليلية، في الغالب، باعتبارهما قضية سيادة تستند إلى معطيات تاريخية وقانونية مستقرة. غير أن البيئة التي نشأ فيها هذا الوضع لم تعد هي نفسها. فقد تغيرت موازين القوة، وتبدلت أولويات الأمن، وأصبحت الهجرة، والإرهاب، والجريمة المنظمة، وأمن المضيق، والربط بين أوروبا وإفريقيا، عناصر تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل هذا الملف. وفي مثل هذا السياق، لا يكفي الدفاع عن الوضع القائم إذا كانت البيئة التي يقوم عليها قد تغيرت.
لهذا، لا تنطلق هذه الدراسة من سؤال السيادة في حد ذاته، بل من سؤال آخر يبدو أكثر ارتباطا بالتحولات الجارية: إلى أي حد تستطيع إسبانيا إدارة فضاء جغرافي يتغير بمنطق سياسي تشكل في ظروف تاريخية مختلفة؟ فالقانون يفسر جانبا من هذا الملف، والتاريخ يفسر نشأته، لكن الجغرافيا السياسية أصبحت تؤثر، بصورة متزايدة، في شروط ممارسته وفي الخيارات الاستراتيجية التي يتيحها. ومن هنا، فإن النقاش حول سبتة ومليلية لم يعد يتعلق بالماضي وحده، بل أيضا بالطريقة التي سيُقرأ بها هذا الماضي في ضوء الوقائع الجيو-سياسية التي تفرض نفسها اليوم.
خصوصية جيو-سياسية تتجاوز البعد التاريخي
خصوصية سبتة ومليلية لا تفسر بالتاريخ وحده. فوجود مدينتين تديرهما دولة أوروبية داخل المجال الجغرافي الإفريقي يجعل هذه الحالة من بين الحالات القليلة التي استمرت بعد انتهاء موجة تصفية الاستعمار. الأمر لا يتعلق بمجرد خلاف حدودي، بل بوضع يجمع بين التاريخ والقانون الدولي والجغرافيا السياسية، وهو ما يمنحه مكانة خاصة في العلاقات الدولية المعاصرة.
ولفهم جذور هذا الوضع، ينبغي العودة إلى مرحلة التوسع الإيبيري على السواحل الإفريقية. فقد احتلت البرتغال سبتة سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى الإدارة الإسبانية بموجب معاهدة لشبونة سنة 1668، في حين خضعت مليلية للاحتلال الإسباني منذ سنة 1497. ومنذ ذلك التاريخ، تغيرت الإمبراطوريات، وأعيد ترسيم الحدود، وانتهت معظم أشكال السيطرة الاستعمارية، بينما بقي وضع المدينتين قائما، ليصبح من بين أقدم الملفات التي لم تجد تسوية نهائية في القارة الإفريقية.
غير أن أهمية هذا الملف لا ترجع إلى قدمه التاريخي فقط، وإنما أيضا إلى البيئة الجيو-سياسية التي يوجد داخلها اليوم. فسبتة ومليلية تقعان في فضاء تغيرت طبيعته بصورة عميقة خلال العقود الأخيرة. ولم تعد المنطقة مجرد نقطة تماس بين دولتين، بل أصبحت مجالا تتقاطع فيه قضايا ذات أهمية جيو-استراتيجية إلى جانب العلاقات بين أوروبا وإفريقيا. وأدى ذلك إلى انتقال هذا الملف من دائرة الخلاف الثنائي إلى دائرة أوسع تتداخل فيها اعتبارات إقليمية وأوروبية ودولية.
ويكتسب هذا الملف بعدا جيو-سياسيا خاصا، لأن المدينتين تقعان داخل المجال الجغرافي المغربي، بينما تمارس عليهما إسبانيا اختصاصاتها الإدارية انطلاقا من الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. ولذلك، يصعب التعامل معهما باعتبارهما مجرد امتداد للإدارة الإسبانية داخل إفريقيا، لأن موقعهما يفرض معطيات تختلف عن تلك التي تحكم الأقاليم المتصلة جغرافيا بالدولة التي تديرها. فالقرب من المغرب والانفصال عن الامتداد الترابي الإسباني يجعلان جزءا مهما من القضايا المرتبطة بإدارة المدينتين مرتبطا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالمحيط المغربي.
الجغرافيا السياسية وحدود القوة
عرف النموذج الاقتصادي الذي قامت عليه سبتة ومليلية لعقود تغيرات واضحة، خاصة بعد إغلاق معابر التهريب المعيشي، وتراجع المبادلات الحدودية، وارتفاع كلفة تأمين الحدود وإدارة تدفقات الهجرة. وأظهرت هذه التحولات أن تفسير وضع المدينتين لا يمكن أن يقوم على المؤشرات الاقتصادية وحدها، لأن الجغرافيا تفرض معادلات تختلف عن منطق القوة الاقتصادية المجردة.
تعتمد سبتة ومليلية، بحكم موقعهما، على محيطهما الجغرافي المباشر في عدد من الوظائف الأساسية المرتبطة بحركة الأشخاص والسلع والخدمات واستقرار المجال الحدودي. ويجعل ذلك انتظام الحياة اليومية في المدينتين مرتبطا بدرجة كبيرة باستقرار العلاقة مع المغرب، الذي يشكل امتدادهما الجغرافي الطبيعي. ولا يغير التفاوت في القدرات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا من هذه الحقيقة. فالجغرافيا السياسية تبين أن ممارسة الاختصاصات الإدارية والأمنية لا تتحدد بالقدرة الاقتصادية وحدها، وإنما أيضا بطبيعة المجال الذي تمارس فيه. وكلما ارتبطت الوظائف الأساسية لفضاء معين ببيئته الجغرافية المباشرة، ازدادت أهمية التنسيق مع هذه البيئة، بصرف النظر عن تفاوت موازين القوة بين الدول. ويترتب على استمرار الوضع القائم كلفة استراتيجية تتجاوز العلاقات المغربية الإسبانية. فالحفاظ على ترتيبات تعود إلى بدايات القرن الخامس عشر يستدعي تعبئة متواصلة للموارد الأمنية والمالية والدبلوماسية، ويستهلك جزءا من الجهد الذي كان يمكن توجيهه إلى مشاريع الاندماج الاقتصادي، والربط اللوجستي، وتعزيز الترابط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
فالجغرافيا السياسية لا تحدد حدود حركة الدول فحسب، وإنما تؤثر بمرور الوقت في توزيع القوة بينها. فالتغيرات التي تصيب البيئة الجيو-سياسية لا تبدل المراكز القانونية تلقائيا، لكنها تؤثر في الشروط التي تمارس في إطارها القوة، وفي الكلفة الاستراتيجية لاستمرار الأوضاع القائمة. وتكشف حالة سبتة ومليلية أن الجغرافيا لا تعيد توزيع القوة بين الدول فحسب، وإنما تحدد أيضا الشروط التي تمارس في ظلها هذه القوة، والحدود التي تستطيع بلوغها، والكلفة التي يفرضها استمرارها عندما تتعارض الترتيبات السياسية مع الواقع الجغرافي.
أثر هذا الواقع يمتد إلى النظام الدولي نفسه. فاستمرار وجود مدينتين تقعان داخل المجال الجغرافي الإفريقي وتخضعان لإدارة دولة أوروبية يثير نقاشا حول مدى اتساق الممارسة الدولية مع المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي، وفي مقدمتها المساواة في السيادة، والوحدة الترابية، واستكمال مسار تصفية الاستعمار. ومن هذا المنطلق، تتجاوز قضية سبتة ومليلية بعدها الثنائي، لتصبح جزءا من نقاش أوسع يتعلق بالعدالة الجيو-سياسية وبكيفية معالجة ما تبقى من الموروثات الاستعمارية في القرن الحادي والعشرين.
ويطرح الموقف الأوروبي بدوره سؤالا يتعلق باتساق المبادئ أكثر مما يتعلق بالتكييف القانوني المباشر. فالاتحاد الأوروبي يتعامل مع سبتة ومليلية بوصفهما جزءا من التراب الإسباني والأوروبي، مع إخضاعهما لأنظمة جمركية وضريبية خاصة. ولا تدرجهما الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. غير أن هذا الوضع لا يمنع استمرار التساؤل، خصوصا في عدد من دول الجنوب، حول الكيفية التي يتعامل بها النظام الأوروبي مع الموروثات الاستعمارية المرتبطة بدوله الأعضاء.
المسألة هنا لا تقوم على مماثلة قانونية بين سبتة ومليلية ونزاعات إقليمية أخرى، وإنما على مدى اتساق الخطاب الأوروبي حول الوحدة الترابية وتصفية الاستعمار مع ممارسته السياسية تجاه أوضاع تاريخية نشأت خارج القارة الأوروبية. فاختلاف التكييف القانوني لا يلغي السؤال السياسي المتعلق بانتقائية الاهتمام وبأثر موازين القوة في ترتيب القضايا التي تحظى بالاعتراف أو التجاهل.
تستند بعض القراءات المتداولة في دوائر التفكير السياسي والاستراتيجي في إسبانيا إلى فرضية مفادها أن المغرب يتبنى سياسة توسعية، أو يسعى إلى إعادة فتح ملفات تاريخية خدمة لاعتبارات سياسية أو إقليمية. وتساعد هذه القراءات على فهم جانب من البنية الإدراكية التي لا تزال تحكم جزءا من النقاش الإسباني حول المغرب، وخصوصا في ملف سبتة ومليلية. غير أن هذا المنظور يختزل القضية في سلوك دولة، بينما يتجاوز هذا الملف، في جوهره، اعتبارات الظرف السياسي أو تغير الحكومات. فسبتة ومليلية ليستا نتيجة سياسة مغربية مستجدة، وإنما قضية تعود إلى عدة قرون، واستمرارها في صدارة النقاش يرتبط أساسا بخصوصية موقعهما الجغرافي، وبالتحولات التي عرفها الفضاء الأورو-متوسطي، وبالتداخل المتزايد بين قضايا السيادة والأمن والهجرة والتعاون الإقليمي. ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بما إذا كان المغرب يتبنى سياسة توسعية، وإنما بما إذا كانت التحولات الجيو-سياسية التي شهدتها المنطقة تسمح بالاستمرار في قراءة هذا الملف بالأدوات التحليلية نفسها التي سادت خلال العقود الماضية.
استمرار الوضع القائم لا يستند إلى الاعتبارات القانونية والسياسية وحدها؛ إذ تشكلت حوله، مع مرور الوقت، منظومة من المصالح المؤسسية والاقتصادية المحلية. فالحضور العسكري والأمني، والوظائف المرتبطة بإدارة الحدود، والتحويلات العمومية، والأنظمة الجبائية الخاصة، أصبحت عناصر مؤثرة في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمدينتين. ويعني ذلك أن أي نقاش حول مستقبل سبتة ومليلية لا يواجه المواقف السيادية الرسمية فقط، وإنما يصطدم أيضا بمصالح محلية ترى في استمرار الوضع القائم ضمانا للاستقرار الاقتصادي والمؤسسي.
استمرار هذا الوضع يدفع بعض الفاعلين الإسبانيين إلى ترسيخ مقاربة أمنية تجعل من المغرب مصدر التهديد الرئيس في هذا الملف، وهو ما يوفر مبررات لاستمرار أنماط معينة من الإنفاق الأمني والحضور المؤسسي المرتبط بالحدود. غير أن هذه المقاربة تغفل أن الجغرافيا تفرض علاقة من الاعتماد الوظيفي المتبادل لا يمكن إدارتها بمنطق التهديد وحده، وأن بناء علاقة أكثر استقرارا يقتضي الانتقال من إدارة المخاطر إلى إدارة المصالح المشتركة.
ماذا تكشف التجارب الدولية عن إدارة النزاعات السيادية؟
النزاعات المرتبطة بالسيادة لا تخضع لمسار واحد، كما أن طول أمدها لا يعني بالضرورة ثباتها أو استحالة تطورها. فقد أظهرت الخبرة الدولية أن الملفات التي نشأت في سياقات استعمارية مختلفة انتهت إلى مسارات متعددة، شملت نقل السيادة، والتسويات التفاوضية، والأنظمة الانتقالية، كما شملت أيضا ترتيبات وظيفية نظمت إدارة المصالح المشتركة من دون حسم الخلاف القانوني بصورة نهائية. ويبين ذلك أن مستقبل هذا النوع من النزاعات لا تحدده السوابق التاريخية وحدها، وإنما يتأثر أيضا بالتحولات التي تعرفها البيئة السياسية والإقليمية والجيو-سياسية المحيطة به.
وتعكس هونغ كونغ وماكاو هذا المسار. فقد انتهى الوجود البريطاني والبرتغالي عبر اتفاقات تفاوضية نقلت السيادة إلى الصين، مع اعتماد ترتيبات انتقالية حافظت على خصوصية النظامين المحليين خلال مرحلة محددة. وتكشف هذه التجربة أن استمرار الإدارة الأجنبية لعقود لا يحول دون إعادة النظر في الوضع القانوني عندما تتغير البيئة الاستراتيجية التي نشأ فيها ذلك الوضع.
ويقدم انتقال غوا إلى السيادة الهندية دلالة مماثلة. فطول مدة الإدارة البرتغالية لم يمنع إنهاءها عندما تغيرت البيئة الدولية واتسعت حركة تصفية الاستعمار، بما يؤكد أن الزمن، في حد ذاته، لا يحسم النزاعات المرتبطة بالسيادة، ولا يحول الأوضاع الموروثة عن الحقبة الاستعمارية إلى أوضاع نهائية.
أما جبل طارق، فيمثل نموذجا مختلفا. فالخلاف القانوني ما زال قائما بين المملكة المتحدة وإسبانيا، غير أن التفاهمات التي توصل إليها الطرفان خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدعم من الاتحاد الأوروبي، أظهرت أن استمرار النزاع لا يمنع تطوير ترتيبات عملية لتنظيم حركة الأشخاص والبضائع، والتعاون الجمركي، والتنسيق الأمني، مع احتفاظ كل طرف بموقفه من مسألة السيادة. وتبين هذه التجربة أن إدارة المصالح المشتركة قد تتقدم على تسوية الخلاف القانوني، من دون أن تعني التخلي عن المواقف المبدئية.
هذه التجارب تقود إلى نتيجة أساسية، وهي أن النزاعات المرتبطة بالسيادة لا تتغير عندما يتغير الماضي، وإنما عندما تتغير البيئة الاستراتيجية التي تتحرك داخلها. ومن هذا المنطلق، لا يتعلق السؤال في حالة سبتة ومليلية بوجود سابقة تاريخية مطابقة، وإنما بمدى تأثير التحولات التي يعرفها غرب البحر الأبيض المتوسط في إعادة تشكيل شروط إدارة هذا الملف خلال العقود المقبلة. فالجغرافيا لا تحسم النزاعات، لكنها تعيد رسم الإطار الذي تتحرك داخله الخيارات السياسية والاستراتيجية.
وتقود هذه الخلاصة إلى ما يمكن تسميته “الجغرافيا الوظيفية للسيادة”. فالجغرافيا، في هذا المنظور، لا تقتصر على تحديد مواقع الدول أو رسم حدودها، وإنما تنتج وظائف عملية تفرض أنماطا من الترابط والتنسيق، بصرف النظر عن المواقف القانونية أو السياسية. وعندما تصبح هذه الوظائف جزءا من إدارة الأمن، والهجرة، والاقتصاد، وحركة الأشخاص والبضائع، فإنها تتحول إلى عامل مؤثر في ممارسة السيادة نفسها.
الحكامة الوظيفية: من إدارة الأزمة إلى إدارة المجال
تكشف الخبرة الدولية أن النزاعات المرتبطة بالسيادة لا تبدأ دائما بحسم المسائل القانونية الأكثر تعقيدا. ففي عدد من الحالات، سبق تنظيم المصالح المشتركة التوصل إلى تسوية نهائية، من خلال ترتيبات عملية حافظت على مواقف الأطراف، وفي الوقت نفسه وفرت إطارا لإدارة القضايا التي تفرضها الجغرافيا والواقع اليومي.
الحكامة الوظيفية تندرج ضمن هذا المنطق. فهي لا تقوم على إعادة تعريف السيادة أو تعديل المراكز القانونية للأطراف، وإنما تنطلق من تنظيم المجالات التي يفرض فيها الواقع قدرا من التنسيق، مثل تدبير الحدود، وحركة الأشخاص والبضائع، والتعاون الأمني والاستخباراتي، وحماية البيئة البحرية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.
هذه المقاربة لا تستهدف تكريس الوضع القائم أو إضفاء شرعية جديدة عليه، كما أنها لا تمثل بديلا عن معالجة مسألة السيادة. فهي تقوم على التمييز بين الخلاف القانوني وإدارة المصالح العملية، بما يسمح بخفض كلفة استمرار النزاع، وتقليص عوامل التوتر، وتهيئة ظروف أكثر استقرارا للحوار عندما تتوافر الشروط السياسية لذلك.
فالجغرافيا تجعل المدينتين جزءا من فضاء وظيفي واحد مع محيطهما المغربي، سواء تعلق الأمر بالحركة الاقتصادية، أو أمن الحدود، أو تدبير الهجرة، أو حماية المجال البحري، أو مواجهة التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة. وتفرض هذه المعطيات مستوى من التنسيق لا يرتبط بالمواقف السياسية، وإنما بطبيعة المجال الجغرافي الذي تتحرك داخله هذه الوظائف.
وتنسجم هذه المقاربة مع الرؤية التي سبق أن طرحها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، عندما دعا إلى إنشاء لجنة مشتركة تتولى دراسة مختلف أبعاد الملف والبحث عن صيغ للتعامل معه. فقد انطلقت هذه المبادرة من إدراك أن الملفات الممتدة تاريخيا لا تعالج بسياسة القطيعة، وإنما عبر مسار تدريجي يجمع بين الحوار، وبناء الثقة، وتنظيم المصالح المشتركة. واليوم، تبدو هذه الرؤية أكثر انسجاما مع التحولات التي تعرفها البيئة الإقليمية. فالتحديات المرتبطة بالهجرة، والإرهاب، وأمن الحدود، والجريمة المنظمة، أصبحت تتجاوز قدرة أي دولة على التعامل معها بصورة منفردة. ويجعل ذلك من الحكامة الوظيفية إطارا لتنظيم المصالح المشتركة، وليس بديلا عن المواقف القانونية أو السياسية للأطراف.
نحو إعادة صياغة العلاقات المغربية الإسبانية
أظهرت التحولات التي عرفها المجال الإقليمي لغرب البحر الأبيض المتوسط خلال العقدين الأخيرين أن سبتة ومليلية لم تعودا ملفا يمكن عزله عن بيئتهما الإقليمية. فقد أصبحت قضايا أمن الحدود والهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وحماية طرق الملاحة تؤثر بصورة مباشرة في إدارة هذا الملف، وهو ما يجعل الحفاظ على الوضع القائم أكثر كلفة من البحث عن ترتيبات أكثر استقرارا.
يمثل بناء توافق وطني داخل إسبانيا حول القضايا الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها العلاقة مع المغرب، أحد التحديات الأساسية التي تواجه مستقبل العلاقات بين البلدين. فالدول التي تربطها مصالح جيو-سياسية دائمة تحتاج إلى قدر من الاستمرارية في إدارة ملفاتها الاستراتيجية، حتى لا تصبح رهينة للإيقاع الانتخابي أو للاستقطاب السياسي الداخلي. غير أن بعض الفاعلين السياسيين في إسبانيا يجدون، في فترات التنافس الانتخابي أو تصاعد الاستقطاب الحزبي، في الملف المغربي مجالا لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي.
وفي هذا السياق، يتحول الخطاب المرتبط بسبتة ومليلية أو بالهجرة عند كل استحقاق انتخابي إلى أداة لحشد التأييد السياسي، وهو ما يجعل قضايا ترتبط في جوهرها بالأمن الإقليمي وعلاقات الجوار خاضعة لاعتبارات ظرفية تتغير بتغير موازين القوى الحزبية. والحال أن العلاقات المغربية الإسبانية تتجاوز بطبيعتها هذا الإطار، لأنها تقوم على مصالح جيو-سياسية وأمنية واقتصادية دائمة لا تتبدل بتبدل الحكومات أو الأغلبية البرلمانية، الأمر الذي يجعل تحصينها من التجاذبات السياسية الداخلية مصلحة مشتركة للطرفين.
تطوير هذا المسار لا يقتضي بالضرورة إنشاء مؤسسات جديدة، بقدر ما يستدعي توفير أطر إسبانية مستقرة ومستقلة للحوار تسمح بفصل إدارة المصالح المشتركة عن التقلبات السياسية الظرفية. فالقضايا التي تمتد آثارها إلى أمن غرب البحر الأبيض المتوسط يصعب أن تبقى رهينة للإيقاع الانتخابي أو لتغير الحكومات داخل إسبانيا.
ولا يعني ذلك أن معالجة هذا الملف تقتضي التخلي عن المواقف القانونية لأي من الطرفين. فالخبرة الدولية تبين أن الخلافات المرتبطة بالسيادة قد تستمر زمنا طويلا، من دون أن تمنع بناء آليات مستقرة للتعاون في المجالات التي تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة. ولهذا، فإن الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة العلاقات يمثل تحولا في منهج التعامل مع الملف، أكثر مما يمثل تغييرا في المواقف السياسية. وتفرض الجغرافيا على المغرب وإسبانيا نمطا دائما من التفاعل لا يمكن تجاوزه. فالموقع الذي تشغله سبتة ومليلية يجعل مستقبل المدينتين مرتبطا، بدرجات مختلفة، بطبيعة العلاقات بين البلدين وبمستوى الاستقرار الذي يعرفه المجال المتوسطي الغربي.
ولهذا، لا يمكن بناء رؤية طويلة المدى لهذا الملف من دون إدماج المعطى الجغرافي في التفكير السياسي والاستراتيجي. ولا تحسم الجغرافيا النزاعات، لكنها تحدد حدود ما يمكن أن يستمر، وما تصبح كلفته الاستراتيجية أعلى مع مرور الوقت. وكلما ازداد الترابط الأمني والاقتصادي والوظيفي بين ضفتي المضيق، ازدادت الحاجة إلى مقاربة تتجاوز منطق إدارة الأزمات الظرفية، وتؤسس لعلاقة أكثر استقرارا بين المغرب وإسبانيا، بما يخدم مصالح البلدين واستقرار الفضاء الأورو-متوسطي. ويبقى التحدي الحقيقي ليس في إدارة الخلاف، وإنما في منع الخلاف من أن يتحول إلى إطار يحكم مجمل العلاقات المغربية الإسبانية.
فسبتة ومليلية ليستا مجرد امتداد لترتيبات تاريخية، بل تطرحان سؤالا يتعلق بقدرة السياسات على التكيف مع التحولات التي تعرفها الجغرافيا السياسية. وتكشف سبتة ومليلية أن “الجغرافيا الوظيفية للسيادة” أصبحت، في عدد متزايد من النزاعات، إطارا تفسيريا يساعد على فهم الكيفية التي تؤثر بها الجغرافيا في شروط ممارسة السيادة، بصرف النظر عن ثبات المراكز القانونية للأطراف.
وقد يظل الخلاف القانوني قائما، لكن غرب البحر الأبيض المتوسط دخل مرحلة أصبح فيها المغرب أحد الفاعلين الرئيسيين في معادلات الأمن والاستقرار والربط بين أوروبا وإفريقيا. والجغرافيا، وإن كانت لا تغير المراكز القانونية من تلقاء نفسها، تعيد تشكيل شروط ممارسة القوة وحدود استدامتها. فالدول لا تختار جغرافيتها، لكنها تختار إن كانت ستتعامل معها باعتبارها قيدا أم مصدرا للقوة. والسؤال المطروح على مدريد اليوم هو ما إذا كانت المقاربات التي صيغت في سياق تاريخي مختلف ما تزال قادرة على إدارة جغرافيا تغيرت قواعدها.
سبتة ومليلية .. هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل سبتة ومليلية .. هل تستطيع إسبانيا إدارة الجغرافيا بمنطق الماضي؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.