اخبار عربية موريس بوتان.. مات المحامي وبقي “موكّله” المهدي بنبركة مختفيا

موريس بوتان مات المحامي وبقي موك له المهدي بنبركة مختفيا


اليكم الان موريس بوتان.. مات المحامي وبقي “موكّله” المهدي بنبركة مختفيا والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب

في 29 أكتوبر 1965، حين اختفى المعارض المغربي من أمام مطعم «ليب» في قلب باريس، كان موريس بوتان محاميا في السابعة والثلاثين من عمره يعرف بنبركة ويعرف أسرته ويعرف، أكثر من كثير من زملائه الفرنسيين، المغرب الذي جاء منه الرجل المختطف.

منذ ذلك اليوم، صار الزمن بينهما يسير في اتجاهين متعاكسين، بنبركة تجمد عمره في لحظة الاختفاء، وبوتان أخذ يكبر وهو يلاحق أثره. مرت عشر سنوات ثم عشرون وخمسون وستون، ومات الشهود والمتهمون والقضاة وتغير الملوك والرؤساء والحكومات، فيما ظل المحامي يعود إلى السؤالين نفسيهما: من قتل المهدي بنبركة؟ وأين جثمانه؟

لم يكن بوتان فرنسيا اكتشف المغرب من خلال ملف قضائي حمله إليه أحد موكليه. فقد ولد في مدينة مكناس في 10 دجنبر 1928، داخل أسرة فرنسية، ثم غادر إلى باريس ليدرس القانون قبل أن يعود إلى المغرب في مطلع خمسينيات القرن الماضي ويمارس المحاماة في الرباط، في السنوات الأخيرة للحماية.

هناك اتخذ مسارا لم يكن بديهيا لشاب فرنسي في ذلك الزمن، حيث وجد نفسه يدافع أمام محاكم سلطات الحماية عن مقاومين ووطنيين مغاربة، ويتعرف إلى جيل من الرجال الذين كانوا يستعدون للانتقال من مقاومة الاستعمار إلى بناء الدولة المستقلة، وكان المهدي بنبركة واحدا منهم.

عرفه بوتان قبل أن يتحول اسمه إلى واحد من أكبر ألغاز التاريخ السياسي المغربي. رآه وهو من أبرز مهندسي الحركة الوطنية ثم من أكثر وجوه المغرب المستقل تأثيرا وإثارة للخصومة. وحين سيكتب عنه بعد عقود، سيستعيد صورة رجل شديد الذكاء، سريع القرار، يجمع بين النزعة الثورية وبراغماتية السياسي.

لم تبدأ العلاقة، إذن، بين محام وورثة ضحية؛ بل بدأت بين رجلين عاشا جزءا من المغرب نفسه، ثم جاءت الجريمة لتحول أحدهما إلى مختف والآخر إلى حارس لملفه، وهذا يفسر كثيرا مما سيأتي بعد ذلك.

فبوتان لم يكن يحتاج حين وقف أمام القضاء الفرنسي إلى كتب التاريخ كي يفهم السياق الذي سبق الاختطاف. فقد كان قد عاشه.

قبل عامين فقط من اختفاء بنبركة، شارك موريس بوتان في الدفاع عن متهمين في واحدة من أبرز المحاكمات السياسية التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، قضية ما سمي بـ«مؤامرة يوليوز 1963»، التي طالت قياديين ومناضلين في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

حين انطلقت محاكمة قضية بنبركة في باريس سنة 1966، حمل معه إلى قاعة المحكمة هذه المعرفة المباشرة بالتوتر الذي كان يشق المغرب الحديث بين المؤسسة الملكية ومعارضتها اليسارية. لهذا لم يتعامل مع ما وقع في باريس باعتباره جريمة بوليسية بدأت في الرصيف المقابل لمطعم وانتهت في مكان مجهول. فبالنسبة إليه، كانت هناك قصة أطول بدأت قبل ذلك بسنوات، في الرباط والدار البيضاء وفي المحاكم والسجون والمواجهات السياسية.

لاحظ مراسلو الصحافة الفرنسية آنذاك أن المحامي القادم من المغرب قدم أمام هيئة المحكمة كرونولوجيا دقيقة وواسعة للسياق السياسي الذي سبق الاختفاء. كان يتكلم عن تاريخ لم يقرأه فقط، بل شاهده ورافع في بعض فصوله. ثم بدأت القضية تأكل عمره.

في البداية، كانت الوقائع لا تزال ساخنة والمتهمون أحياء والأسماء الكبرى حاضرة: محمد أوفقير، أحمد الدليمي، رجال شرطة فرنسيون، عناصر استخبارات، وشخصيات من عالم الجريمة المنظمة. كانت العدالة الفرنسية تبدو وكأنها على مسافة قريبة من الحقيقة. لكن كلما مر الوقت اتسعت المسافة بدلا من أن تضيق.

مات أشخاص، واختفت أدلة، وبقيت وثائق تحت السرية، وتعطلت إنابات قضائية، وتحولت القضية تدريجيا من البحث عن منفذي عملية اختطاف إلى صراع مع ذاكرة دولتين. ومع هذا التحول صار بوتان أكثر من مجرد محام يتابع ملفا.

صارت أسرة بنبركة تنظر إليه كواحد منها. وعندما أعلنت وفاته، لم يتحدث بشير بنبركة عن «محامي العائلة» فقط، بل عن صديق قديم كانت والدته تعتبره مثل أخ لها. وتروي الأسرة أن المهدي نفسه كان قد أوصى بعض أفرادها، قبل اختفائه، بأن يلجؤوا إلى بوتان إذا وقع له مكروه.

وسواء قرأنا هذه العلاقة من زاوية الوفاء الشخصي أو الالتزام المهني، فإن النتيجة واحدة. وهي أن القضية التي دخلها الرجل في الثلاثينيات من عمره لم تعد ملفا يستطيع أن يغلقه ويضعه في خزانة.

حين اقتربت الذكرى العاشرة للاختفاء، عاد بوتان رفقة محامين آخرين إلى تحريك القضاء الفرنسي. وفي أكتوبر 1975 تقدم بشير بنبركة بشكوى جديدة تتعلق بالاغتيال والتواطؤ فيه، بما ساهم في إبقاء الباب القضائي مفتوحا بعدما كان خطر التقادم يهدد بإغلاقه.

ومع كل عقد جديد كان الملف يغير شكله، لكن بوتان لا يتغير، مرة يطلب رفع السرية عن وثائق المخابرات الفرنسية، وأخرى يطالب بتنفيذ إنابة قضائية في المغرب، وثالثة يبحث عن شاهد، ورابعة عن مكان محتمل أخفي فيه الجثمان…

ولم يكن يقصر الاتهام على المغرب، بل كان شديد القسوة أيضا تجاه السلطات الفرنسية، ويعتبر أن أسرار الدولة في باريس ساهمت بدورها في إبقاء أجزاء من الحقيقة بعيدة عن القضاء. وفي ذلك كان موقعه واضحا: هو محامي أسرة بنبركة، وليس مؤرخا محايدا للقضية. يحمل فرضيات الطرف المدني ويدافع عنها ويضغط في اتجاهها. وهذه حقيقة لا تنقص من قيمة ما جمعه طوال عقود من وثائق وشهادات، لكنها ضرورية لفهم الرجل كما كان، لا كما قد تصنعه أسطورة الوفاء بعد موته.

في إحدى مراحل التحقيق، عندما صدرت مذكرات توقيف دولية مرتبطة بالملف، كشف وجودها للعلن. كان يعرف أنه يتجاوز بذلك الحدود التقليدية للتحفظ الذي يحيط بعمل المحامي والتحقيق القضائي. وقال لاحقا إنه أراد أن يوجه «ركلة في عش الدبابير». والمفارقة أن الرجل الذي أمضى عقودا مطالبا بمحاكمة المسؤولين عن اختفاء موكله وجد نفسه، بعد قرابة نصف قرن، واقفا بدوره أمام القضاء الفرنسي بسبب ما كشفه من معلومات مرتبطة بالقضية.

قضية بنبركة لم تكن الاستثناء الوحيد في حياة بوتان. فاختياراته سبقتها. دافع في شبابه عن وطنيين مغاربة في مواجهة الحماية الفرنسية، وانخرط لاحقا في الدفاع عن قضايا سياسية وحقوقية في المغرب والجزائر وفرنسا ومناطق أخرى.

وبعد حرب يونيو 1967 أصبح ناشطا في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وشارك مع مثقفين وشخصيات فرنسية في بناء أطر للتضامن مع الفلسطينيين. وظل هذا الانشغال ملازما له إلى شيخوخته، وكتب في التاريخ الفلسطيني والصهيونية والقدس. أي أنه كان محاميا صاحب قضية بقدر ما كان محاميا لأصحاب القضايا.

جعل ذلك صورته أكثر تعقيدا من صورة «المحامي الفرنسي الذي أحب المغرب». فهو فرنسي ولد في مغرب الحماية، وقف إلى جانب وطنيين ضد سلطات بلده، ثم وقف بعد الاستقلال إلى جانب معارضين مغاربة في مواجهة الدولة المغربية، وانتقد لاحقا السلطات الفرنسية نفسها في قضية بنبركة. وبالتالي لا يصلح الرجل بسهولة لأن يوضع داخل ثنائية البطل والخصم؛ فقد كان صاحب انحيازات سياسية وحقوقية واضحة، دفعته أحيانا إلى مواقع مواجهة مع السلطة حيثما وجدها.

في 2010، وبعد خمسة وأربعين عاما من اختفاء بنبركة، قرر أن يحول جزءا كبيرا من ذاكرته إلى كتاب. اختار له عنوانا يكاد يكون تعريفا لموقعه في التاريخ: «بنبركة، الحسن الثاني، ديغول.. ما أعرفه عنهم». لم يقل «الحقيقة» عنهم، ولا «تاريخهم»، بل ما يعرفه هو عنهم. فالكاتب كان شاهدا ومحاميا وفاعلا، عرف المغرب قبل الاستقلال وعاش بدايات الدولة الجديدة، واقترب من بنبركة ثم قضى القسم الأكبر من حياته المهنية يبحث عن حقيقة اختفائه.

مع تقدم العمر، أصبحت القضية سباقا أكثر وضوحا مع الزمن. وعندما تجاوز التسعين، لم يعد يتحدث كما يتحدث محام يتوقع محاكمة كبرى في العام المقبل. بل صار مطلبه أكثر بساطة وأشد قسوة في الوقت نفسه. كان يريد قبل موته جوابا يسمح لأسرة بنبركة بأن تعرف من قتله وأين انتهى جسده. كل ما تراكم بعد ذلك من أسرار دولة وصراعات سياسية وحسابات دبلوماسية كان يمكن، في النهاية، اختزاله بالنسبة إلى عائلة في حق بسيط جدا: أن تعرف أين يوجد ميتها.

لم يحصل بوتان على ذلك. وهنا تكمن المفارقة التي تجعل حياته قابلة لأن تُقرأ انطلاقا من نهايتها. لم يكن نجاحه في أنه حل لغز بنبركة، لأنه لم يحله. ولم ينتزع من القضاء الفرنسي حكما نهائيا يضع نقطة في نهاية القصة. ولم يستطع أن يعيد إلى الأسرة رفات الرجل الذي خرج إلى موعد في باريس ولم يعد. ما فعله أساسا هو أنه منع الزمن من أن يتحول بسهولة إلى قبر ثان للقضية.

كلما بدا أن الملف صار أقدم من أن يهم أحدا، أعاده إلى الحاضر. وكلما مات شاهد، بحث عن وثيقة. وكلما أغلقت نافذة، طرق أخرى. ومن محاكمة 1966 إلى شكاوى السبعينيات، ومن معارك رفع السرية إلى الإنابات القضائية، ومن المقابلات الصحافية إلى الكتب والندوات، ظل يتصرف كما لو أن التأخر في معرفة الحقيقة لا يلغي الحق فيها.

عاش المهدي بنبركة خمس سنوات فقط بعد بلوغه الأربعين. أما موريس بوتان فعاش حتى السابعة والتسعين. لكن القسم الأعظم من السنوات التي مُنحت للثاني بعد اختفاء الأول ظل مربوطا به بطريقة أو بأخرى.

بدأت حكايتهما في المغرب وهما على قيد الحياة، ثم غادر بنبركة المشهد فجأة في شارع باريسي، وبقي بوتان وحده يحمل العلاقة ستة عقود أخرى. وفي النهاية مات المحامي، وبقي موكله بلا قبر.

موريس بوتان.. مات المحامي وبقي “موكّله” المهدي بنبركة مختفيا صوت المغرب.

موريس بوتان مات المحامي وبقي موك له المهدي بنبركة مختفيا



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


صوت المغرب موريس بوتان مات المحامي وبقي موك له المهدي بنبركة مختفيا

كانت هذه تفاصيل موريس بوتان.. مات المحامي وبقي “موكّله” المهدي بنبركة مختفيا نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم