اخبار عربية ألا تعرفين "بورقعة" يا إيزابيل؟
اليكم الان ألا تعرفين "بورقعة" يا إيزابيل؟ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
بعد أحداث الهجرة الأخيرة نحو سبتة، تصاعدت في إسبانيا أصوات اليمين المتطرف والنازيين الجدد، واشتد الخطاب المعادي للمهاجرين المغاربة، فيما ذهب البعض إلى اعتبار المغرب بلداً عدواً.
وسط هذه الأصوات، ظهرت فتاة تدعى إيزابيل بيرالتا أمام الكاميرات، مؤدية التحية النازية. وهي شابة إسبانية معروفة بخطابها المتطرف تجاه المغاربة والمسلمين، وسبق أن استخدمت مفردات من قبيل: «الغزو»، و«الغازي»، و«الاستبدال العرقي». وكان القضاء الإسباني قد أدانها في السنة الماضية بالتحريض على الكراهية ضد المهاجرين المغاربة والمسلمين.
وقد تجاوز هذا المناخ الدوائر المتطرفة؛ ففي استطلاع أنجزته NC Report لصالح صحيفة La Razón بعد الأزمة، اعتبر 77.3 في المئة من المستجوبين أن المغرب «يتصرف كبلد عدو»، ورأى 75.2 في المئة أنه قد يكرر ما وصفه الاستطلاع بـ«مناورة غزو»، فيما اعتبر 71.2 في المئة ما جرى «عملاً عدوانياً منظماً».
أمام هذا الخطاب العدائي، تستعيد الذاكرة المغربية اسماً قد يبدو غريباً اليوم: «بورقعة». وهو اسم أطلق على الإسباني الفقير الذي جاء إلى المغرب بحثاً عن الرزق، في إشارة إلى ثيابه البالية والمرقعة.
فخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عرفت إسبانيا أزمات اقتصادية واجتماعية وأوضاعاً معيشية صعبة في عدد من مناطقها، دفعت كثيرين إلى الهجرة بحثاً عن العمل. وكان المغرب، بحكم قربه، إحدى وجهاتهم، فاستقر العديد من الإسبان في طنجة وتطوان والدار البيضاء ومدن أخرى، واشتغل كثير منهم في التجارة والحرف والصيد والزراعة.
ثم جاءت الحرب الأهلية بين 1936 و1939، وخرجت إسبانيا منها منهكة. ودخلت البلاد خلال الأربعينيات ما بقي في ذاكرتها باسم Los años del hambre، «سنوات الجوع»، مع نقص المواد الأساسية وتقنين الغذاء وانتشار السوق السوداء والفقر وسوء التغذية، فيما زادت سياسات الاكتفاء الذاتي في عهد فرانكو من حدة الأزمة. واستمرت الهجرة إلى المغرب في ظل هذه الأوضاع، بحثاً عن فرص للعمل والعيش.
وجاءت هجرة الإسبان إلى المغرب ضمن حركة أوروبية أوسع؛ فقد شهدت أوروبا على امتداد تاريخها الحديث موجات هجرة واسعة، دفعت الملايين إلى مغادرة بلدانهم تحت ضغط الفقر والأزمات والحروب، أو بحثاً عن فرص أفضل. فأوروبا التي تستقبل المهاجرين اليوم، عاشت مرحلة طويلة من تاريخها مصدراً للهجرة.
وبدأت إسبانيا تخرج تدريجياً من الفقر والعزلة بعد الحرب الأهلية. وساعدتها تحولات الحرب الباردة، خاصة اتفاقيات سنة 1953 مع الولايات المتحدة وما رافقها من مساعدات اقتصادية وعسكرية. ثم جاءت خطة الاستقرار سنة 1959 لتفتح الاقتصاد أمام التجارة والاستثمارات الأجنبية، وتدخل البلاد مرحلة النمو السريع المعروفة بـ«المعجزة الاقتصادية الإسبانية».
وكان المهاجر الإسباني نفسه جزءاً من هذا التحول. ففي الستينيات، عمل مئات الآلاف من الإسبان في الاقتصادات الأوروبية الأكثر ازدهاراً، وكانت تحويلاتهم مورداً مهماً للعملة الصعبة، إلى جانب السياحة والاستثمارات والتصنيع. وبعد الانتقال إلى الديمقراطية والانضمام إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1986، استفادت إسبانيا من الاندماج الأوروبي والاستثمارات والصناديق الهيكلية، وتوسعت بنيتها التحتية وصناعتها وخدماتها. وخلال بضعة عقود، انتقلت من بلد يرسل العمال إلى الخارج إلى بلد يستقبلهم.
تكشف هذه التحولات قاعدة أساسية في حركة الهجرة، إذ تتغير وجهتها مع تغير الثروة وفرص العمل والاستقرار. والمغرب اليوم، على خريطة الهجرة، بلد منشأ وعبور وإقامة في الوقت نفسه. فهو يتمتع بالاستقرار ويشهد تحولات اقتصادية وتنموية ويستقطب استثمارات أجنبية، فيما يضعه موقعه الجغرافي على أحد أبرز مسارات الهجرة بين إفريقيا وأوروبا.
وقد هاجر ملايين المغاربة عبر المسالك القانونية للعمل والدراسة ولم الشمل الأسري، واستقرت أسر مغربية في أوروبا منذ أجيال، فيما اختار آخرون الهجرة غير النظامية بما تحمله من مخاطر ومخالفة لقوانين الدخول.
أما كثير من الشباب الذين حاولوا أخيراً الوصول إلى سبتة، فتحركهم صورة وهمية عن أوروبا تغذيها شبكات التواصل الاجتماعي، وتستثمر فيها شبكات تهريب المهاجرين بتقديم صورة زائفة عما ينتظرهم بعد العبور. لكن هذه الصورة سرعان ما اصطدمت بالواقع، حتى إن معظم من وصلوا اختاروا العودة طواعية بعدما واجهوا حقيقة مختلفة عما تصوروه.
وفي مقابل اعتبار المغرب «عدواً» في بعض الخطابات، تكشف العلاقات بين البلدين واقعاً مختلفاً. فإسبانيا هي شريكه التجاري الأول، وتجمعهما علاقات اقتصادية وثيقة وحضور واسع للشركات والاستثمارات الإسبانية في المملكة. ويمتد التعاون إلى المجالات الأمنية ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، وقد وصف رسمياً بأنه «نموذجي» في مكافحة الإرهاب. ويعكس تنظيم كأس العالم 2030، الذي سيجمع المغرب وإسبانيا والبرتغال، مستوى آخر من هذه الشراكة والتنسيق طويل الأمد.
وتبرز أهمية هذه الشراكة في مجال الهجرة، فالمغرب يواجه تدفقات تتجاوز حركة مواطنيه، إذ يبدأ جزء من المهاجرين الذين يصلون إلى شمال المملكة رحلته على بعد آلاف الكيلومترات، بعد عبور دول وحدود عدة. وبحكم موقعه، يقوم المغرب بدور كبير في مراقبة أحد أهم المسارات الممتدة من إفريقيا نحو أوروبا.
وتبقى بين الرباط ومدريد خلافات سياسية وسيادية حقيقية، بعضها شديد الحساسية، فيما تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية واسعة تجعل صورة «العدو» بعيدة عن طبيعة العلاقة الفعلية بين البلدين.
وما وقع في سبتة يظل حدثاً استثنائياً في مسار طويل من التعاون الحدودي، تتواصل خلاله جهود إحباط العبور غير النظامي ومكافحة شبكات التهريب، بعيداً في الغالب عن الأضواء. يشبه الأمر قطاراً يصل في موعده باستمرار فلا يلفت الانتباه، حتى إذا تأخر طغت لحظة التأخر على سجل طويل من الرحلات المنتظمة. ومن أراد تقييم دور المغرب كشريك لإسبانيا، فعليه أن يحصي أيضاً القطارات التي وصلت في موعدها.
وعلى ضفتي المضيق، تبدلت اتجاهات الهجرة عبر الزمن. فالشباب الذين يعبرون اليوم نحو الشمال بحثاً عما يتصورونه فرصة لحياة أخرى، ليسوا أول من سلكوا سبل الرحيل. فقد كان إسبان فقراء مرقعو الثياب يأتون إلى المغرب طلباً للرزق. ومن هنا تبدو مفردة «الغزو» مفارقة أمام ذاكرة الهجرة نفسها.
لهذا، حين تؤدي إيزابيل بيرالتا التحية النازية، وحين يصف آخرون الشباب القادمين من المغرب بـ«الغزاة»، وحين يصبح المغرب «عدواً» في المخيال، يطرح التاريخ سؤالاً يستحق التأمل:
هل أتاكم حديث «بورقعة»؟
ألا تعرفين "بورقعة" يا إيزابيل؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل ألا تعرفين "بورقعة" يا إيزابيل؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.