اخبار محلية ميفوق: موئل البطاركة قبل بكركي بزمن طويل
اليكم الان ميفوق: موئل البطاركة قبل بكركي بزمن طويل والان إلى التفاصيل من المصدر هنا لبنان:
كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:
غالبًا ما يُحكى عن لبنان بذكر أزماته، وحروبه، وقادته. غير أنّ ثمة أماكن، متناثرة بين الجبال والوديان، والمدن، تروي قصصًا أخرى عن هذا البلد. عواصم قديمة، وخطوط سكك حديد مهجورة، ومعابد خفية، ومصحات متروكة، ومواقع أثرية مجهولة، جميعها تشهد بصمت على عصور مضت. سلسلة لإعادة اكتشاف لبنان من خلال أماكن أسهمت في تشكيل هويته.
قبل أن تصبح بكركي مركزًا للبطريركية المارونية بزمن طويل، عرف بطاركتها محطات لجوء متعددة في جبال لبنان. وفي ميفوق، تحفظ سيدة إيليج ذاكرة هذا الترحال الطويل. إذ يروي هذا المكان، الّذي شكل مقرًّا بطريركيًّا قديمًا، ثم مزارًا مريميًّا، ثم موطنًا للحياة الرهبانية، فصولًا من تاريخ امتد لقرون، حيث اضطرت الحياة الإيمانية إلى التعايش مع انعدام الأمان في كثير من الأحيان.
لم يُكتب تاريخ البطريركية المارونية حول مقرّ ثابت وحيد. فعلى مدى قرون، انتقل مركزها عبر جبال لبنان، وفق جغرافيا فرضتها التحولات السياسية بقدر ما فرضتها ضرورة الحفاظ على الصلة بالجماعات المسيحية المتناثرة. وتندرج كفرحيْ ويانوح، ثم أديرة مختلفة في جبل لبنان، في تعاقب هذا المقار الطويل قبل قنوبين، وبعدها بزمن طويل، بكركي. ولم ترتكز استمرارية المؤسسة آنذاك على ثبات مكان واحد، بقدر ما ارتكزت على قدرتها على الانتقال كلّما اقتضت الظروف ذلك.
وتنتمي ميفوق إلى هذه المسيرة في صميمها. ففي وادي إيليج، على مرتفعات جبيل، شكلت سيدة إيليج، على مدى قرون متعددة، واحدة من مقرات البطريركية المارونية المهمة في العصور الوسطى. ويحتفظ المزار حتى اليوم بآثار مادية من تلك الحقبة، منها نقوش سريانية وتمثيل قديم للعذراء، أتاحت دراسته العودة إلى الطبقات الأولى من الأيقونوغرافيا السريانية المارونية. وبعد قرون، أضاف حدث آخر ميفوق إلى ذاكرة لبنان الدينية: ففي عام 1851، بدأ شاب من بقاعكفرا، يُدعى يوسف أنطون مخلوف، فترة ابتدائه الرهباني فيها، واتخذ الاسم الّذي سيعرفه به العالم أجمع: شربل.
بحثت البطريركية آنذاك عن ملجأ في الجبل
لفهم أهمية إيليج، لا بد من العودة إلى حقبة شكلت فيها جبال لبنان موطنًا للاستقرار وملجأً على حد سواء. ويبقى التسلسل الزمني الدقيق للمقار البطريركية الأولى صعب التحديد أحيانًا، فالمصادر الوسيطة مجتزأة، كما لا تتطابق الروايات التاريخية دائمًا في جميع التواريخ. غير أنّها تشهد على قِدم الحضور البطريركي في منطقة ميفوق، وعلى المكانة الّتي اكتسبتها سيدة إيليج في تنظيم الكنيسة المارونية.
وتؤمن الشهادات المخطوطة هنا مادة توثيقية ثمينة. إذ تحدد إشارة تعود إلى القرن الثاني عشر وجود بطريرك يُدعى بطرس في دير سيدة ميفوق، في وادي إيليج. وفي مراحل لاحقة، يظهر بطاركة آخرون في هوامش المخطوطات، لا سيّما في مخطوط رَبّولا الشهير، الّذي تحتفظ بعض صفحاته بآثار تركها أساقفة موارنة. وتتيح هذه الإشارات، الّتي كُتبت غالبًا في الهوامش من دون أن تكون الغاية منها تدوين سجل تاريخي، إعادة بناء تاريخ، اختفى جزء كبير من أرشيفه المؤسسي.
وجاء اختيار إيليج استجابةً لواقع تلك الحقبة. فالوادي البعيد عن المدن الساحلية الكبرى، والمرتبط في الوقت عينه بالجماعات المسيحية في جبيل والبترون، أمّن بيئة محمية نسبيًّا، من دون أن يفرض العزلة على البطريركية. ولم يكن الدير، بالتالي، مجرد مكان للصلاة. فقد انتظمت حول البطريرك فيه جوانب من حياة الكنيسة المؤسسية: إقامة الصلوات والاحتفالات، واستقبال الرهبان والزوار، وحفظ النصوص، وصون الصلات مع جماعات موزعة على رقعة جغرافية واسعة.
وكانت إيليج أيضًا على تماس مع عوالم ثقافية متعددة. ففي الحقبة الفرنجية، شكلت منطقة كونتية طرابلس فضاءً تتقاطع فيه التقاليد السريانية، والتأثيرات البيزنطية، والحضور اللاتيني. وقد حفظت كنائس شمال لبنان في العصور الوسطى آثارًا لهذا التفاعل في جدارياتها، وعمارتها، ونقوشها. وتنتمي سيدة إيليج إلى هذا المشهد الديني الّذي تطورت فيه الهوية المارونية من دون أن تعيش بمعزل عن التيارات الّتي عبرت بلاد الشام آنذاك.
وتُطوى هذه المرحلة في سياق ظروف أكثر عنفًا بأشواط. فبعد تراجع الدول الفرنجية ثم زوالها، أدى قيام الحكم المملوكي إلى تغيير موازين المنطقة. وألحقت الحملات الّتي شُنّت في جبال الشمال أضرارًا جسيمة بعدد من الجماعات المحلية، ولم تبقَ المقار الدينية بمنأى عنها. ففي عام 1440، دفعت حملة جديدة على منطقة إيليج البطريرك يوحنا الجاجي إلى مغادرة المكان والتوجه إلى سيدة قنوبين، في وادي قاديشا. وهناك، وجدت البطريركية ملجأً مستدامًا لقرون متعددة. أمّا بكركي، فتنتمي إلى مرحلة لاحقة؛ إذ ستفرض نفسها تدريجيًّا مقرًّا رئيسًا في القرن التاسع عشر. وهكذا، تمتد بين ميفوق وبكركي مسيرة طويلة من التنقلات، تشكل قنوبين فصلها المحوري.
ذاكرة محفوظة في الحجر والصور
لكنّ ما بقيَ في إيليج يتيح لنا أن نتجاوز رواية البطاركة إلى ما هو أبعد منها. فنقشان سريانيان منقوشان في الحجر يمنحان الموقع أهمية خاصة في تاريخ الثقافة المارونية. يعود أحدهما إلى عام 1276، ويُعتبر شاهدًا استثنائيًّا على النقوش المارونية في العصور الوسطى، وقد نجا من أعمال الدمار الّتي شهدتها الحقبة المملوكية. وتتيح كتابته بالخط الإسطرنجيلي المربّع رؤية مباشرة للخط السرياني الّذي استُخدم في هذه البيئة في خلال القرن الثالث عشر. وهكذا، تتحول بضعة أسطر محفورة على واجهة إلى أرشيف قائم بذاته، وتزداد قيمته لأنّ آثارًا كثيرة أخرى من تلك الحقبة قد اندثرت.
وتشكّل صورة سيدة إيليج القديمة شاهدًا آخر بالغ الأهمية. فقد كشفت الدراسات الّتي أُجريت في خلال ترميمها عن طبقات رسم متعددة ومتتالية، بما يدل على أنّ العمل خضع لإعادة رسم وتعديلات على امتداد القرون. وتظهر تحت هذه التدخلات تركيبة قديمة من طراز “الهوديغيتريا”، أي العذراء “المرشدة” الّتي تحمل المسيح وتشير إليه، وهي تنتمي إلى التقليد السرياني. وقد أفضت التحاليل الّتي أُجريت على الأصباغ، والطبقات المختلفة بالمتخصصين المشرفين على ترميمها إلى إرجاع تركيبتها الأصلية إلى القرن العاشر. وليس المهم هنا التوقف عند تاريخ محدد، بقدر ما تكمن الأهمية في عمر هذا الأثر الاستثنائي: فقد أعادت الأجيال رسم الصورة، وترميمها، وتكييفها، من دون أن تنقطع صلتها بها يومًا.
وتمنح طبقات الرسم المتعاقبة هذه العملَ قيمة خاصة. فالصورة لم تعبر القرون سليمةً كما لو كانت قطعة محفوظة في متحف؛ بل واصلت حضورها واستعمالها، وظل الناس ينظرون إليها، ويكرّمونها، ويتبرّكون بها. ويحمل كل تدخل فيها بصمة حقبة مختلفة، بما يتيح تتبع تطور الأيقونوغرافيا المارونية. ومن هذه الزاوية، تشكّل عذراء إيليج أرشيفًا بصريًّا، يكمّل النقوش المحفورة في الحجر والتعليقات الّتي تركت آثارها في المخطوطات.
وتكمّل الكتب هذه الذاكرة. فملاحظات النساخ والرهبان تذكر أحيانًا أسماء البطاركة، أو الأماكن الّتي أقاموا فيها، أو الظروف الّتي انتقل فيها نص من شخص إلى آخر. وفي منطقة أزالت الحروب، والحرائق، والتنقلات، جزءًا كبيرًا من أرشيفها المؤسسي، تتيح هذه الشذرات إعادة رسم ملامح عالم من العصور الوسطى يصعب استيعابه من مصادر أخرى. وهكذا، لا يقتصر التاريخ في إيليج على ما هو منقوش في الأبنية؛ بل يُقرأ أيضًا في حرف سرياني، أو طبقة من الألوان، أو كلمات قليلة أُضيفت يومًا في هامش مخطوط.
المكان الّذي أصبح فيه يوسف شربل
لم يضع رحيل البطاركة حدًّا للدور الديني الّذي اضطلعت به ميفوق. فقد استمر الحضور الرهباني فيها بأشكال أخرى، ودخل دير سيدة ميفوق في مرحلة لاحقة في تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية. وإلى هناك، في عام 1851، وصل يوسف أنطون مخلوف، البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، تاركًا بلدته بقاعكفرا ليبدأ ابتداءه الرهباني. وغادر الشاب آنذاك عائلته والحياة الريفية الّتي بدا أنّه مهيأ لها، ليختار طريق الحياة الرهبانية بصورة نهائية.
وتشكّل ميفوق نقطة تحوّل أساسية في مسيرته، إذ اتّخذ في خلال السنة الرهبانية الابتدائية الأولى اسم شربل. وفي عام 1852، تابع تكوينه في دير مار مارون في عنايا، حيث نذر نذوره الأولى في السنة التالية، قبل أن يدرس الفلسفة واللاهوت في كفيفان. وسترتبط حياته الكهنوتية، ثم النسكية، ارتباطًا وثيقًا بعنايا، حيث توفي عام 1898، وحيث سيصبح ضريحه واحدًا من أبرز مواقع الحج في لبنان. لكنّ تحوّل يوسف مخلوف إلى الأخ شربل كان قد بدأ في ميفوق.
مع ذلك، ينبغي التمييز بين طبقات هذه القصة المختلفة. فمقر سيدة إيليج البطريركي القديم، ودير سيدة ميفوق الّذي أمضى فيه شربل فترة ابتدائه الرهباني، ينتميان إلى مرحلتيْن وسياقيْن مختلفيْن. غير أنّ تقاربهما يتيح تتبع استمرارية لافتة للحضور الديني في رقعة جغرافية واحدة. فقد خلفت الجماعات الرهبانية الأخرى البطاركة في العصور الوسطى، وتبدلت الوظائف من دون أن تنقطع وظيفة المكان الروحية.
تمثل بكركي اليوم استقرار المؤسسة البطريركية المارونية. أمّا ميفوق، فتستحضر زمنًا لم يكن فيه هذا الاستقرار ممكنًا بالاعتماد على مكان واحد. رحل البطاركة إلى قنوبين، وتبدلت مقار المؤسسات، لكنّ إيليج احتفظت في حجارتها، وأيقوناتها، ونقوشها، بذاكرة مرورهم. ثم، بعد أكثر من أربعة قرون على رحيل المقر البطريركي، جاء مبتدئ شاب ليضيف صفحة أخرى إلى هذه القصة. وصل باسم يوسف أنطون مخلوف، ومضى في طريقه باسم شربل.
ميفوق: موئل البطاركة قبل بكركي بزمن طويل هنا لبنان.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل ميفوق: موئل البطاركة قبل بكركي بزمن طويل نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هنا لبنان و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.