- الاكثر زيارة- اخبار محلية

اخبار محلية السودان وأزمة النخب: من معارضة السلطة إلى صناعة الدولة

اخبار محلية
سوداني نت قبل 2 ساعة و 7 دقيقة

اليكم الان السودان وأزمة النخب: من معارضة السلطة إلى صناعة الدولة والان إلى التفاصيل من المصدر سوداني نت:

لم تعد أزمة السودان قابلة للتفسير من خلال الحرب وحدها، كما لا يمكن اختزال انهيار الدولة في الصراع المسلح الذي انفجر في أبريل 2023. فالحرب، على فداحة آثارها الإنسانية والسياسية والاجتماعية، كشفت عن أزمة أعمق وأقدم: أزمة دولة لم تنجح النخب السياسية في تأسيس قواعد مستقرة لحكمها، وأزمة نخبة معارضة لم تتمكن، على مدى عقود، من تحويل رفضها للسلطة إلى مشروع وطني متكامل قادر على بناء البديل.

ولذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحاً في السودان اليوم لا ينبغي أن يكون فقط: من ينتصر في الحرب؟ وإنما: أي دولة نريد أن نبني بعد الحرب، ومن يملك الرؤية والقدرة والشرعية الأخلاقية والمؤسسية لبنائها؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً. إنها جوهر الأزمة السودانية. فالبلدان لا تنهار عندما تتعرض فقط لصراع مسلح، وإنما تنهار عندما تفقد مؤسساتها قدرتها على حماية المواطن، وعندما تتحول السياسة إلى صراع على الموارد والنفوذ، وعندما تصبح الدولة مجالاً لتوزيع الامتيازات بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً للحقوق والواجبات. وفي الحالة السودانية، تداخلت هذه العوامل مع ضعف المؤسسات، والاستقطاب السياسي والمجتمعي، وتراكم مظالم تاريخية، واختلالات اقتصادية، وتوظيف الهويات الاجتماعية في الصراع على السلطة.

ومن هنا فإن مسؤولية الخروج من الأزمة لا تقع على القوى المسلحة وحدها، ولا على الحكومة وحدها، ولا على المجتمع الدولي وحده؛ بل تقع أيضاً على عاتق القوى السياسية والمدنية والنخب الفكرية والمجتمعية التي تطمح إلى قيادة مرحلة ما بعد الحرب. وهذه المسؤولية تفرض عليها مراجعة شجاعة وهادئة لتجربتها، بعيداً عن إنكار الأخطاء أو تحميل الآخرين وحدهم مسؤولية الكارثة.

إن واحدة من أكبر نقاط الضعف في المشهد السياسي السوداني تمثلت في أزمة الثقة بين النخب والقوى المعارضة. فقد أصبح الاختلاف السياسي في كثير من الأحيان يتحول إلى تنافس على الشرعية والتمثيل، ثم إلى صراع على المواقع والنفوذ، بدلاً من أن يكون اختلافاً طبيعياً حول البرامج والسياسات. وعندما تغيب الثقة، يصبح الاتفاق الوطني أكثر صعوبة، لأن كل طرف ينظر إلى الاتفاق باعتباره احتمالاً لخسارة نفوذه، لا فرصة لبناء وطن مستقر.

وهنا يجب التمييز بين التسوية السياسية والعقد الوطني. التسوية قد تجمع أطرافاً متنافسة حول ترتيبات مؤقتة للسلطة، أما العقد الوطني فيؤسس لقواعد جديدة للدولة والمجتمع، ويحدد طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات، ويضع ضمانات الحقوق والحريات، ويؤسس لمبدأ تداول السلطة، ويمنع احتكار الدولة من أي حزب أو جماعة أو مؤسسة.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الاتفاقات التي تركز على توزيع السلطة دون معالجة جذور الأزمة تظل هشة وقابلة للانهيار. ولذلك فإن السودان لا يحتاج إلى اتفاق سياسي آخر يضاف إلى سلسلة الاتفاقات السابقة بقدر ما يحتاج إلى عملية وطنية شاملة تعيد تعريف قواعد الدولة نفسها.

وفي قلب هذه العملية ينبغي أن تكون مسألة تجديد النخب السياسية. فالسودان تغير اجتماعياً وفكرياً بصورة كبيرة، بينما ظلت قطاعات من نخبه السياسية تعمل بأدوات ومفاهيم تنتمي إلى مراحل سابقة. وفي المقابل نشأ جيل جديد من الشباب السوداني يمتلك خبرات مختلفة، وتعلم في بيئة رقمية مفتوحة، وانخرط في العمل المدني والإنساني والمجتمعي، وشارك في الحراك السياسي، وأظهر قدرة كبيرة على التنظيم والمبادرة وتحمل المسؤولية.

ومع ذلك، ظل حضور الشباب في كثير من العمليات السياسية أقرب إلى التمثيل الرمزي منه إلى المشاركة الفعلية في صناعة القرار.

وهذه ليست مشكلة سودانية منفردة، بل أصبحت المشاركة السياسية الهادفة للشباب جزءاً من النقاش الدولي حول السلام والديمقراطية وبناء المؤسسات. وقد أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أدبياته الحديثة أن المشاركة الشبابية ذات المعنى يمكن أن تعزز العمليات السياسية والانتخابية الأكثر شمولاً وسلاماً، وأن التعامل مع الشباب بوصفهم شركاء في صناعة القرار، وليس مجرد فئة مستهدفة، أصبح ضرورة لبناء نظم سياسية أكثر استدامة.

ومن ثم فإن السودان لا يحتاج إلى استدعاء الشباب عند لحظة الثورة ثم إبعادهم عند لحظة التفاوض؛ بل يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الأجيال، تقوم على الكفاءة والخبرة والتمثيل العادل، وتمنح القيادات الشبابية الناشئة مساحة حقيقية في صناعة السياسات العامة، وفي عمليات السلام، وفي بناء المؤسسات، وفي إعادة الإعمار.

لكن أزمة النخب لا تتعلق فقط بالتمثيل، وإنما أيضاً بالقدرة على التفكير السياسي وإنتاج المعرفة. فالمعارضة التي تكتفي بتشخيص أخطاء السلطة من دون أن تمتلك تصوراً بديلاً لإدارة الدولة تظل معارضة احتجاجية، ولا تتحول إلى قوة قادرة على بناء نظام سياسي جديد.

السودان اليوم يحتاج إلى قوى سياسية تستطيع أن تجيب بوضوح عن الأسئلة التي ستواجه الدولة في اليوم التالي للحرب: كيف يعاد بناء الاقتصاد؟ كيف تعالج آثار الحرب؟ كيف تعاد الخدمة المدنية إلى مهنيتها؟ كيف تستعاد الثقة في القضاء؟ كيف يعاد بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أساس وطني ومهني؟ كيف تتم معالجة النزوح واللجوء؟ كيف تتحقق العدالة الانتقالية؟ كيف تتم إعادة الإعمار؟ وكيف يمكن بناء نظام سياسي يمنع تكرار الانقلابات والحروب؟

إن امتلاك مشروع للمعارضة لا يعني امتلاك مشروع للدولة. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يريد إسقاط نظام ومن يريد بناء جمهورية.

وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى لا تقل خطورة، وهي ضعف القدرة على قراءة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه السودان. فالدولة السودانية تقع في منطقة شديدة الحساسية، وتتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية مع قضايا الأمن والغذاء والهجرة والموارد والطاقة والحدود. ولذلك فإن بناء الدولة السودانية المقبلة يتطلب نخبة قادرة على الجمع بين الرؤية الوطنية والفهم العميق للبيئة الإقليمية والدولية، من دون التفريط في السيادة أو تحويل البلاد إلى ساحة للمحاور الخارجية.

كما أن الإصلاح السياسي لا يمكن فصله عن الإصلاح المؤسسي. فالحديث عن تفكيك الدولة العميقة، على سبيل المثال، ينبغي ألا يتحول إلى شعار للانتقام السياسي أو إلى عملية إقصاء جماعي. المطلوب هو تفكيك شبكات النفوذ غير المشروع والفساد واستغلال مؤسسات الدولة، مع حماية مؤسسات الدولة نفسها وإعادة بنائها على أساس المهنية والقانون والمساءلة.

وهنا تصبح سيادة القانون شرطاً للاستقرار وليست نتيجة له. فوجود مؤسسات قضائية مستقلة، وآليات فعالة للمساءلة، وإدارة عامة مهنية، وأجهزة رقابية مستقلة، وشفافية في إدارة المال العام، كلها عناصر أساسية لمنع إعادة إنتاج شبكات الفساد والنفوذ. وهذا يتسق مع المقاربة التي يطرحها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، حيث يربط بين سيادة القانون والعدالة والحوكمة والسلام والاستقرار طويل الأمد.

ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ السودان السياسي، وهي تسييس الهويات والانتماءات الاجتماعية.

فالقبيلة والطائفة والجهة ليست في ذاتها مشكلة؛ فهي مكونات اجتماعية وثقافية أصيلة في المجتمع السوداني. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الانتماءات إلى أدوات لتوزيع السلطة والثروة، أو إلى معايير للولاء السياسي، أو إلى وسائل للحشد والصراع والإقصاء.

إن المحاصصة القائمة على الهوية قد تنتج هدنة سياسية مؤقتة، لكنها لا تنتج دولة وطنية مستقرة. والدولة التي تمنح الحقوق على أساس الانتماء لا تستطيع أن تؤسس مواطنة متساوية. ولذلك فإن تجاوز الاستقطاب الطائفي والجهوي لا يعني محاربة التنوع، بل يعني تحرير التنوع من التوظيف السياسي الذي يحوله إلى أداة للصراع.

السودان لا يحتاج إلى انتصار قبيلة على قبيلة، ولا إقليم على إقليم، ولا طائفة على طائفة؛ بل يحتاج إلى انتصار مفهوم المواطنة على العصبيات السياسية، وانتصار القانون على القوة، وانتصار الكفاءة على المحاصصة، وانتصار المؤسسة على الشخص.

ومن هنا فإن بناء السلام الحقيقي يتطلب أكثر من وقف إطلاق النار. فالسلام المستدام يحتاج إلى عدالة، ومصالحة، ومؤسسات، وتنمية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ومعالجة الأسباب البنيوية التي أنتجت النزاع. وقد أكدت المقاربات الإقليمية والدولية الحديثة بشأن السودان أن الأزمة متعددة الأبعاد، وأن معالجة جذورها تتطلب عملية سياسية شاملة وشفافة وذات ملكية سودانية، لا مجرد تسوية مؤقتة بين الأطراف المتصارعة.

وفي هذا الإطار، ينبغي ألا تكون المرأة والشباب والمجتمع المدني مجرد ضيوف على العملية السياسية، بل أطرافاً أصيلة فيها. فالمرأة السودانية لعبت أدواراً أساسية في المجتمع والعمل الإنساني والوساطة المحلية، ومع ذلك ظل حضورها في عمليات السلام الرسمية أقل من حجم مساهمتها الفعلية. وقد شددت الأمم المتحدة في 2026 على ضرورة المشاركة الكاملة للنساء في عمليات السلام، وعلى أهمية الدور الذي تؤديه المنظمات النسوية في حماية المجتمعات ومواجهة خطاب الكراهية وتسهيل الوصول الإنساني.

إن السودان بحاجة إلى إعادة تعريف معنى النخبة السياسية نفسها. النخبة ليست من يملك تاريخاً طويلاً في العمل السياسي فقط، وليست من يملك القدرة على الوصول إلى غرف التفاوض، وإنما هي من يمتلك المعرفة والكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية العامة، ومن يستطيع أن يضع المصلحة الوطنية فوق المصلحة الشخصية والحزبية.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نخبة جديدة في طريقة تفكيرها، لا بالضرورة جديدة في أعمارها فقط؛ نخبة قادرة على الاعتراف بالأخطاء، وعلى مراجعة التجربة السياسية، وعلى الاستماع إلى المجتمع، وعلى قبول النقد، وعلى العمل مع المختلفين معها، وعلى تحويل المعرفة إلى سياسات، والسياسات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

إن السودان لا يحتاج إلى معارضة تنتظر انهيار خصومها، وإنما إلى قوى وطنية تستعد منذ الآن لبناء الدولة. ولا يحتاج إلى خطاب يكتفي بإدانة الماضي، وإنما إلى رؤية تستطيع أن تمنع تكراره.

ومن هنا، فإن أي مشروع وطني جاد ينبغي أن يقوم على مجموعة من المبادئ الحاكمة: دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية؛ سيادة كاملة للقانون؛ استقلال القضاء؛ مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية وموحدة وخاضعة للسلطة المدنية الدستورية؛ مكافحة ممنهجة للفساد؛ عدالة انتقالية تضمن حقوق الضحايا وتمنع الإفلات من العقاب؛ مشاركة حقيقية للشباب والنساء؛ إدارة عادلة للتنوع؛ إصلاح اقتصادي ومؤسسي؛ وإعادة إعمار تجعل الإنسان محوراً للسياسات العامة.

ولا ينبغي أن يُنظر إلى هذه المبادئ باعتبارها شعارات مثالية. إنها شروط عملية لبقاء الدولة. فالدولة التي لا تستطيع أن توفر العدالة ستنتج العنف، والدولة التي لا تستطيع توفير الفرص ستنتج الهجرة واليأس، والدولة التي لا تحمي مواطنيها ستفقد شرعيتها، والدولة التي تسمح بالفساد أن يصبح نظاماً ستفقد قدرتها على إدارة مواردها، والدولة التي تسمح للمحاصصة بأن تحل محل المواطنة ستظل مهددة بالتفكك.

لقد حان الوقت لكي تنتقل القوى السياسية السودانية من منطق المعارضة إلى منطق المسؤولية الوطنية؛ ومن سؤال من يحكم إلى سؤال كيف تُحكم الدولة؛ ومن التنافس على السلطة إلى التنافس على جودة المشروع الوطني؛ ومن إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على منعها.

إن مستقبل السودان لن تحدده فقط نتيجة المعركة العسكرية، وإنما ستحدده أيضاً قدرة السودانيين على إنتاج عقد سياسي واجتماعي جديد يمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب. وإذا فشلت النخب مرة أخرى في تحويل المأساة إلى فرصة لإعادة تأسيس الدولة، فإن انتهاء الحرب لن يعني بالضرورة انتهاء الأزمة.

أما إذا امتلكت هذه النخب شجاعة المراجعة، ووضعت المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، وفتحت المجال أمام الشباب والنساء، وتجاوزت الاستقطاب الطائفي والجهوي، وأعادت بناء المؤسسات على أساس القانون والكفاءة والمساءلة، فإن السودان يستطيع أن يحول واحدة من أكثر مراحله مأساوية إلى نقطة تأسيس تاريخية لجمهورية جديدة.

فالمعركة الحقيقية ليست فقط مع الحرب، وإنما مع العقل السياسي الذي سمح للحرب بأن تصبح ممكنة؛ وليست فقط مع الفساد، وإنما مع البنية التي تحميه؛ وليست فقط مع الدولة العميقة، وإنما مع ضعف المؤسسات التي تمنع إعادة إنتاجها؛ وليست فقط مع الانقسام، وإنما مع ثقافة الإقصاء التي جعلت الاختلاف يتحول إلى عداء.

إن السودان لا يحتاج إلى نخب تتصارع على أنقاض الدولة، بل إلى قيادة تمتلك القدرة على إعادة بناء الدولة من أساسها.

فالسلام الذي لا ينتج دولة عادلة سيظل هدنة، والديمقراطية التي لا تنتج مؤسسات ستظل شعاراً، والانتقال الذي لا يغير قواعد اللعبة سيعيد إنتاج الماضي، والمعارضة التي لا تمتلك مشروعاً للدولة ستظل جزءاً من الأزمة التي تسعى إلى إنهائها.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به السودان نخبه اليوم ليس: من سيحكم؟

بل السؤال الأكثر أهمية هو:

هل نملك الشجاعة لبناء دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى قبيلة تحميه، أو طائفة تمثله، أو حزب يمنحه حقه؛ لأن الدولة نفسها أصبحت هي الضامن للحرية والكرامة والعدالة والمواطنة؟

هناك، تحديداً، يبدأ السودان الجديد.

السودان وأزمة النخب: من معارضة السلطة إلى صناعة الدولة سوداني نت.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل السودان وأزمة النخب: من معارضة السلطة إلى صناعة الدولة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سوداني نت و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار محلية اليوم