- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية تَجْدِيدُ النُّخَب

اخبار عربية
هسبريس قبل 2 ساعة و 16 دقيقة

اليكم الان تَجْدِيدُ النُّخَب والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

منذ مدة، وأنا أتابعُ خطابات تتحدث عن النّخب كما لو أنها مفتاح كل إصلاح، وأقرأ تحليلات تردُّ إليها أسباب التقدم والتّعثر، وأصغي إلى نقاشات تتكرر فيها الدعوة إلى التجديد حتى كادت العبارة تفقد قدرتها على الإدهاش. ومع كل خطاب جديد، كان السؤال يتسع في ذهني: عن أي نخب نتحدث؟ عن أولئك الذين يتصدرون المشهد، أم عن الذين يصنعون اتجاهه من وراء الستار؟ عن أصحاب المعرفة والكفاءة، أم عن أصحاب النفوذ والقدرة على الوصول؟ وكلما تعمقتُ في التأمّلِ، اتضح لي أن القضية لا تتعلق بأسماء تتغير ولا بأجيال تتعاقب، وإنما تتعلق بمنظومة تختار من يتقدم، وتحدد له حدود الفعل، ثم تمنحه شرعية الحديث باسم المجتمع. فالنخبة لا تبدأ عند المنصب، ولا تنتهي عنده؛ إنها ثمرة فرص وعلاقات وموازين قوة، وهي مرآة تكشف مقدار ما يؤمن به المجتمع من عدالة، ومقدار ما يسمح به من حركة، ومقدار ما يحتمل من نَقْد. لذلك لا يكفي أن نسأل من يقرر، ومن يتكلم، إذ ينبغي أن نسأل أيضًا: كيف وصل؟ ولماذا وصل؟ ومن يدفع ثمن اختياراته؟.

عند هذه الأسئلة يبدأ المعنى الحقيقي للنخب، وعندها يتحول الحديث عنها إلى مساءلة تمس جوهر السلطة، وميزان الاستحقاق، وصورة المستقبل التي يريد المجتمع أن يصنعها. لذلك، يعود الحديث عن تجديد النخب كلما شعر المجتمع بأن الزمن يتحرك أسرع من مؤسساته، وأن الأسئلة تتغير بينما تواصل الوجوه نفسها تقديم الأجوبة القديمة. يظهر هذا الحديث حين تتسع المسافة بين تطلعات الناس وقدرة المسؤولين على فهمها، وحين يفقد الخطاب العام صلته بالواقع، وحين تتحوّل المواقع إلى فضاءات مغلقة تتداولها الأسماء ذاتها وفق قواعد لا يعرفها المواطن ولا يشارك في صياغتها. عندئذ يبدو التجديد وعدًا بالخروج من الركود، ويصبح استدعاء المستقبل محاولة لإنقاذ الحاضر من التّكرار.

غير أن كثرة الحديث عن التجديد لا تعني أن المجتمع قد فهم معناه. فالمصطلحات تفقد قوتها عندما تستهلكها الخُطب. يستطيع المسؤول أن يغير الأشخاص من دون أن يغير منطق الاختيار، وتستطيع المؤسسة أن تستقدم وجوهًا أصغر سنًا من دون أن تسمح لها بصناعة القرار، ويستطيع الحزب أن يرفع شعار الانفتاح ثم يواصل حماية مراكز النفوذ داخله. وهكذا يحضر التجديد في الصورة، فيما يستمر القديم في التحكم في الاتجاه.

من هنا، لا يعني تجديد النخب استبدال اسم باسم، ولا تعويض جَيْل بجَيل، ولا ملء الواجهات بوجوه أكثر شبابًا. إنه تغيير في الفكرة التي تحدد من يستحق الوصول إلى المسؤولية، وفي الثقافة التي تضبط العلاقة بين المنصب وصاحبه. قد يحمل شاب في الثلاثين وعيًا أكثر انغلاقًا من وعي رجل تجاوز السّتين. من هذا المنظور، يرتبط التجديد الحقيقي بطبيعة الوعي أكثر مما يرتبط بِسَنةِ الميلاد. النخبة الجديدة لا تستحق هذا الوصف لأنها دخلت المؤسسة بعد غيرها، وإنما تستحقه عندما تفهم المسؤولية بوصفها عقدًا أخلاقيًا مع المجتمع، وتدرك أن المنصب لا يرفع صاحبه فوق الناس، وإنما يضاعف واجبه تجاههم.

الكرسي أولًا، ثم المبادئ

النّخبة في معناها العميق ليست طبقة تتفوق على المجتمع، إنها بالأحرى فئة تتحمّل عبء التفكير في مصيره. يملك أفرادها أدوات المعرفة أو القرار أو التأثير، ولذلك يحملون مسؤولية أكبر من المسؤولية العادية. يمنحهم المجتمع فرصة الوصول إلى المعلومات والموارد ومواقع القيادة، وينتظر منهم أن يُحوّلوا هذه الفرصة إلى خدمة عامة. وحين يفْصلُ صَاحبُ الموقع بينَ الامتياز والمسْؤولية، تنقلبُ النّخبة إلى جمَاعة مصالح، وتتحوَّل السّلطة من وسيلة لتنظيم الحياة المشتركة إلى أداة لحمَاية المكانة. عندئذ يختلطُ العام بالخاص، ويصبح الولاء للفرد أقوى من الولاء للمؤسسة، ويصير النقد تهديدًا، ويغدو الاختلاف خروجًا عن الصَّف. ومع مرور الزمن، يتعلم الجميع أن الطريق إلى الصعود لا يمرُّ عبر الاجتهاد وحده، وإنما يمر عبر القدرة على التكيف مع رغبات الأقوى.

تظهر المسافة بين النخبة والمجتمع عندما يتكلم المسؤول بلغة لا تمسّ حياة الناس، وحين يقدم أرقامًا ناجحة في واقع يزداد فيه الشعور بالعجز. قد تحقق المؤسسة مؤشرات تقنية مقبولة، بينما يشعر الفرد أن حياته تتراجع. وقد تعلن الحكومة عن نمو اقتصادي، فيما لا يجد الشاب فرصة عمل تحفظ كرامته. وقد تتحدث الإدارة عن تحديث الخدمات، بينما يقضي المواطن أيامًا بين الشبابيك والوثائق. من هنا لا يكفي صدق الأرقام، لأن السياسة لا تعيش داخل الجداول فقط، وإنما تعيش في الإحساس الذي تتركه القرارات داخل المجتمع. والنخبة التي لا تسمع هذا الإحساس تفقِدُ قُدرتها على القيادة، حتى لو احتفظت بسلطتها القانونية؛ فالشرعية لا تقوم على النّصوص وحدها، إنها تحتاج إلى ثقة، والثقة لا تولد من الخطاب، وإنما تنشأ من التّوافق بين القول والفعل. حين يعِدُ المسؤول الناس بالإصلاح ثم يكرر الأساليب نفسها، يتراجع رصيد الثّقة؛ وحين يطلب منهم الصّبر من دون أن يشاركهم كُلفة الانتظار، يتحول الصّبر إلى شعور بالظلم؛ وحين يطالبهم بالتّضحية بينما يحافظ على امتيازاته، يفقد كلامه قِيمته الأخلاقية.

أيُّ نخب نريد للمستقبل؟

لهذا يتصل تجديد النخب بتجديد العلاقة بين السلطة والحقيقة. تحتاج المجتمعات إلى مسؤولين يملكون شجاعة الاعتراف بالحدود والأخطاء، ولا يختبئون خلف لغة التبرير. فالمسؤول الذي يعترف بخطئه لا يضعف المؤسسة، وإنما يمنحها فرصة التّعلم. أما من يصرّ على العِصْمة، فإنه يُحوِّل الخطأ العابر إلى خلل دائم، لأنّ الخوف من الاعتراف يمنع المراجعة، ويجعل الدفاع عن القرار أهمّ من تصحيحه. كما لا يمكنُ لِحِزْبٍ يرفضُ التّداول داخل هياكله أن يُقنع المجتمع بالديمقراطية. ولا يستطيع تنظيمٌ يُقدِّسُ الزّعامة أن ينتج قيادات حُرة. فالثقافة الدّاخلية تنتقل إلى الممارسة العامة، ومن يتعلم الصَّمت داخل حزبه سيحمل الصمت معه إلى البرلمان والحكومة. لذلك يحتاج تجديد النخب السياسية إلى تحديد مُدَدِ المسؤوليات، وفتح المنافسة، وربط التزكية بالحضور المجتمعي والكفاءة والنّزاهة، كما يحتاجُ إلى احترام الخِلاف الفكري، لأنَّ الحزب الذي يطردُ المختلفين يتحوَّلُ إلى جماعةِ ولاءٍ لَا إلى مَدرسة سِياسية.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

تَجْدِيدُ النُّخَب Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل تَجْدِيدُ النُّخَب نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم