اليكم الان عطشُ وعضعضة حريم في المعلا والان إلى التفاصيل من المصدر سما نيوز
كتب: د. مسعود عمشوش
لم يكن انقطاع الماء في المعلا خبرًا جديدًا يستحق أن يتناقله الناس، فقد صار الماء في عدن، منذ سنوات، ضيفًا ثقيل الظلّ؛ يأتي متى شاء، ويغيب متى شاء، ويترك وراءه بيوتًا تتنازع على ما تبقى في الخزانات، وأعصابًا يابسة كأنها مواسير صدئة.
لكن انقطاع الماء سبعة أيام متواصلة شيء آخر.
في الأحياء المكتظة، حيث العمارات متلاصقة، والشقق فوق الشقق، والخزانات فوق الأسطح، وحيث لا تكاد تجد موطئ قدم خلف العمائر من كثرة المواسير والمضخات والمحابس، يصبح الماء أكثر من حاجة. يصبح قضية وكرامة ومصدرًا دائمًا للخصومة.
في ذلك الصباح، كان شارع المعلا الرئيسي يغلي بحرارته المعتادة. الشمس تضرب الواجهات، والسيارات تمر ببطء، والباعة يرفعون أصواتهم، فيما كانت نساء العمارة يراقبن الخزانات بقلق، كأنهن يراقبن مريضًا في غرفة الإنعاش.
خرجت الحاجة هند مدرم من شقتها، تحمل في يدها إناءً فارغًا، وصعدت بضع درجات حتى التقت بجارتها الحاجة فردوس العمري عند درج العمارة.
توقفت هند، ونظرت إليها نظرة طويلة، ثم قالت:
— يا فردوس، قولي لي بالله عليك: ابنك عمر هو الذي أغلق محبس الدينما حق شقتنا؟
رفعت فردوس حاجبيها بدهشة مصطنعة:
— عمر؟ وما شأن عمر بالدينما حقكم وبخزانتكم يا هند؟
اقتربت هند منها وقالت، وقد بدأ الغضب يسبق كلماتها:
— شأنه أنه البلطجي الذي صار يتحكم في الماء من تحت العمارة! أغلق المحبس، ومن يومها لم تصلنا قطرة واحدة. نحن اليوم في اليوم الخامس، والخزان ناشف مثل قلبك!
قالت فردوس ببرود:
— وأنا أقول لك إن عمر لم يفعل شيئًا. أنتِ التي تبحثين عن شماعة تعلقين عليها مصيبتكم.
اشتعل وجه هند:
— حسبي الله في ولدك البلطجي! الله لا يوفقه ولا يسقيه قطرة ماء، لا اليوم ولا يوم الحساب!
تغير وجه فردوس فجأة، ورفعت صوتها:
— لا تدعي على ولدي يا هند! أنتِ تعرفين الحقيقة، والناس كلها فاهمة أن آل مدرم هم الوحيدون الذين خزاناتهم مليانة دوب الوقت. والدينما السارق حقكم يشفط الماء طوال أيام الأسبوع، إن شاء من الحسوة! وبعدين تجين تكذبين على الناس؟ قولي الحمد لله وبس!
— أنا أكذب؟!
— نعم، تكذبين!
— وأنا أسرق الماء؟!
— ومن غيركم؟!
اصبح صوت المرأتين عند مدخل العمارة كأنه اصطدام معدني في ممر ضيق. بدأت أبواب الشقق تُفتح، وظهرت رؤوس من خلفها. إحدى النساء أغلقت بابها ثم عادت وفتحته قليلًا. طفلان جلسا على الدرجة يتابعان المشهد بعينين واسعتين.
قالت هند: — والله إنك أنتِ وولدك ما خليتوا للناس ماء! كل يوم تشغلون الدينما على كيفكم، وملقين الماء حقكم وحدكما!
ردت فردوس: — والماء الذي يصلنا من الشبكة صار ملكًا خاصا لآل مدرم؟!
— نحن ندفع ونخزن.
— ونحن ندفع ونخزن، لكن أنتم تفتحون المحبس وقت ما تشتهون وتغلقونه على خلق الله!
— كذابة!
— بل أنتِ الكذابة!
هنا لم يعد أحد يعرف أين انتهى الكلام وأين بدأت المشاجرة.
مدت هند يدها فجأة إلى حجاب فردوس، وجذبته بعنف حتى انزلق عن رأسها.
صرخت فردوس: — يا ناس! شوفوا هند ماذا تفعل!
ثم أمسكت بعباءة هند من صدرها، وشدت عليها حتى تمزق طرفها.
— اتركي عباءتي يا مجنونة!
— وأنتِ اتركي حجابي!
لكن لا هند تركت الحجاب، ولا فردوس تركت العباءة.
وفي لحظة، تحولت المشادة إلى عراك كامل. أمسكت هند بفردوس من كتفها، فردت عليها فردوس بعضة في كتفها جعلتها تصرخ:
— آآآه! عضّتني! يا ناس، هذه المرأة عضّتني!
كانت الحاجة سعاد، جارتهما، قد وصلت في تلك اللحظة وهي تلهث من صعود الدرج.
قالت: — يا نسوان، عيب! عيب عليكم! على شان الماء؟ اتقين الله!
مدت سعاد يدها لتفصل بينهما، وما إن اقتربت حتى أمسكت فردوس يدها، وفي غمرة الارتباك عضتها هي الأخرى.
سحبت سعاد يدها وهي تصرخ: — يا فردوس! أنا سعاد! مش هند!
توقفت فردوس لحظة، ونظرت إليها كأنها تراها للمرة الأولى.
قالت: — والله ما عاد أشوف قدامي!
قالت سعاد وهي تمسك يدها: — واضح! أنتِ ما عاد تشوفي لا قدامك ولا وراك!
لكن الاشتباك لم ينتهِ.
خرج رجل من أحد المحلات المجاورة، ثم تبعه اثنان. وكان بعض الرجال قد شاهدوا المشهد من بعيد، فاقتربوا ببطء، لا لإنهائه منذ اللحظة الأولى، بل لأن الفضول أقوى أحيانًا من الحكمة.
قال أحدهم: — يا جماعة، فرّقوا بين الحريم.
ورد آخر وهو يبتسم: — والله من أول ما وصلنا ونحن نحاول نفهم من بدأ.
قالت سعاد: — أنتم أول شيء فرّقوا بينهن، وبعدها افهموا!
تدخل الرجال أخيرًا، وأمسك اثنان منهم بهند، فيما أبعد آخر فردوس إلى جهة أخرى.
كانت العباءات ممزقة، والحجاب قد انزلق، والأنفاس متلاحقة، والشتائم تتطاير في الهواء أسرع من قطرات الماء التي ينتظرها الجميع.
ومن بين أصوات النساء والرجال، خرج صوت طفل من أعلى الدرج:
— ماما… الماء أجا؟
سكت الجميع لحظة. نظروا إلى الطفل. ثم نظر بعضهم إلى بعض.
لم يكن أحد يعرف ماذا يقول. فالماء لم يرجع.
بعد دقائق، هدأت المشاجرة، لكن شيئًا من آثارها ظل معلقًا في المكان.
جلست هند على الدرجة، تتحسس كتفها الذي عضته فردوس، فيما كانت سعاد تنظر إلى يدها وتقول: — أنا دخلت أصلح بينكم، طلعت أنا المصابة!
كانت فردوس تصلح حجابها بيد مرتجفة، وتقول:
— هي التي بدأت.
فردت هند: — وأنتِ التي عضضتِ!
قالت سعاد: — كلكن بدأتُنّ وانتهيتُنّ بي!
ضحك أحد الرجال ضحكة قصيرة، ثم كتمها عندما رمقته سعاد بنظرة غاضبة.
عاد الناس إلى شققهم ومحالهم. بقيت المواسير في مكانها. وبقيت المضخات ساكنة. وبقيت الخزانات فارغة. أما الماء، فظل بعيدًا، كأنه يتفرج من مكان ما على أهل المعلا وهم يتشاجرون من أجله. في المساء، انتشر خبر المشاجرة في الحي أسرع من أي إعلان رسمي عن مواعيد ضخ المياه. قال بعضهم إن هند قطعت حجاب فردوس. وقال آخرون إن فردوس مزقت عباءة هند وعضتها. وأضاف ثالث أن سعاد تلقت العضة بدلًا من هند. لكن أحدًا لم يسأل السؤال الأهم:
لماذا وصل الأمر بالناس إلى أن يتشاجروا على قطرة ماء؟
فالمشكلة لم تكن في هند ولا في فردوس، ولا حتى في عمر العمري وحده. المشكلة كانت في مدينة عطشى. مدينة صار سكانها يعرفون أسماء المحابس والمضخات والخزانات أكثر مما يعرفون أسماء المسؤولين عن الماء.
وفي صباح اليوم التالي، وقفت هند عند الدرج نفسه، ونظرت إلى المحبس. ثم جاءت فردوس. نظرَت كل واحدة منهما إلى الأخرى. لم تتحدثا. فقط كان هناك صوت واحد يأتي من مكان بعيد:
خرير ماء… أو ربما كان مجرد وهم. اقتربتا من المواسير. وضعت هند أذنها على الأنبوب. قالت فردوس: — تسمعين شيئًا؟
قالت هند: — لا.
ثم أضافت بعد لحظة: — يمكن الماء خائف يدخل علينا.
نظرت إليها فردوس، وكادت تضحك.
لكنها لم تضحك. فقد كان العطش أكبر من أن يسمح حتى بالضحك. وفي تلك اللحظة، أدركت المرأتان أن خصومتهما الصغيرة لم تكن سوى صورة مصغرة عن مدينة كاملة تقف كل يوم أمام محبس مغلق، تنتظر من يفتحه. مدينة لا تريد معجزة. ولا تريد سوى شيء بسيط جدًا:
أن تفتح الحنفية… فينزل الماء.
عطشُ وعضعضة حريم في المعلا سما نيوز.
عطش وعضعضة حريم في المعلا
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
سما نيوز عطش وعضعضة حريم في المعلا
كانت هذه تفاصيل عطشُ وعضعضة حريم في المعلا نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على سما نيوز و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

