اخبار عربية مبارك .. فنان يصون ذاكرة سيدي إفني
اليكم الان مبارك .. فنان يصون ذاكرة سيدي إفني والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
لا يكون الفن عند بعض الفنانين مجرد ممارسة جمالية عابرة، بل يتحول إلى فلسفة في الحياة وطريقة في النظر إلى العالم، ووسيلة لحفظ ما قد تطاله يد النسيان. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة الفنان التشكيلي والمصمم الإفناوي عبد الحي مبارك، الذي ارتبط اسمه، في بداياته، بالفن والتصميم والإخراج البصري، قبل أن تتسع تجربته خلال السنوات الأخيرة لتشمل الكتابة عن مدينة إفني، عن وجوهها وذاكرتها وتفاصيلها الصغيرة، تلك التي تختزن الكثير من الحكايات عن أبناء أحيائها وحاراتها العتيقة.
لقد وجد مبارك في وسائل التواصل الاجتماعي فضاء رحبا للكلمة والتعبير، ومنبرا لاستحضار جوانب من ذاكرة المدينة وتوثيق بعض ملامحها الإنسانية والمكانية. وهكذا غدت الكتابة، في تجربته المتفردة، امتدادا طبيعيا لممارسته الفنية؛ فكما كان يرسم بالصورة والخط واللون، أضحى يكتب بالكلمة ليصون ذاكرة المكان، ويمنحها فرصة أخرى للخلود.
ينتمي عبد الحي إلى جيل عرف إفني خلال ثمانينيات القرن الماضي، في مرحلة كان فيها الماضي الإسباني لا يزال حاضرا في تفاصيل المدينة العمرانية والبصرية، وفي شوارعها وجدرانها وأجوائها العامة. عاش طفولته وشبابه في فضاء يجمع بين آثار مرحلة تاريخية سابقة وحياة جيل جديد نشأ في المدينة واكتشف العالم من خلالها.
مع مرور السنوات، ظهر اسمه في المجال الفني بوصفه فنانا تشكيليا ومصمما للشعارات، وصاحب حس بصري واضح، ثم امتدت تجربته إلى الإخراج الفني وتصميم الصفحات والمطبوعات. وهكذا رافقته الصورة بأشكالها المتعددة، ثم عادت لتظهر في كتاباته عن المدينة وناسها.
من أبرز محطات تجربته المهنية والفنية عمله لسنوات في إخراج مجلة «مشاهد» وتصميم صفحاتها، خصوصا خلال المرحلة الورقية منها.
كان العمل الصحفي والثقافي في زمن الورق يقوم على إيقاع مختلف؛ فالصفحة تبنى بعناية، والعلاقة بين النص والصورة والعنوان والفراغ تشكل جزءا من عملية تحريرية وجمالية متكاملة. وكان المصمم شريكا في صناعة الصفحة وتحديد إيقاعها البصري، إلى جانب الكاتب والمحرر والمصور.
لذلك تكشف تجربة عبد الحي في «مشاهد» عن فنان لم يحصر علاقته بالصورة داخل اللوحة، بل وسعها إلى المطبوع والصفحة والهوية البصرية للمادة الثقافية.
كانت للمطبوعات آنذاك خصوصية لا يمكن استعادتها بالكامل اليوم: رائحة الحبر، ملمس الورق، انتظار صدور العدد، والوقت الذي كان يمنح للصفحة حتى تكتمل. أما الشاشة فقد جاءت بإمكانات أوسع وإيقاع أسرع، لكنها جعلت الصورة أيضا أكثر سرعة في الإنتاج والاستهلاك.
من الصورة إلى ذاكرة المدينة : أولاد حارتنا
لم تتوقف تجربة عبد الحي عند الفن والتصميم والإخراج؛ فمن خلال كتاباته عن إفني يظهر وجه آخر للفنان: وجه الكاتب الذي ينظر إلى الماضي بعين مختلفة.
حين يكتب عن أعلام المدينة ووجوهها، لا يتعامل مع الذاكرة باعتبارها مجرد أرشيف للأسماء والتواريخ، بل يراها حياة كاملة تتشكل من البشر والأمكنة والحكايات والتفاصيل. وتستمد كتابته قوتها من قربه من الموضوع؛ فهو لا يكتب عن مكان بعيد أو عن ذاكرة غريبة عنه، بل عن مدينة عاش فيها، وعرف بعض وجوهها، وخبر تفاصيلها وملامحها عن قرب.
صحيح أنه غادرها في فترة من حياته ليستقر بمدينة أكادير بحكم عمله، غير أن الحنين إلى موطنه الأصلي ظل يشده إليها، فلم يلبث أن عاد إليها، كما يعود الطائر إلى عشه بعد غياب.
لذلك تبدو نصوصه أقرب إلى استعادة شخصية للزمن، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز حدود التجربة الفردية لتلامس ذاكرة جماعية أوسع. فهو يكتب عن الأشخاص، فتظهر من خلفهم المدينة؛ ويستحضر الوجوه، فتنهض الأمكنة من جديد؛ ويتوقف عند تفصيل صغير، فإذا به يقود إلى زمن كامل، وإلى جيل كامل، منحتني الأقدار أنا شخصيا شرف الانتماء إليه. ولعل هذا ما يجعلني أجد في كتابته شيئا من ذاكرتي الخاصة، وأشعر وأنا أقرأها أنني لا أستعيد ماضي الآخرين فحسب، بل أستعيد جانبا من زمن عشته وانتميت إليه.
من السمات اللافتة في كتاباته ميله إلى الاقتصاد في النشر والكلام. فهو لا يحول منصات التواصل إلى تدفق دائم للكلمات، وإنما يكتب عندما يجد ما يستحق الكتابة.
وتكتسب هذه السمة أهميتها في زمن أصبحت فيه كثرة الحضور معيارا للحضور نفسه. فالقيمة، في تجربته، لا تبدو مرتبطة بعدد المنشورات، وإنما بما يمكن أن يتركه النص في ذاكرة القارئ.
لهذا تجد كتاباته هادئة، بعيدة عن الاستعراض، تركز على استعادة التفاصيل أكثر من إطلاق الأحكام. وهو لا يحاول فرض الماضي على الحاضر أو تقديم المدينة في صورة مثالية، بل يترك للذاكرة أن تتحدث من خلال الأشخاص والأمكنة والحكايات.
وهكذا، يصعب فصل تجربة عبد الحي مبارك عن إفني؛ فالمدينة في كتاباته ليست مجرد خلفية جغرافية، بل شخصية قائمة بذاتها. إنها مدينة تغيرت ملامحها، وتبدلت أجيالها، وغابت عنها وجوه، وظلت فيها رغم ذلك آثار كثيرة مما عاشه أبناؤها. كما يصعب اختزاله في صفة واحدة. فهو فنان تشكيلي، ومصمم، وصاحب تجربة في تصميم الشعارات والإخراج البصري، وعمل سنوات في عالم المجلات الورقية، كما أسلفنا، ويبدو أنه وجد أخيرا ضالته في الكتابة وذلك من أجل مواصلة علاقته بالصورة والمدينة والذاكرة.
فالفنان هنا لا يعيش داخل مرسم مغلق بعيدا عن الناس والأمكنة، ولا يتعامل مع الإبداع باعتباره نشاطا منفصلا عن الحياة؛ فعلاقته بالمدينة وذاكرتها الغنية جزء من ممارسته الفنية، مثلما أن علاقته بالخط واللون والتكوين جزء من طريقته في رؤية العالم.
مبارك .. فنان يصون ذاكرة سيدي إفني Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل مبارك .. فنان يصون ذاكرة سيدي إفني نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.