- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية سعيد العوادي: المائدة العربية تكشف علاقات السلطة والهوية والطبقات

اخبار عربية
هسبريس قبل ساعة و 57 دقيقة

اليكم الان سعيد العوادي: المائدة العربية تكشف علاقات السلطة والهوية والطبقات والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

ثمة حوارات لا تبدأ بسؤال، وإنما تبدأ بزلزال معرفي يهزّ يقيننا بما نظنه بديهيا. وثمة كتب لا تكتفي بإضافة عنوان جديد إلى رفوف المكتبات، وإنما تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، فتجعل من أكثر تفاصيل الحياة اليومية بساطة حقولاً كثيفة بالمعاني، ومن أكثر الأشياء اعتياداً أبواباً واسعة للتأويل. عند هذه العتبة يقف هذا الحوار على صفحات هسبريس مع الباحث والكاتب المغربي سعيد العوادي، أحد الأصوات النقدية التي اختارت أن تغادر الطرق المعبّدة، وأن تعيد فتح ملفات البلاغة العربية من زاوية لم تطرقها الأقدام إلا نادراً، حيث تتحول المائدة إلى نص والطعام إلى خطاب والطبخ إلى لغة، والذوق إلى نظام ثقافي يكشف ما تعجز عنه الخطب والقصائد أحيانا.

وكيف يمكن لطبق طعام أن يروي تاريخ أمة؟ وكيف تصبح المائدة مرآة للسلطة والطبقة والهوية والذاكرة؟ وأي بلاغة تلك التي تستطيع أن تقرأ الجسد كما تقرأ القصيدة، وأن تفسر الصمت كما تفسر الاستعارة، وأن تبحث عن المعنى في تفاصيل الحياة اليومية بدل الاكتفاء بزينة الألفاظ ومحسنات القول؟ وهل كانت البلاغة، طوال قرون، أسيرة تصور ضيق حصرها في حدود البيان والبديع، بينما كانت الحياة كلها تنطق ببلاغتها الخاصة دون أن يلتفت إليها أحد؟

في هذا الحوار، لا يقدّم سعيد العوادي أجوبة جاهزة، بقدر ما يفتح أبواباً جديدة للتفكير، ويقترح إعادة رسم خرائط البلاغة العربية انطلاقاً من الإنسان، لا من المصطلح، ومن الثقافة، لا من القاعدة، ومن التجربة الحية، لا من القوالب الجامدة. إنه مشروع معرفي يغامر بالدخول إلى المناطق التي اعتبرها الدرس الأكاديمي هامشية أو مبتذلة، ليكشف أنها تخفي أكثر الأسئلة عمقاً حول السلطة والدين والجسد والسياسة والأدب والغيرية والعلاقات الإنسانية.

وما يميز هذا الحوار على جريدة هسبريس، أنه لا يتوقف عند حدود الحديث عن كتابين أو تجربة بحثية، وإنما يطل على رؤية فكرية كاملة، تسعى إلى إعادة الاعتبار للبلاغة باعتبارها أداة لفهم العالم، لا مجرد علم لتزيين الكلام. ومن هنا تتجاوز الأسئلة حدود النقد الأدبي لتلامس الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والفلسفة والنقد الثقافي، في رحلة فكرية آسرة تكشف أن الأشياء الصامتة أكثر بلاغة مما نتصور، وأن تفاصيل الحياة اليومية تكتب، كل يوم، نصوصها الكبرى لمن يمتلك شجاعة قراءتها.

فيما يلي نص الحوار:

في كتابيكم “الطعام والكلام” و”مطبخ الرواية”، قمتم بنقل البلاغة من حدودها التقليدية بوصفها علماً للمحسنات والأساليب إلى فضاء الثقافة والأنثروبولوجيا. كيف وُلد هذا المشروع الفكري؟ وما الذي دفعكم إلى النظر إلى الطعام باعتباره خطاباً بلاغياً لا يقل ثراء عن القصيدة أو الرواية؟

ألحّ علي هاجس تجديد الدرس البلاغي منذ كتابيّ “أسئلة البديع: عودة إلى النصوص البلاغية الأولى” و”حركية البديع في الخطاب الشعري: من التحسين إلى التكوين”، حيث انصرفت إلى “البديع” بوصفه واحدا من المهملات البلاغية، وخلصت في دراسته إلى أن البديع رؤية في التفكير قبل أن يكون أسلوبا في التعبير. ومضى مشروعي البحثي في تسليط الضوء على قضايا “المهمل البلاغي” التي برزت بصورة أكبر في كتابيّ “الطعام والكلام: حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي” و”مطبخ الرواية: الطعام الروائي من المشهدية إلى التضفير”. وهنا اتخذ المشروع مسلكا أكثر جرأة من حيث القراءة والموضوع، ففي القراءة تمّ الانتقال من البلاغة بمعنييها الأسلوبي والتداولي إلى البلاغة الثقافية التي تفتح نوافذ البلاغة على آفاق الثقافة والأنثروبوبوجيا والسوسيولوجيا، وفي الموضوع تمّ التحوّل من الموضوعات المكرَّسة التي انغلق عليها البحث الأكاديمي إلى موضوعات الحياة اليومية المتَّهَمة بالابتذال والإسفاف، مثل موضوع الطعام الذي يُنظر إليه عادة بأنه موضوع بطني لا يرقى لأن يكون مجالا للمباحثة والدراسة الأكاديمية.

ولا بد من الإشارة إلى أن اهتمامي بدراسة خطاب الطعام في التراث العربي وجنس الرواية لم تكن الغاية منه ادّعاء سبق واهم أو هوس البحث ضد التيار السائد، وإنما كان مؤطَّرا بنزوع بحثي مالت إليه المراكز العلمية الكبرى في العالم منذ عقود، جاعلة من قضايا اليومي وموضوعات الجسد مجالات مركزية لفهم تعقيدات الفرد والجماعة. وضمن هذا السياق العام، تنزّل اهتمامي بخطاب الطعام من منظور بلاغي ثقافي يميط اللثام عما تخفيه مشاهد الأكل والشرب من علاقات متشابكة مع أسئلة الوجود والدين والهوية والأدب والعلم والسياسة والطبقية والغيرية والجندر، متتبِّعا كل ذلك في منجز خِطابي واسع عكسته كتب الدين والأخبار والأمثال والأدب والأحلام وعلوم اللغة العربية.

وأثناء سعيي نحو إعادة قراءة تراثنا العربي ومنجزنا الروائي الحديث وفق هذا المدخل الطعامي، سيفاجئني أحد الأساتذة في جامعة أكسفورد ببريطانيا – عقب انتهائي من محاضرة كنت قد استدعيت لإلقائها بعد فوز كتاب “الطعام والكلام” بجائزة الشيخ زايد للكتاب – أنني أبحث بالتوازي مع عدد من الغربيين في خطاب يكتنز كثيرا من الدلالات والتعقيدات، وأنهم بحاجة إلى معرفة خصوصيات هذا الخطاب في الثقافة العربية الإسلامية؛ مما يُستفاد منه أهمية انخراط الدارس العربي ضمن المسارات البحثية العالمية، وإبراز الخصوصية العربية الإسلامية التي غالبا ما يتم نسيانها أو تناسيها في الدراسات الغربية.

ظل الدرس البلاغي العربي قروناً أسير النصوص الأدبية والخطابية. كيف نجحتم في تحرير البلاغة من هذا القيد، وإقناع القارئ بأن المائدة، والذوق، والعادات الغذائية، والطبخ، كلها نصوص ثقافية قابلة للتحليل البلاغي؟

صحيح أن البلاغة العربية ارتبطت أساسا بقراءة النصوص الأدبية والخطابية، ولم تهتم كثيرا بقراءة الظواهر الاجتماعية والسياسية، حتى أمكننا الحديث عن بلاغتين محوريتين هما: بلاغة الشعر، وبلاغة النثر. ونحن عندما نقصر البلاغة على النصوص دون الظواهر، نقزِّم دورها الحضاري ولا نستفيد من إمكاناتها الهائلة.

تحدّثت عن نجاحي في تحرير البلاغة من القيد النصي، وأنا أتحدث عن مجرد محاولة تضاف إلى محاولات قليلة أخرى لبلاغيين عرب آخرين في القديم والحديث؛ لأننا نحتاج إلى بذل مزيد من الجهد في هذا الباب. وعلى كل حال، اتجهت محاولتي صوب قراءة “المائدة العربية” واستنطاق دلالاتها الثقافية؛ إذ يعدّ التحلّق حولها مسرحا اجتماعيا معقّدا تتجلّى فيه، على نحو رمزي صامت، صور الذات والجماعة، وتوقفنا على أن ثمة صلة بين “الطبق” و”الطبقة”.

ولذلك، نلمس في الدعوة لأطباق طبقة الحكّام مقصد “التشرّف لا التشبّع”، حيث تتوجّه الآداب السلطانية للمدعوّ بالقول: “قم عن المائدة وأنت جائع”؛ لأن “مائدة الهيمنة” تهدف إلى التشبّع من قيم التوقير والتعظيم والطاعة التي تملأ العقول والنفوس أكثر من المآكل والمشارب التي تملأ البطون. وكثيرا ما تكون هذه المائدة فخّا أو امتحانا يستعمله السلطان لاستغوار نفسية المسؤولين، بناء على أن “من شَرِه إلى طعام كان إلى أموال الرعايا والسُّوقة أشره”. وربما سعى الأعيان إلى الضيافة الباذخة، لتكون المائدة سبيلا إلى السيادة والسؤدد، انطلاقا من أن “الشرف في السَّرَف”، أو كما قال عبد الأعلى: “ما ساد منا إلا سخي على طعام”. كما تكشف المؤاكلة عموما عن ميلاد تلقائي لمواثيق وعهود رمزية يصعب الإخلال بها، فيتحوّل مدّ اليد إلى مائدة الآخرين إلى نوع من التوقيع المُلزِم على الأمانة والإخلاص والتضامن. وخوفا من الانخراط في هذه المعاني مع الحكّام الظالمين، نادى المتصوِّفة بأن “الجوع طعام الزاهدين”، وامتنعوا عن حضور الولائم، وتأوّلوا أن للطعام عدوى وأن الموائد تستضمر أرواح أصحابها. ومنذ العهد الجاهلي، امتنع بعض المظلومين عن الأكل والشرب حتى تحقيق مطالبهم المشروعة، فكانوا الآباء المؤسِّسين لما نعرفه اليوم بـ “الإضراب عن الطعام”. وامتنع آخرون – مثل أبي العلاء المعري – عن أكل اللحوم، ونادوا بـ “النباتية” منذ زمن بعيد، صدرين عن فلسفة رحيمة بالحيوان لا عن مجرد ميل ذوقي.

ولا شك أن الكلام سيطول بنا لو بسطنا القول في هذا الجانب الذي يدلّل على أن “المائدة” محفل بلاغي ثقافي بالغ الغنى والثراء، يقودنا إلى فهم ذواتنا وعلاقاتنا بالآخرين والعالَم.

يرى كثيرون أن البلاغة انتهى دورها مع انتهاء عصر البيان الكلاسيكي. غير أن مشروعكم يوحي بأن البلاغة ما تزال قادرة على قراءة المجتمع والهوية والسلطة. كيف تعيدون تعريف البلاغة اليوم؟ وهل يمكن اعتبارها علماً لقراءة الثقافة أكثر من كونها علماً لزينة الكلام؟

لا أتّفق مع القول إن البلاغة انتهى دورها أو سينتهي دورها في القريب أو المستقبل، وكل الدعوات التي وصفتها بأنها “قديمة” أو “عجوز” أو “ميتة” أو “عقيم” ليست صحيحة على الإطلاق. إن الكون الذي نعيش داخله يكلّمنا بالبلاغة، وما دام هناك إنسان على هذه الأرض فثمّة بلاغة حيّة لا نستطيع تجاهلها. إن البلاغة قدرنا الذي لا نستطيع الفكاك منه، وحتّى أفلاطون الذي اتهم البلاغة نظريا كان بلاغيا كبيرا في كتاباته ومحاوراته.

غير أن مشكلتنا مع البلاغة تكمن في معرفة ماهيتها، ومن ثم دورها الحضاري. وفي تصوّري أننا نحتاج إلى البلاغة في كل اللحظات التي تتطلّب منّا الفهم والإفهام، وقد انتبه الجاحظ في القرن الثاني للهجرة بذكاء بالغ إلى كل هذا، وجهر به بصوت عال في عنوان كتابه “البيان والتبيين”. ولمّا كانت لحظات الفهم والإفهام كثيرة كمّا وكيفا في حياة الإنسان، فقد أمكننا الحديث عن بلاغات لا حصر لها مثل: البلاغة التعليمية، والبلاغة التواصلية، والبلاغة الأدبية، والبلاغة الثقافية. وحين أميل إلى البلاغة الثقافية، فإنني أرغب في تثوير الممارسة البلاغية، حتى لا نكتفي برصد “تزاويق الكلام” أو “زينة الكلام” كما تفضلتم، وحتى لا تمكر بنا البلاغة، فيتحوّل “علم البلاغة” إلى “علم المصطلح البلاغي” الذي يقدِّم مسردا لا نهائيا من المصطلحات التي تصف تلك التزاويق، ولا تقوى على التفسير وبناء المعنى. ولن يكون هذا التثوير البلاغي ممكنا إلا عن طريق الخوض في تعقيدات الإنسان داخل بحر الحياة المتلاطم، حيث الكلام والمواقف والأحداث والمنجزات والصراعات والتحولات والانتصارات والانكسارات مجالات كبرى للقراءة البلاغية الحضارية.

في كتاب الطعام والرواية يتحول الطعام إلى رمز اجتماعي وسياسي ونفسي، لا إلى مجرد حاجة بيولوجية. كيف تكشف الرواية، من خلال تفاصيل المائدة، عن الطبقات الاجتماعية، والصراع الطبقي، والسلطة، والهامش، والذاكرة، والهويات المتصارعة؟

تناول كتاب “مطبخ الرواية: الطعام الروائي من المشهدية إلى التضفير” نماذج من الرواية العربية من زاوية الطعام، مبرزا أن مشاهد الأكل والشرب كاشفة عن أبعاد ثقافية متشابكة، حتى إنه ليمكننا إعادة التأريخ للمنجز الروائي العربي عبر توظيف المكون الطعامي مشهديا أو تضفيريا، تماما كما أرّخ سرديا محمد النعاس في روايته “خبز على طاولة الخال ميلاد” لتاريخ ليبيا من خلال تحولات الخبز في “الكوشة” أو المخبز.

لقد تجاوزت “أطباق الرواية” إشباع نهم “الشخصيات”، لتضيء عددا من العلاقات والقضايا؛ فيغدو “مشهد الإفطار” في رواية “بين القصرين” لنجيب محفوظ درسا قاسيا في التسلّط والإخضاع الذي يقوم به رب الأسرة أحمد عبد الجواد تجاه كل أفراد أسرته. وتبدو رسالة جورج إلى توفيق الصادقي عقب سلسلة الولائم الباذخة في رواية “بعيدا من الضوضاء قريبا من السكات” لمحمد برادة بمثابة هدم مزلزل لبنيان ثقافة الكرم الذي يعتزّ به كل مغربي وعربي. وفي رواية “جيران أبي العباس” لأحمد التوفيق، يرتبط الطعام بالذاكرة، ليرمِّم شروخ الهوية الوطنية، ويفنّد مزاعم خشونة العيش التي ارتبطت تاريخيا بالدولة المرابطية. وتكشف رواية “الطلياني” لشكري المبخوت عن تحوّل الطعام إلى طُعم أو وسيلة انتقام تجابه بها الأنوثة عنف الذكورة، فيما يتحوّل “طبق العصعص” في رواية “المهزومون” لهاني الراهب إلى رسالة حب من ثريا إلى بِشر.

وعلى الجملة، أسهم المكون الطعامي في القراءة الداخلية المنتِجة للرواية العربية، فبدا أن في “الطعام ما بعد الطعام” حسب عبارة عبد الله في رواية “كحل وحبّهان” لعمر طاهر.

مشروعكم النقدي يبدو وكأنه يدعو إلى تأسيس بلاغة جديدة تتناول اللغة إلى جانب الصورة، والجسد واللباس والطعام والفضاء وحتى الصمت. هل نحن أمام ميلاد “بلاغة ثقافية” عربية جديدة؟ وما الأسس النظرية التي تقوم عليه؟

من منطق إيماني بأن البلاغة بلاغات، يأتي مقترح “البلاغة الثقافية” ليعضِّد مقترحات بلاغية مهمة ومتنوِّعة تعرفها الساحة الثقافية في المغرب والعالم العربي اليوم. وإذ أقترح هذا التوجّه البلاغي الجديد، فلست محكوما بنزعات الوصاية أو الهدم أو السبق، وإنما غايتي الإسهام في إعادة جناح الثقافة الذي افتقدته بلاغتنا العربية بعد الجاحظ، لعلّها تحلّق في أفق أبعد.

ترجع جذور “البلاغة الثقافية” إلى الجاحظ الذي أعدّه رائد البلاغة الثقافية، فهو حين جعل مدار البلاغة على “كشف قناع المعنى” في كل شيء له صله بثنائية “الفهم والإفهام” لم يحصر موضوعها في اللغة فقط، وإنما وسّع مداه إلى المشاهدات والأجساد والأشياء والسلوكات التي تقع في الحياة اليومية للأفراد والجماعات. ويبدو لي أن مشروع الجاحظ لم يجد من يطورّه في القديم، وإن سعى عبد القاهر الجرجاني إلى تطوير الجانب الأسلوبي أو النظمي فيه بدقة عالية وكفاءة عظيمة، سرعان ما سيتلقفها من جاء بعده ليحولها إلى تعليمات صارمة ومنظومات مصطلحية بدأت تخبو روحها رويدا رويدا. وهكذا، فُهم المدى الذي كان يُحلِّق فيه الجاحظ بأنه ناتج عن اضطراب في الرؤية وتشتت في المنهج وجنوح نحو الاستطراد.

ويحقّ لنا اليوم أن نعود مرة أخرى إلى الإرث الجاحظي بعينين متفتِّحتين وعقل يفيد من المستجدات المنهجية والمعرفية الجديدة، من أجل ترسيخ معالم “البلاغة الثقافية” عبر بناء تجسير بيني متعدّد الروافد بين موروثنا البلاغي والنقد الثقافي، حتى ولو اقتضى الحال عقد عملية صلح بين البلاغة وبعض توجّهات النقد الثقافي التي تقصي الجمالي وتراه جرثومة قاتلة مندسّة في تلابيب الخطاب. بالإضافة إلى تجسير بيني آخر بين البلاغة والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، مما سيمنح التصور صلابة أكبر وقابلية أوسع لقراءة الأنشطة والسلوكات والرمزيات التي ينتجها الإنسان البليغ.

من خلال تجربتكم الأكاديمية، ما أبرز العراقيل التي تواجه تجديد البلاغة العربية؟ وهل المشكلة تكمن في المناهج الجامعية، أم في تصورنا الضيق لمعنى البلاغة، أم في خوف الباحثين من اقتحام مناطق جديدة مثل الطعام والجسد والطقوس والذاكرة؟

أعتقد أن كل دعوة إلى التجديد تُجابه عادة برفض صريح أو ضمني، وكذلك دعوات تجديد البلاغة العربية منذ بدايات القرن العشرين لم تسلم من رفض أو تخوين أحيانا. غير أننا يجب أن نعرف أن تجديد النظر إلى البلاغة هو جزء من تجديد نظرتنا إلى تراثنا ووعينا وثقافتنا ومسلماتنا وتمثلاتنا، مما يُصعِّب المهمة أمام البلاغي المجدّد.

إن العراقيل التي تواجه التجديد البلاغي كثيرة، بعضها يعود إلى أن مشاريع التجديد ذات نزوع فردي ولا تنهض بها البنيات البحثية والجماعات المفكِّرة، مما يجعلها نشاطا موازيا يتعذّر تجذيره في قاعات الدرس، فضلا عن أن المناهج الجامعية تفضِّل اعتماد التصوّرات المكرَّسة وخصوصا التراثية منها التي لا تثير أي اعتراض، كما أن هناك من يرى أن البلاغة يمكن أن يدرِّسها أي متخصص في النحو أو الأدب أو النقد أو الشريعة ما دامت هي مجرد علم من “علوم الآلة”. علاوة على أن كثيرا من الباحثين لا يتصوّرون البلاغة إلا ضمن حدود مرسومة سلفا، ويرون أن إقحامها في دراسة قضايا اليومي والجسدي تمييع لدورها وتشويه لصورتها.

وعلى الرغم من كل هذه العراقيل، فإننا نلحظ في السنوات الأخيرة بوادر ترحيب مغربي ومشرقي بكل تجديد بلاغي يسعى إلى تطوير نظرتنا إلى النصوص والظواهر.

بعد هذا المسار العلمي الذي جعل البلاغة تعانق الثقافة والاجتماع والسياسة والرمز والنفس، ما المشروع الذي تحلمون بإنجازه مستقبلا؟

لا بد من بذل مزيد من الجهد لترسيخ هذا التصوّر البلاغي عبر إنتاج دراسات أخرى. وفي هذا الصدد، فإنني أنشغل الآن بإنجاز كتاب يتناول الصناعات ودورها في النقد والبلاغة والأدب، بعد أن فاز مشروعي البحثي: “الحِرف والحُروف: أثر أساتذة الظل في صناعة الخطاب التراثي” بمنحة مركز أبوظبي للغة العربية. وسيليه إن شاء الله كتاب آخر يتناول المعالم النظرية للبلاغة الثقافية.

سعيد العوادي: المائدة العربية تكشف علاقات السلطة والهوية والطبقات Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل سعيد العوادي: المائدة العربية تكشف علاقات السلطة والهوية والطبقات نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم