اخبار عربية أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب .. "عنف التاريخ" يختبر منطق الجوار

أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب عنف التاريخ يختبر منطق الجوار


اليكم الان أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب .. "عنف التاريخ" يختبر منطق الجوار والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

يشرّح المفكر محمد نور الدين أفاية النظرة السلبية التي نحتها المتخيل الجمعي الإسباني حول المغاربة عبر قرون، منبها إلى ضرورة استيعاب ومعالجة ما تحتله هذه الأفكار من مساحات وعي نخب وأوساط اجتماعية مختلفة في الجارة الشمالية.

ويقدر الأكاديمي أن مؤسستين اثنتين نسجتا مكونات المتخيل الإسباني الجمعي، هما الكنيسة والجيش، ويقرأ المواقف المعبر عنها خلال أحداث سبتة المحتلة الأخيرة، من طرف منتمين إلى المؤسستين، لا بوصفها تصريحات معزولة، أو رأيا شخصيا؛ ويدعو إلى فهمها في إطار كون: “عمليات التحديث الواسعة للمجتمع والاقتصاد والسياسة في إسبانيا لم تواكبها خلخلة موازية للنظرة العتيقة التي استوطنت المتخيل الإسباني نحو الآخر”، وفي طليعة هذا الآخر: المغربي.

ويكشف صاحب “الغرب المتخيل” ما تخفيه المصطلحات المستعملة من طرف اليمين الإسباني، المعتدل والمتطرف على حد سواء، والمسؤولين الإسبان، من استمرارية لـ”الخوف التاريخي الوهمي الدفين الذي يسكن العديد من الأوساط من تجدد رغبة ‘الموروس’ والمورسكيين، في ‘الانتقام’ (…)”، مع تعريجه على محطات الاستشراق، والاستعمار، وانتصار أنوال ضد الاحتلال، والحرب الأهلية الإسبانية ونتائجها، والمسيرة الخضراء؛ وإشارته إلى نخب إسبانية، رغم محدودية نسبتها، ناهضت الصور النمطية التعميمية المسيئة للمغاربة والمغرب، ليدعو بعد ذلك إلى عدم الاكتفاء بالنوايا وشعارات التعايش والمصالح المشتركة، مع نبلها وضرورتها، ومعالجة “النظرة” و”التوتر القوي” في المتخيل الجمعي الإسباني ضد المغاربة والعرب والمسلمين.

نص المقال:

ما يَختزِنُه المُتخيَّل الإسباني عن المغرب

يفرز تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية تمظهرات مَكْره الخاص في كل مرة يحصل فيها تصادم، أو حدث درامي، أو نزوع استعماري، أو إعلان عن سياسة إخضاع وإذلال. وتفرض تمظهرات هذا المكر قاموسها، المُعلنة والمُتَسترة، على مفردات المناقشة والتبادل والتمَوْقُع والحُكم. وما جرى في الأسبوع الأخير من شهر يوليوز 2026 يُشكل فصلا من فصول التاريخ المُتَموج لهذه العلاقات، حيث تفجرت تعبيرات المتخيَّل الجمعي الإسباني الدفينة، وصدَعَت الأحكام المسكوت عنها، لتبرُزَ من جديد على مساحات الوعي ومعجم الخطاب السياسي والإعلامي.

تفاوتت هذه العلاقات بين المواجهة والخصومات والمعارك المباشرة، وبين مناسبات تقارب وتفاهمات متفاوتة الأسباب والسياقات؛ وذلك منذ دخول المسلمين إلى الأندلس في القرن الثامن الميلادي إلى اليوم. وقد شهدت هذه العلاقات محطات تاريخية كتبت رواياتها، وأنتجت متخيَّلها الجمعي لدى الطرفين، ونسجت قصصا إنسانية وثقافية كانت للجغرافية والتاريخ فيها مكانة استثنائية، ولجدلية السيطرة والتحرر القاعدة التي تمنحها، في كل مرة، توازناتها وأشكال تدبير مقتضياتها وزمنيتها. فصول من النزاع، والاحتلال، والاسترجاع، إلى حرب تطوان بقسوتها ونتائجها المدمرة سنتي 1859 و1860، إلى أحداث سبتة الأخيرة مرورا باحتلال الصحراء سنة 1884، ومؤتمر الجزيرة الخضراء (1906) الذي تفاوضت فيه الدول الاستعمارية حول اقتسام النفوذ في المغرب، وتوزيع الجغرافية المغربية بين الاستعمارين الفرنسي والإسباني في 1912، ومعركة أنوال المشهودة (1921)، وتجنيد آلاف المغاربة والزج بهم في الحرب الأهلية الإسبانية ما بين 1939-1936، واستقلال المغرب (1956)، واسترجاع مدينتي طرفاية وسيدي إفني، وملحمة المسيرة الخضراء، وما فرضته حسابات اليمين الإسباني بخصوص قضية جزيرة المعدنوس سنة 2002، وأحداث مترو الأنفاق الدامية بمدريد سنة 2004، إلى إقرار الوزير الأول بيدرو سانشيس بأحقية المغرب على الصحراء واعترافه بكون “الحكم الذاتي” يشكل حلها الوحيد.

ليس هنا مجال كتابة تاريخ المواجهات المغربية الإسبانية، لأن الموضوع يهم المؤرخين المحترفين، وقد كتبت حولها الكثير من المؤلفات والدراسات. وما يهمنا هو كون هذه الأحداث المفصلية في الماضي كما في الحاضر شكَّلت مناسبات لتكوين نظرة انتقاصية إسبانية للموروس وللمغربي، وتزداد مكوناتها السلبية تطرفا وعدائية مع الزمن وتطور الأحداث. تقوم هذه النظرة على اعتبار اسبانيا بلد الحضارة، والتقدم، والحرية، والحكم على المغرب بوصفه بلد التوحش، والعنف، والاستبداد. وقد قام المؤرخ الإسباني “إلوو مارتين كوراليس” Eloy Martin Corrales، المتخصص في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، بتشريح مكونات هذه الصورة في كتاب “صورة المغربي في المتخيَّل الإسباني”، الذي بيَّن فيه، بالمعطيات والرسوم والنصوص، شروط تكوُّنها وتبلورها طيلة ثلاثة قرون؛ مبرزا كيف أن عمليات تصوير “المغربي في صورة حيوان” وتشبيهه بالقرد أو الكلب كانت لدى النخب الإسبانية الدينية والسياسية والثقافية وسيلة عدوانية لنزع الإنسانية عنه (وهو موضوع سأعود إليه في موقع آخر).

في معمعة هذه المواجهات والتوترات نَحَتَ الإسبان نعوتا متعددة من أجل تسمية المغاربة؛ فتارة اعتبروهم أراغنة Aragenos، وعربًا، وسارازانيين، ومُحمَّديين، وعموما متوحشين، أو حتى أتراكا، وخصوصا موروس Moros، ومغاربيون، وإسلامويون… إلى آخر ما أنتجه الوجدان العدائي عبر التاريخ الصراعي الطويل بين الضفتين. فمنذ دخول المسلمين إلى الأندلس إلى ما نجم عن أحداث سبتة ومليلية الأخيرة من ردود فعل واتهامات وهجومات لفظية وسياسية، تبلورت النظرة السلبية للموروس وانتصرت لتستوطن المتخيَّل الجمعي الإسباني، وتحتل كثيرا من مساحات وعي النخب والأوساط الاجتماعية المختلفة.

ثمة مؤسستان اثنتان نَسجَا مكونات المتخيَّل الإسباني الجمْعي: الكنيسة والجيش؛ استمدت الأولى مفردات هذا المتخيَّل العدائي من النظرة العامة التي كونتها المسيحية اللاتينية عن الإسلام طيلة العصر الوسيط ومراحل الحروب الصليبية، وبلورت المؤسسة العسكرية سرديتها العدائية من وحي الحروب والمعارك التي جمعت الجيشين الإسباني والمغربي. ولذلك ليس من المستغرب أن تدفع أحداث سبتة الأخيرة برجل دين (خافيير أيزبون) لصياغة تصريح عنيف يدعو فيه إلى قصف العاصمة الرباط وإعادة احتلال شمال المغرب، أو أن يتصدر موقف وزيرة الدفاع خطابات التنديد بـ”غزو” سبتة وضرورة الدفاع عن “السيادة الإسبانية” عليها. ولا يجب النظر إلى هذين التصريحين باعتبارهما معزولين أو يعبران عن رأي شخصي لمن جهر به، فعمليات التحديث الواسعة للمجتمع والاقتصاد والسياسة في إسبانيا لم تواكبها خلخلة موازية للنظرة العتيقة التي استوطنت المتخيَّل الإسباني نحو الآخر.

تسكن هذه النظرة جملة أحكام مسبقة Préjugés عن المغربي تأتي في طليعتها صفات التعصب، والتوحش، والقسوة، والشبقية، والقدرية، والكسل، والكذب، وغيرها من الصفات التي لعب فيها المتخيل المسيحي الوسيط دورا كبيرا في إنتاجها؛ وتحرص المؤسسة الكنسية الإسبانية – التي تمتلك مؤسسات ووسائط في منتهى القوة والتأثير، وتشكل فئات عريضة منها قواعد لليمين الإسباني- على توظيفها واستغلالها والتذكير بها كلما طرأ طارئ، أو برز خلاف بين إسبانيا والمغرب. ولعل تحريض رجل دين بقصف الرباط و”استعادة شمال المغرب” كشْفٌ عن تعبيرات هذا المتخيل الدفين. وقد تشكلت هذه الأحكام الانتقاصية والتعميمية مع تطور الصراعات المتكررة التي نشبت في التاريخ بين البلدين، لعبت فيها فصول حروب الاسترداد المسيحي للأندلس أدوارا كبرى حين جعل المسيحيون الإسبان من صورة الداعية “سان جاك”، الذي اعتُبر “قاتل الموروس”، شعارا توجيهيا لسياسات الإبادة الإنسانية والثقافية التي اقترفوها ضد المسلمين واليهود في الأندلس. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه سنة 1992، وبمناسبة مرور خمسة قرون على عمليات “الطرد”، عرفت إسبانيا نشر عدد لا بأس به من الدراسات والكتب من طرف مؤرخين أثبتوا بالوثائق والحجج أن ما نعتت بـ”حرب الاسترداد” كانت سياسات إبادة وقتل سقط فيها مئات الآلاف من المسلمين، فضلا عمَّا تعرضوا له من تجويع، وترحيل، واستعباد، وإكراه على تحويل العقيدة.

وإذا كانت سنة 1492 تؤرخ لاستعادة غرناطة فإنها تؤشر على بدايات التوسع الإيبيري على السواحل المتوسطية المغربية، إذ تم احتلال مليلية سنة 1497، وصخرة باديس سنة 1510، وصخرة الحسيمة، وساحل وهران، وتونس، وطرابلس الغرب في إطار صراع لم يقتصر على المغرب فقط، وإنما كان جاريا مع الإمبراطورية العثمانية الصاعدة. وقد أدى اصطدام الإسبان بهذا “العدو الخارجي” إلى الانتباه، بل إلى الخوف من الموريسكيين الذين تحولوا إلى “عدو داخلي” يتعين استئصالهم، وهو ما حصل بطردهم نهائيا سنة 1609.

ولذلك فإن استعمال المصطلحات التي تمت تعبئتها بمناسبة أحداث سبتة الأخيرة، من قبيل “الغزو” و”الاجتياح”، و”الاعتداء على السيادة الإسبانية”، و”انتهاك الوحدة الترابية”، و”الغزو المدبَّر”… وغيرها من الصيغ التي استثمرها اليمين، بجناحيه المعتدل والمتطرف، أو تلك التي استعملها الرسميون، يفترض فهمه في سياق الخوف التاريخي الوهمي الدفين الذي يسكن العديد من الأوساط من تجدد رغبة “الموروس” والمورسكيين في “الانتقام” والعودة إلى الأندلس لاستعادة ممتلكاتهم، وأراضيهم، وحقوقهم التي سلبها لهم المسيحيون الإسبان، أو الخوف من تنظيم مسيرة مغربية أخرى لاسترداد مدن المغرب وجزره المحتلة.

تساوق تشكُّل هذه النظرة مع تطور الأعمال الاستشراقية الإسبانية التي لم تخرج، في بداياتها وفي غالبيتها، عن إستراتيجية تكريس الصور النمطية المُكَرَّسة، قبل أن يحصل على نظرة بعض المستشرقين إلى المغربي تحولات نسبية، إما بفعل المعايشة المباشرة والاستقصاء، أو بفضل أعمال فنية مثل تلك التي أنجزها الفنان “ماريا فورتوني” في المغرب الذي أرسلته حكومة إسبانيا لتوثيق حرب 1860؛ لكن المغرب وناسه تركوا فيه، وبشكل مُفارق، آثارا لم يتمكن من مقاومة تأثيرها عليه، حيث تحول المغرب عنده إلى فضاء بصري وثقافي في منتهى الغنى من حيث الضوء والألوان والإنسان، وكسَّر بلوحاته هيئة “الرسام الدعائي” الذي طُلب منه أن ينظر إلى المغربي كـ”عدو”، متجاوزا النظرة الاستشراقية للآخر المغربي من خلال الاحتكاك والمشاهدات، حيث أنجز لوحات عن مجتمع وإنسان لهما كثافة ثقافية وجمالية لم يخف الفنان إعجابه بهما في الكثير من الحالات. لم تتمكن أعمال فورتوني من خلخلة إدراكه “الإغرابي” exotique للمغرب، لكن أعماله فرضت على العديد من المستشرقين والمؤرخين وغيرهم من النخبة إدخال بعض النسبية على أحكامهم الإطلاقية على المغرب والمغاربة.

ورغم ذلك تعبأت جمهرة من المُستعربين، والأفريقانيين والمستشرقين، لعرض خدماتهم على الدولة الإسبانية بتقديم “الحجج” والمخططات الجغرافية والتاريخية والسياسية من أجل التحكم في المناطق المتوسطية الشمالية للمغرب. وفي مقابل ذلك لم تستسلم الدولة المغربية، مهما كانت الهزائم التي ابتليت بها، لإرادة القوة الاحتلالية والاستيطانية لإسبانيا، واستمر السلاطين في محاولات استرجاع ما استولت عليه بالقوة، ومنها المحاولة التي قام بها السلطان الحسن الأول من أجل تحرير مدينة مليلية سنة 1893. وقد شكلت هذه المواجهة، مرة أخرى، فرصة للإسبان لتقديم المغاربة في هيئة أهالي “متوحشين يكرهون الحرية، والتحضر، والمدنية”. وهو القاموس نفسه الذي استعمله الفرنسيون في أدبياتهم في وصف الجزائريين والتوانسة، واستثمره البريطانيون في حديثهم عن المصريين.

ومن مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906) إلى ملابسات التمكن النهائي من مقدرات المغرب وإخضاعه المزدوج من طرف فرنسا وإسبانيا، بعد مناورات عدة مع الألمان والبريطانيين، استطاعت إسبانيا التمدد في شمال المغرب وجنوبه، ما سمح لها بإنتاج “معرفة” أوسع بالمغرب والمغاربة وثقافتهم. لكن الصدمة التي أحدثتها هزيمة أنوال في حرب الريف سنة 1921، التي تركت ما يقرب من عشرة آلاف قتيل، دفعت الفرنسيين والإسبان إلى التحالف قصد تكسير شوكة جيش عبد الكريم الخطابي مستعملين كل أنواع الأسلحة، بما فيها الكيماوية.

وفجَّرت هزيمة أنوال، بالشكل التي تمت بها، صور المغربي الذي يجسد العنف، والقسوة، والغدر، والتعصب. لكن الحرب الأهلية الإسبانية، التي اشتعلت سنة 1936، شهدت تجنيد عشرات الآلاف من المغاربة من طرف الجنرال فرانكو في حربه ضد الحكومة الشرعية، وضد أحزاب اليسار الاشتراكي، والشيوعي، والفوضوي، والقوميين الكطالان والباسك. ولعل البطش الذي تعامل به فرانكو في هذه الحرب واستغلاله البشع للمغاربة دفع النخب السياسية الإسبانية إلى الاقتناع بالأوصاف التي أطلقت عليهم باعتبارهم “دمويين، مغتصبين، سكيرين، وجشعين” إلى آخر الأحكام الانتقاصية. وعلى العكس من ذلك تعامل عسكر فرانكو مع “الكتيبة المغربية” بكثير من الاحترام المشفوع بنوع من الأبوية والتحكم، لأنهم كانوا يقدمون الحرب ضد المعسكر الآخر بكونها حرب مؤمنين، مسيحيين ومسلمين، ضد مُلحدين وجمهوريين.

وإذا كانت صورة المغربي “الصديق الوفي” هي التي برزت في الخطاب الفرنكاوي الرسمي طيلة أكثر من عشرين سنة، بعد الاستيلاء على الحكم بالحديد والنار، في سياق من نوع ما سميت “الصداقة التقليدية بين إسبانيا والعالم العربي” اختفت، مؤقتا، الصور المُسيئة للمغربي والمسلم، كما تم التعبير عن تعاطف محسوب مع حركات التحرر العربية ضد الاحتلالين البريطاني والفرنسي. غير أن الحقد الذي حملته الأوساط المناوئة للفرانكوية ضد “الكتيبة المغربية”، و”الحرس المغربي لفرانكو”، دفع كُتَّابا ومصورين، ورسامي كاريكاتور، وسينمائيين إلى تقديم صور بالغة الإساءة والانتقاص من المغربي.

وبفضل نجاح عملية “الانتقال الديمقراطي” في إسبانيا بعد وفاة فرانكو، وتوسيع دوائر الحرية، وخلق مناخ يتيح الجهر بالرأي والاختلاف، انتفضت أقلام مثقفين إسبان من مؤرخين، ومستشرقين جدد، وفنانين، وروائيين، في طليعتهم خوان غويتيسولو، وبرنابي لوبيز، والمؤرخة ماريا روزا مادارياغا، وغيرهم، لمناهضة الصور النمطية التعميمية المسيئة للمغرب والمغاربة، وعمل كل منهم بطريقته ومجال نشاطه على كشف الخلفيات السياسية والدينية والنفسية والثقافية التي تحرك الأوساط التي تكن عداء عاريا أو متسترا للمغاربة، سواء في خطابات اليمين المتطرف كما المعتدل، أو بين التنظيمات الليبرالية واليسارية التي تنامت في أوساطها مشاعر معاداة المغرب، أيضا، بعد المسيرة الخضراء واستعادة الأقاليم الجنوبية؛ حيث اعتبرتها “خيانة” مغربية جديدة لإسبانيا باستغلال فترة احتضار الجنرال فرانكو، وارتباكات عملية انتقال السلطة، للإجهاز على ما تعتبرها حقوق “شعب صحراوي” في تقرير مصيره. وفي هذا السياق يبدو لي أن قرار اعتراف بيدرو سانشيز بأرجحية الحكم الذاتي كحل وحيد لقضية الصحراء مهما كانت حيثياته ومضامين التفاوض حوله يُعتبر قرارا شجاعا، ساهم في بلورته حكماء اشتراكيون كالوزير الأول السابق لويس رودريغيز زاباثيرو ووزير خارجيته السابق ميغيل أنخيل موراتينوس وآخرين، وذلك رغم التعاطف الواسع الذي لا تكف شرائح عديدة عن التعبير عنه مع الصحراويين، كما هو معلوم.

وفي الأحوال كافة توزعت الفئات الإسبانية بين من يحمل مشاعر محبة وتقدير للمغاربة Maurophiles، وهم نخب قليل، أو فئات أندلسية بدأت تستعيد وعيها بأصولها المغربية، أو إسبان سبقت لهم معايشة أوساط مغربية، وبين فئات تجترُّ مكونات مُتخيَّل عدائي استبعادي Maurophobes، كما يسميهم “إلوو مارتين كوراليس”، سواء انتمى أعضاؤها إلى اليمين أو إلى اليسار أو للانفصاليين القوميين. وقد أنتج هذا التوزيع صورا متفاوتة ومتعارضة عن الآخر المغربي تتغير بتغيُّر درجات المواجهة ومنسوب التوترات. وكانت حادثة “جزيرة المعدنوس” Perejil صيف 2002 لحظة امتحان جديدة لليمين الإسباني لمحاصرة تطلع المغرب الجديد لإنماء السواحل المتوسطية بعد قرار بناء ميناء “طنجة المتوسطي” على تخوم مدينة سبتة، وفي مقابل أكبر ميناء إسباني بالجزيرة الخضراء؛ حيث لم يخف الوزير الأول اليميني خوسي ماريا أزنار نزوعه الهيمني باستنفاره لقاموس استعلائي واستعماري تقليدي في تدبيره لهذه الحادثة مع المغرب. لكن إصرار هذا الأخير على توجُّهه المتوسطي الجديد، وامتلاكه بعض عناصر التفاوض، بما فيها الصيد البحري، وبفضل وساطات عدة، غير أزنار، مضطرا، من نبرة الخطاب ومن جموحه التوسعي. كما أن الأحداث الدامية في مارس 2004 شكلت لحظة مأساوية حقا من حيث تعرض صور المغربي، مرة أخرى، للخدش والإساءة بسبب كون من قاموا بالعملية أفرادا من تنظيم متطرف ينتمي أغلبهم إلى مدن الفنيدق، وتطوان، والناظور. ورغم التعاون الذي قامت به الدولة المغربية لتطويق هذه الأحداث فإنه لم يمنع من تفجير المكبوت العدائي ضد المغاربة والمسلمين، وتعميم قاموس الاستبعاد والانتقاص والإساءة.

يتعلق الأمر في العلاقة بإسبانيا بما ينعته سمير بنيس “سوء التفاهم العظيم”، وبما يسميه نبيل دريوش “الجِوار الحذر”، بسبب رضَّات الماضي، ورهانات التوازنات الجيو-إستراتيجية المتجددة، وحسابات المصالح، وحرب المواقع، وتحديات الهجرة، وصعوبات تدبير الحروب الهجينة. ومع ذلك تشكَّلَ وعي صعب لدى كلا الطرفين بالحاجة إلى “التفاهم” مع جار يمتلك إمكانيات كبيرة للاستفادة من موقعه الجغرافي ومقدراته الاقتصادية والثقافية، بقدر ما يحوز أسبابا وإمكانيات لتأزيم العلاقات، وزعزعة الأوضاع، وتهديد المصالح. ولم يتوقف العقلاء من الجهتين عن الدعوة إلى الحاجة الحيوية لتدبير مفردات هذا “التناقض” بكثير من الحكمة والتوازن ومراعاة مصالح الطرفين وحقوقهما، والعمل على محاصرة أسباب الخلافات، بما فيها حل مشكلة المدن المحتلة، ومحاصرة الصور الدونية التي مازال أغلب الإسبان مصرين على إلصاقها بالمغاربة؛ حيث تُظهر البيانات السنوية لمعهد “إلكانو الملكي الإسباني” عن وجود فجوة كبيرة بين التعاون الاقتصادي والدبلوماسي الرسمي وبين التصورات السلبية للرأي العام الإسباني تجاه المغرب والمغاربة، الذين يُعتَبَرون مصدر التهديد الأول لإسبانيا بنسبة لا تقل، سنويا، عن 55 بالمائة.

لذلك لا تمتلك شعارات التعايش، والسلام، والجوار، والتعاون صدقيتها من مجرد التعبير عنها أو من منطلق الاقتصار فيها عن حسن النوايا؛ طالما أننا نغفل، أو نتظاهر بإغفال، التساؤل عمَّن نتطلع إلى عقد ميثاق التعايش والسلام والأخوة وتبادل المصالح معه، وأن نحرص على معرفة الخلفيات التاريخية والثقافية والأهداف السياسية الحقيقية التي تُحركه؛ فهي شعارات نبيلة ومطلوبة، ولكن يصعب الاكتفاء بتكرارها وإشهارها في جميع الأحوال، سواء تعلق الأمر بالإسبان أو بغيرهم ممن يروِّج لقيم التعايش والسلام وهو يقترف أبشع أنواع الجرائم ضد الإنسانية. فالمتخيل الجمعي الإسباني يسكنه توتر قوي وأحكام سلبية في النظرة إلى المغربي والمغرب؛ وهي التي انتصرت، بشكل كبير واستفزازي غالبا، على العناصر الإيجابية التي تشكلت في مسار تكوُّن الأحكام الإسبانية عن المغربي والعربي والمسلم بعامة. في حين أن “النظرة” المغربية لإسبانيا والإسبان تميل إلى كونها “إيجابية” وذات طبيعة براغماتية، وذلك منذ فترة هجرة الإسبان إلى المغرب في خمسينيات القرن الماضي إلى اليوم. لقد توجه الإسبان إلى المغرب عموما بسبب الفقر أو هربا من بطش فرانكو، حين كانوا يجولون في قرى وأحياء المغرب على الأرجل لبيع الأثواب وغيرها من البضائع البسيطة (ولم تكن أحكام المغاربة عنهم تحمل أي بعد انتقاصي أو عدواني)؛ كما كان منهم الحرفيون، والميكانيكيون، والتجار ومن يمارس مهنا أخرى تقاسموا مع المغاربة على أرض المغرب قيم تعايش فعلية، واستوطنوا أحياء بكاملها في مدن مثل الرباط والدار البيضاء، وغيرها من مدن الشمال.

أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب .. "عنف التاريخ" يختبر منطق الجوار Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب عنف التاريخ يختبر منطق الجوار



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب عنف التاريخ

كانت هذه تفاصيل أفاية يفكك المتخيل الإسباني عن المغرب .. "عنف التاريخ" يختبر منطق الجوار نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم