اخبار عربية انتخابات مجلس الدوما 2026.. ماذا قبل.. أو ما الذي يحدث فعليا؟
اليكم الان انتخابات مجلس الدوما 2026.. ماذا قبل.. أو ما الذي يحدث فعليا؟ والان إلى التفاصيل من المصدر بتوقيت بيروت_ beiruttime:
تدخل روسيا انتخابات مجلس الدوما (الغرفة الأدنى للبرلمان) في شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في ظرف سياسي مختلف تماما عن انتخابات الدورة المنتهية، والتي جرت في عام 2021، فالحرب في أوكرانيا تقترب من إتمام أربعة أعوام ونصف، والاقتصاد الروسي أثبت قدرة أكبر من المتوقع على امتصاص العقوبات، لكنه انتقل في الوقت نفسه إلى مرحلة تكلفتها الاجتماعية أكبر بالنسبة للناخب العادي والمواطن البسيط في الشارع.
ومع أن التعبئة الوطنية التي رافقت السنوات الأولى للحرب لا تعمل، أو للدقة لم تعد تعمل بالقوة نفسها، فإنه لا توجد حتى الآن مؤشرات جدية إلى أن الانتخابات ستنتج تغييرا في مركز السلطة أو في الأغلبية البرلمانية التي يتمتع بها حزب “روسيا الموحدة” الحاكم.
والسؤال الحقيقي بالنسبة للانتخابات المقبلة ليس من سيفوز، فالمتوقع هو أن “روسيا الموحدة” ستفوز بفارق كبير، لكن بأي نسبة ستفوز، وبأي مستوى من المشاركة الشعبية، وما حجم التآكل الذي يمكن أن يظهر تحت سطح الاستقرار البادي ظاهريا، وكيف ستتوزع أصوات الاعتراض داخل معارضة مستأنسة لا تقدم في معظمها بديلا حقيقيا لسياسة الكرملين؟
والإجابة عن كل أجزاء هذا السؤال مهمة لفهم الانتخابات الروسية بعيدا عن القراءة الرقمية المباشرة، أي الأرقام التي تذكرها مراكز استطلاع الرأي. فانتخابات الدوما، من حيث الموضوعية، يصعب علينا وصفها بالمنافسة المتكافئة على تشكيل الحكومة بالمعنى البرلماني الأوروبي، كما أنه من غير الصائب ولا الموضوعي ولا العادل أيضا وصفها بأنها مجرد استفتاء شكلي عديم المعنى والدلالة.
الانتخابات في روسيا، وهذا رأيي الشخصي الذي أبنيه على متابعة مهنية، هي في حقيقتها آلية سليمة لإعادة قياس توازنات النظام، والأهم تجديد شرعية المؤسسات القائمة. كما أنها تعتبر امتحان قدرة المركز والأقاليم على التعبئة، فضلا عن أنها تعتبر أفضل مقياس لقياس المزاج الاجتماعي بشكل شامل، أشمل بكثير من مسألة استطلاعات الرأي التي تجري عادة بين مجموعات عشوائية من السكان وبعينات عشوائية. أضف إلى ذلك أنها تخدم مسألة إعادة ترتيب أحجام القوى الموجودة داخل المجال السياسي المسموح به.
ولذلك، فإن أهميتها الحقيقية، بناء على ما ذكرته أعلاه، تكمن في التفاصيل الموجودة تحت سقف مسألة النتيجة العامة المتوقعة.
ومن هذه النقطة أنتقل إلى محاولة رسم خريطة حقيقية للقوى السياسية على المسرح السياسي الروسي اليوم.
وأقول إننا إذا استبعدنا الأحزاب التي دخلت إلى السباق وتشارك من الناحية القانونية التي يكفلها الدستور، وعددها حوالي 6 أحزاب، ولكنها تفتقر في الواقع إلى قاعدة اجتماعية أو تنظيمية تسمح لها بالتأثير الجدي، فإن النظام الحزبي الروسي يدور عمليا حول خمسة أحزاب برلمانية رئيسية، وهي “روسيا الموحدة”، الحزب الحاكم، والحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، والحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي أسسه جيرينوفسكي، وحزب “الناس الجدد”، و”روسيا العادلة”.
وخارج هذه الدائرة يأتي حزب “يابلوكو” بوضع مختلف، وما أقصده بكلمة وضع مختلف هو أنه ضعيف انتخابيا على المستوى الفيدرالي، لكنه أكثر أهمية في التأثير السياسي من حجمه العددي بسبب تمثيله الجزء الأعلى صوتا من الخطاب الليبرالي المعارض للحرب الحالية والداعي إلى وقف إطلاق النار والتفاوض.
الأرقام المتوفرة لدي لحظة كتابة هذه السطور، اليوم الأحد 16 أغسطس (آب) 2026، وقبل يوم واحد من البت في الطعن المقدم من حزب “يابلوكو” من أجل استعادة تسجيل قائمته الفيدرالية، وهو ما سأتناوله بالتوضيح أدناه، أقول إن الأرقام نفسها ينبغي التعامل معها بحذر.
ففي استطلاع مركز “ليفادا” في مايو (أيار) الماضي حصل “روسيا الموحدة” على 30% بين مجموع المستطلعين، مقابل 10% للحزب الليبرالي الديمقراطي، و9% للشيوعي، و5% لـ”الناس الجدد”، و4% لـ”روسيا العادلة”. لكن عند الاقتصار على الذين تم استطلاع آرائهم ويقولون إنهم سيشاركون في الانتخابات وحددوا اختيارهم بالفعل، يرتفع “روسيا الموحدة” إلى 47%، والليبرالي الديمقراطي إلى 16%، والشيوعي إلى 15%، و”الناس الجدد” إلى 7%، و”روسيا العادلة” إلى 6%. وهذه الفجوة من غير الصحيح النظر إليها كأرقام إحصائية، وذلك لأنها تعتبر واحدة من أهم مفاتيح قراءة الانتخابات ونتائجها المحتملة.
أما أحدث بيانات مركز “فوم” المتاحة فتشير، وقد حرصت على ذكر ليفادا وفوم تحديدا، لأنهما هما اللذان تعتد بهما وسائل الإعلام العالمية، المهم تشير إلى الاتجاه العام وإن اختلفت النسب نتيجة اختلاف المنهجية بين المركزين. ففي مسح أجراه المركز في الفترة من 7-9 أغسطس (آب) الجاري حصل “روسيا الموحدة” على 37% من مجموع المستطلعين، فيما تحرك الشيوعي والليبرالي الديمقراطي عند نحو 11% لكل منهما، وظلت الأحزاب الأصغر وراءهما في الترتيب.
الأهم هنا ليس البحث عن رقم سحري يجمع “فوم” و”ليفادا” ومعهما “فتسيوم”، ولكن ملاحظة أن المراكز المختلفة، رغم فروقها المنهجية والمؤسسية، ترسم بنية واحدة تقريبا، وهي أن لدينا حزبا حاكما يقف بعيدا في المقدمة، ثم وراءه طبقة ثانية من ثلاثة أحزاب تتنافس على إعادة توزيع المعارضة التي توصف في روسيا بالنظامية، ثم “روسيا العادلة” بالقرب من الحد الحرج.
والسؤال المنطقي الذي يطرأ عادة، خاصة على أذهان المهتمين بالشأن الروسي والمتابعين للوضع السياسي الداخلي في روسيا، هو: لماذا يمكن لحزب روسيا الموحدة أن يحصل على أغلبية برلمانية ضخمة، عادة يزيد عدد مقاعده على 70% من إجمالي المقاعد، رغم أن تأييده الخام أقل كثيرا من نصف المجتمع الروسي، حتى في كل الاستطلاعات؟
والجواب بسيط، لأن النظام الانتخابي الروسي لا يحول نسب استطلاعات الرأي بصورة ميكانيكية إلى مقاعد. فنصف أعضاء الدوما، أي 225 نائبا، يتم انتخابهم بنظام القوائم الحزبية، والنصف الآخر في دوائر فردية.
وهذه الدوائر الفردية تحديدا هي أحد أهم مصادر القوة البنيوية لحزب روسيا الموحدة. وذلك لأن الحزب يمتلك التنظيم الإقليمي الأوسع، وله علاقات أكثر كثافة مع النخب المحلية في الأقاليم، ولديه عدد أكبر من المرشحين المعروفين للسكان، كما أن لديه قدرة أعلى على تعبئة الناخب المحافظ والأكبر سنا والأكثر انتظاما في التصويت.
ولهذا السبب تبدو تقديرات المقاعد أكثر دلالة من استطلاع واحد لنوايا التصويت. وفي مسح للخبراء نشرته صحيفة كوميرسانت الروسية الشهيرة، تراوحت تقديرات روسيا الموحدة بين 95 و130 مقعدا من القوائم الفيدرالية، وبين 155 و210 من المقاعد في الدوائر الفردية.
وهذا الكلام معناه أن النطاق النظري الإجمالي واسع للغاية، لكنه يؤكد أن الحزب يمكنه تحويل تفوق انتخابي واضح، وليس بالضرورة ساحقا طبعا في التصويت الحزبي، إلى هيمنة برلمانية أكبر بكثير.
وفي الوقت نفسه بلغت المقاعد التقديرية للشيوعيين نحو 30-44 من القوائم، وفقط 4-20 مقعدا في الدوائر الفردية، بينما جاءت تقديرات الناس الجدد عند 20-32 مقعدا في القوائم، وما يصل إلى ثمانية مقاعد في الدوائر الفردية، والليبرالي الديمقراطي عند 15-30 في القوائم و2-10 في الدوائر.
والسؤال الذي يطرح على مستوى الداخل الروسي ليس ما إذا كان روسيا الموحدة سيحصل على 48 أو 52 أو 54% من أصوات القوائم، وذلك لأنه يبقى أقل أهمية من سؤال آخر، وهو: كم دائرة فردية يستطيع الحزب الاحتفاظ بها؟ فالسيطرة البرلمانية يتم صنعها في روسيا من الجمع بين كتلة تصويت حزبية كبيرة وآلة انتخابية إقليمية شديدة التفوق في الدوائر الفردية.
وبالتالي، فإن لدينا كمراقبين سؤالا مشروعا، وهو: ما الذي تبقى من المنافسة إذن؟
والجواب هو أن المنافسة لم تختف، لكنها انتقلت إلى مستوى أدنى من الصراع على السلطة. الصراع الأهم في الانتخابات الروسية يدور حول ترتيب القوى التالية وراء حزب روسيا الموحدة.
صحف روسية مهمة وصفت إحدى أهم معارك الحملة بأنها المنافسة على المركز الثالث بين الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب الناس الجدد، وهو حزب صنعه الكرملين، ويشرف عليه، وفقا لتقارير غير رسمية طبعا، سيرغي كيريينكو، مساعد الرئيس الروسي والمسؤول عن السياسة الداخلية في الكرملين، وذلك من أجل جذب الانتليجنسيا الروسية ومن أجل الشباب ذوي التوجهات الليبرالية، لكن غير المعارضين للفكرة الوطنية، حتى لا تجرفهم أحزاب أخرى. وفي الوقت نفسه تسمح تحركات الشيوعيين بأن يصبح ترتيب المراكز من الثاني إلى الرابع أكثر سيولة من المركز الأول.
الحزب الشيوعي، في رأيي، هو الحزب المعارض الوحيد الذي يمتلك أكثر شبكات المعارضة النظامية رسوخا، ولديه قاعدة أكبر سنا وأكثر انتظاما والتزاما، كما أنه يمتلك خطابا اجتماعيا يمكن أن يستفيد من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم المساواة. لكن مشكلته أنه لا يزال يوزع خطابه بين الاحتجاج الاجتماعي التقليدي والحنين السوفيتي والقضايا اليومية، فضلا عن التوافق في ملفات استراتيجية رئيسية مع الدولة.
وقد اطلعت مؤخرا على تحليل نشرته صحيفة كوميرسانت، كان أهم استنتاجاته أن الحزب يلامس بالفعل طلبا اجتماعيا موجودا في الشارع الروسي بقوة، لكن رسالته الانتخابية تظل موزعة بين ملفات كثيرة ولا تتحول دائما إلى عرض سياسي واحد واضح ويمكن فهمه وقبوله بسهولة من قطاعات عريضة من المجتمع أصبحت مفصولة عن تلك اللغة التي لا يزال يصر على استخدامها.
الحزب الليبرالي الديمقراطي، فقد نجح بعد وفاة فلاديمير جيرينوفسكي في تجنب الانهيار الذي كان كثيرون يتوقعونه. وتحول بشكل تدريجي إلى حزب يمكن وصفه بالقومي الاجتماعي، وهو أكثر انتظاما وأقل ارتباطا بشخص واحد، كما كان الحال في عهد جيرينوفسكي، كما أصبح مركزا على قضايا الهجرة والأمن والحماية الاجتماعية للمواطن الروسي، فضلا عن خطاب “الأولوية للداخل”، وهذا الخطاب له أيضا قاعدته الجماهيرية داخل روسيا.
فهذه تركيبة قابلة للتسويق انتخابيا بقوة في مجتمع يعيش حربا طويلة وضغوطا معيشية، ولذلك لا ينبغي النظر إلى صعود الحزب باعتباره مجرد استمرار آلي لتراث جيرينوفسكي.
أما حزب “الناس الجدد” فيمثل ظاهرة مختلفة. الحزب، وكما ألمحت أعلاه، يحاول أن يحتفظ بمساحة الناخب الحضري الأصغر سنا والأكثر ميلا إلى الإدارة والتكنولوجيا وريادة الأعمال، والذي لا يريد بالضرورة مواجهة سياسية مع الكرملين، لكنه غير متحمس أيضا للبيروقراطية التقليدية.
ومن واقع متابعتي الشخصية لتطوره منذ لحظة تأسيسه والإعلان عنه، أستطيع القول إن سقف الحزب ما زال محدودا، لكنه مع ذلك يمتلك ميزة مهمة تتمثل في قدرته على استقبال جزء من الناخبين الذين يريدون تغييرا في الأسلوب والإدارة من دون الانتقال إلى المعارضة الجذرية للنظام وللسلطة.
أما حزب روسيا العادلة، فهو يعتبر، في رأيي، الحلقة الأضعف بين الأحزاب البرلمانية الخمسة الرئيسية اليوم. وجود الحزب بالقرب من حاجز 5% يجعله أكثر تعرضا لمشكلة التصويت المفيد، بمعنى أن الناخب المعترض قد يفضل الشيوعيين، والناخب ذو التوجه القومي قد يذهب إلى الليبرالي الديمقراطي، والناخب الباحث عن التجديد يستطيع اختيار الناس الجدد. وهكذا تصبح المشكلة بالنسبة للحزب ليست غياب القضايا التي يستطيع الحديث عنها، وإنما غياب الاحتكار الواضح لأي مساحة انتخابية.
وبالطبع أسمعكم تسألون: وأين يقع حزب “يابلوكو”، الذي صدعت رؤوسنا به وكالات رويترز والأناضول وسي إن إن وكل إعلام الغرب والشرق يا عم سعد، في هذه الخريطة؟
وأقول لكم، من منطق “الرائي يصدق أهله”، إنه من الخطأ تضخيم الوزن الانتخابي ليابلوكو، لأن وزنه في الحقيقة وفي الواقع ضئيل، لكن مع ذلك من الخطأ أيضا اختزال أهميته في نسبته الانتخابية.
وحتى نتحدث بلغة الأرقام، فأقول إن التقدير الذي نشرته صحيفة كوميرسانت، والذي استندت فيه إلى تقييم وكالة الاتصالات السياسية والاقتصادية، وضع الحزب قبل أزمة إلغاء تسجيل قائمته الفيدرالية عند نحو 3-4% فقط، أي دون حاجز الـ5% المنصوص عليه دستوريا من أجل دخول البرلمان. كما أنه في الانتخابات السابقة عام 2021 حصل على ما يزيد قليلا على 1% فقط. وبالتالي لم يكن السيناريو الأكثر احتمالا أن يتحول يابلوكو إلى قوة برلمانية كبيرة، لأنه كان من غير المتوقع أن يدخل عتبة الدوما أصلا يا ناس.
لكن القصة أن وظيفته السياسية مختلفة، فهو يقدم الخيار المباشر والواضح داخل المجال الحزبي القانوني للناخب الذي يريد التعبير عن رفض استمرار الحرب والدعوة إلى وقف إطلاق النار والمفاوضات، وهؤلاء يشكلون نسبة كبيرة في المجتمع الروسي، تصل حسب بعض استطلاعات الرأي إلى ما فوق 25% من السكان.
وهنا يكمن خطر يابلوكو على النظام الحاكم، وذلك لأن هذه الوظيفة تصبح أكثر أهمية عندما نقارنها، بناء على ما ذكرته أعلاه، باتجاهات الرأي العام، لأن المجتمع الروسي نفسه أكثر تركيبا من الخريطة الحزبية المعروضة عليه.
إذن سؤال: ما السبب الحقيقي وراء إلغاء تسجيل قائمة يابلوكو الفيدرالية؟
لدينا في الإجابة عن هذا السؤال روايتان، الرواية المعارضة التي تقول إن الحزب أسقط بسبب موقفه من الحرب، وأرى أن هذه الرواية غير دقيقة لأنها تختزل مسارا قضائيا موجودا بالفعل.
والرواية المضادة، والتي تقدم القضية باعتبارها مجرد تطبيق فني تقني محايد لقانون الانتخابات، وهي الأخرى في رأيي غير دقيقة، وذلك لأنها تتجاهل سياقا سياسيا واضحا في ظروف الإلغاء.
ما لدينا هو أن المحكمة العليا ألغت في جلسة يوم 10 أغسطس (آب) الجاري تسجيل القائمة الفيدرالية للحزب بناء على دعوى مرفوعة من حزب “رودينا”. وبحسب التفاصيل التي نشرتها الصحف الروسية، قبلت المحكمة حججا تتعلق بحقوق الملكية الفكرية واستخدام مواد في الدعاية، وكذلك تتعلق بجوانب من تمويل الحملة الانتخابية للحزب، وبمواد تم اعتبارها دعاية انتخابية جرت خارج الإطار المالي المقرر.
على الجانب الآخر، لم يصبح اتهام “التطرف” أساسا قضائيا مثبتا لإسقاط القائمة. وهذه نقطة يجب تثبيتها بوضوح لأن الخلط بينها وبين بقية الاتهامات يؤدي إلى وصف غير دقيق للحكم، الذي صدر بالفعل وحيثياته الحقيقية.
دفاع يابلوكو ينازع في جوهر هذه الوقائع وفي تفسيرها. ومن أبرز نقاط الخلاف الأموال التي تلقاها بعض المتبرعين من الخارج، ومدى إمكانية اعتبارها تمويلا أجنبيا للحزب، فضلا عن تحميل الحزب تكلفة منشورات ومحتوى نشره مؤيدون أو أطراف أخرى من دون أن يكون الحزب، بحسب دفاعه، قد تعاقد معهم أو دفع لهم.
إذن، توجد بالفعل أسباب قانونية مكتوبة، لكنها أسباب محل نزاع حقيقي في تفسير الوقائع وفي التناسب بين حجم المخالفة وحجم العقوبة. وهذه الصياغة، في رأيي، أكثر دقة من القول إنه لا توجد أي أسباب إطلاقا لاستبعاد قائمة الحزب.
مع ذلك يمكننا بالطبع الحديث عن وجود سياق سياسي قوي أيضا، لأنه قبل إسقاط القائمة، خرجت مطالب علنية بمعاقبة يابلوكو بسبب موقفه من الحرب. فعلى سبيل المثال، خرج سيرغي ميرونوف، زعيم روسيا العادلة، ودعا صراحة إلى استبعاد يابلوكو من الانتخابات بسبب موقفه من أوكرانيا. وبالتالي لم تظهر القضية القضائية في فراغ سياسي، وكانت مسبوقة بحملة سياسية ضد الحزب على خلفية دعوته إلى وقف إطلاق النار.
قضية يابلوكو نفسها تكشف في هذا السياق عن وجود فجوة بين التنوع الموجود في الرأي العام والتنوع الذي يستطيع النظام الحزبي تحويله إلى تمثيل انتخابي. وهذه المسألة تظهر بوضوح شديد في ملف الحرب. ففي استطلاع لمركز ليفادا في شهر يوليو (تموز) 2026، قالت أغلبية المستطلعين، 69% تقريبا، إنها تؤيد القوات المسلحة الروسية، وفي الوقت نفسه اقتربت نسبة المؤيدين للانتقال إلى مفاوضات السلام من الثلثين. وهذا الكلام معناه أن ثنائية.. مؤيد للحرب/معارض للحرب.. هي تبسيطية بشكل مخل ولا تصف المزاج الروسي بدقة. لأن هناك كتلة واسعة تستطيع أن تؤيد الجيش والدولة، لكنها، أي هذه الكتلة، ترفض في الوقت نفسه فكرة حرب مفتوحة بلا نهاية، وتفضل الوصول إلى تسوية تفاوضية.
هذه ربما أهم نقطة سياسية في الانتخابات كلها، وما أقصده أن الطلب على إنهاء الحرب أو التفاوض لا يتحول تلقائيا إلى تصويت ضد الكرملين. بل إن جزءا كبيرا من الرأي العام يمكن أن يريد السلام، لكنه يريد سلاما تقدمه الدولة باعتباره نتيجة مقبولة أو انتصارا.. ولكن ليس بحال سلام ينتج عن هزيمة سياسية لروسيا. ولذلك لا ينبغي قراءة ارتفاع تأييد المفاوضات باعتباره تلقائيا ارتفاعا موازيا للمعارضة.
وبناء على استنتاجي هذا، فإنني أعتقد أن القول إن الانتخابات ستكون بمثابة استفتاء على الحرب، هو قول غير دقيق. فلكي تصبح الانتخابات استفتاء على قضية بوزن الحرب، يجب أن توجد بدائل انتخابية واضحة تجسد جانبي الاختيار. وهذا الأمر غير متوافر بصورة متكافئة في الحالة الروسية.
فكما سبق وقلت، الأحزاب البرلمانية الرئيسية لا تقدم اختلافا استراتيجيا جذريا بشأن الحرب يتيح للناخب الاختيار بين مشروع استمرارها ومشروع إنهائها.
لذلك يستطيع روسيا الموحدة أن يفوز نعم، وهو سوف يفوز بالفعل، بينما يريد قطاع كبير من ناخبيه أنفسهم مفاوضات سلام. ويستطيع الحزب الشيوعي أو الليبرالي الديمقراطي أن يكسبا أصواتا احتجاجية من دون أن تعني تلك الأصوات رفض السياسة الروسية تجاه أوكرانيا.
أعتقد أن الانتخابات ستكون استفتاء غير مباشر على قدرة النظام الحاكم على إدارة نتائج الحرب، وأقصد بذلك تكلفتها الاقتصادية التي باتت ترتفع بشدة خلال الأشهر الأخيرة مع التغير النوعي في ضربات المسيرات الأوكرانية على المنشآت النفطية ومراكز التجارة الإلكترونية، فضلا عن قدرته على حماية مستويات المعيشة التي كانت قائمة حتى خلال سنوات الحرب الأربعة ونصف، وتوفير الأمن، والحفاظ على الإحساس بالاستقرار، ثم بعد ذلك كله تقديم أي تسوية مستقبلية باعتبارها نتيجة مقبولة.
ففي رأيي، الاقتصاد الآن أصبح أكثر خطورة من الحرب من وجهة نظر الانتخابات، بمعنى أن الحرب تتحول سياسيا إلى مشكلة داخلية عندما تصل تكلفتها إلى الأسرة البسيطة ومقدراتها المعيشية. وبالتالي تصبح أهمية التضخم والأسعار والفائدة والإنفاق العام أكثر من أهمية المؤشرات الكلية المجردة للاقتصاد.
نقطة أخرى مهمة لا بد من الإشارة إليها في هذا السياق، وهي ضرورة الفصل بين شعبية بوتين وشعبية الحكومة وروسيا الموحدة. وذلك لأنها مستويات مختلفة من الشرعية السياسية.
فالنظام الروسي شديد الرئاسية، والرئيس يحتفظ تقليديا برصيد ثقة يفوق الحكومة والدوما والحزب الحاكم كلهم. ومن الخطأ بالتالي تحويل أي انخفاض في تصويت روسيا الموحدة مباشرة إلى انخفاض مماثل في شعبية فلاديمير بوتين.
وسأضرب مثالا بالأرقام على كلامي، فمركز ليفادا سجل في استبيان يوليو (تموز) 2026 رضا 52% من المستطلعة آراؤهم عن أداء مجلس الدوما، بينما تشير بياناته الأوسع إلى أن تقييم الرئيس يظل أعلى بكثير من تقييم المؤسسات الأخرى. كما أن مركزي فوم وفتسيوم، رغم اختلاف منهجيتهما وأرقارهما، يؤكدان باستمرار هذه الفجوة بين المستوى الرئاسي وبقية مستويات السلطة.
وهذه البنية وهذه التركيبة تمنح الكرملين هامشا مهما يسمح له بامتصاص السخط في الحكومة، أو المحافظين، أو النواب، أو الحزب الحاكم من دون انتقاله تلقائيا إلى الرئيس. وهذه إحدى آليات الاستقرار الرئيسية، إن لم تكن الأهم، في النظام.
سؤال آخر مهم، لماذا يوجد لافروف وسوبيانين في صدارة قائمة روسيا الموحدة، وهل يمكن أن يصبحا نائبين؟
وجه لي هذا السؤال وأصبت بحيرة، فبحثت وفهمت أن هذه المسألة تعرضت أحيانا لصياغة خاطئة. فوجود سيرغي لافروف وسيرغي سوبيانين في مقدمة القائمة لا يعني أنهما سوف يصبحان عضوين في مجلس الدوما.
فحسب ما فهمت من الطبيعة القانونية للانتخابات في روسيا، فإن القائمة الانتخابية هي أداة سياسية وقانونية للوصول إلى المقاعد، وليست في حد ذاتها توزيعا نهائيا لها.
بمعنى أنه في حالة حصول لافروف وسوبيانين على حق في مقعد بعد فوز القائمة، تظهر مسألة التوافق الوظيفي، بمعنى أن وزير الخارجية وعمدة موسكو لا يستطيعان ببساطة ممارسة منصبيهما التنفيذيين الحاليين بالتوازي مع عضوية الدوما.
وبالتالي يستطيع المرشح قبول التفويض النيابي إذا كان مستعدا لترك موقعه الآخر، أو عدم الانتقال إلى البرلمان، فتؤول عملية توزيع المقعد إلى مرشح آخر وفق الإجراءات القانونية.
لكن المعنى السياسي أهم من التقنية القانونية، فوضع شخصيات ذات ثقل مثل لافروف وسوبيانين في المقدمة يمنح القائمة وجوها تتجاوز شعبية الجهاز الحزبي نفسه. والحزب هنا لا يبيع للناخب.. النواب الذين سيجلسون بالضرورة في البرلمان.. فقط، وإنما يقدم مجموعة رمزية تربط التصويت للحزب بالدولة وقياداتها الأكثر شهرة.
وقبل أن أختم، أسأل سؤالا وجيها: ما الذي يمكن أن تغيره الانتخابات البرلمانية المقبلة فعليا في روسيا؟
في رأيي لن تغير اتجاه السياسة الخارجية، ولن تحول الدوما إلى مركز مستقل لصنع القرار، ولن تنتج حكومة معارضة.
لكنها مع ذلك تستطيع أن تعيد ترتيب الأحزاب الموجودة تحت مظلة النظام، وأن تكشف حجم التآكل الاجتماعي، فضلا عن أنها سوف تحدد أي نوع من الخطاب أصبح أكثر قدرة على جذب الناخب الروسي، مثلا الخطاب الاجتماعي للشيوعيين أم القومي الاجتماعي لليبرالي الديمقراطي أم الإداري التحديثي للناس الجدد.
كما أنها ستقدم للكرملين خريطة تفصيلية للمجتمع بعد سنوات الحرب الأربع ونصف التي مضت، بمعنى أين توجد نقاط الضعف، وأي فئات أصبحت أقل قابلية للتعبئة، وأي قضايا أصبحت أكثر خطورة، وما مدى نجاح نقل تكلفة الحرب بعيدا عن الحياة اليومية للأغلبية.
وبالنسبة لقضية حزب يابلوكو، فأقول إنه إذا ثبتت المحكمة في جلستها المحددة للبت في الاستئناف استبعاد قائمته نهائيا بعد الاستئناف، فلن يؤدي ذلك بالطبع إلى تغيير هوية الفائز، لأن الحزب لم يكن قريبا، وفق معظم التقديرات، من منافسة روسيا الموحدة أو حتى الأحزاب البرلمانية الرئيسية التي عرضت لها في هذه السطور بالشرح والتحليل.
لكن مع ذلك سوف يكون تأثير هذا القرار، إن صدر بهذا الشكل فعلا، أكبر بكثير من الوزن العددي للحزب. فغيابه يقلل المسافة السياسية بين البدائل الموجودة في ورقة الاقتراع في أهم قضية تواجه الدولة الروسية منذ 2022، وهي قضية الحرب.
وختاما أقول إن انتخابات مجلس الدوما 2026 لا يجب أن ننظر إليها باعتبارها انتخابات على السلطة، لأنها في حقيقة الأمر هي انتخابات داخل بنية السلطة القائمة. والنتيجة المتوقعة هي استمرار روسيا الموحدة في السيطرة على البرلمان، مع أغلبية مقاعد أكبر بكثير من نسبته الخام في المجتمع بفضل طبيعة النظام المختلط، قوائم فيدرالية ودوائر فردية، وتفوقه بالطبع، كما بسط بالشرح أعلاه، في الدوائر الفردية.
أما المنافسة الحقيقية فستدور، في رأيي، على المراكز التالية وعلى من يستطيع احتواء السخط الاجتماعي من دون أن يتحول هذا السخط إلى تحد للنظام نفسه.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
المصدر الأصلي:
eurasiaar.org
تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-08-17 10:57:00
كاتب المصدر:
سعد خلف
نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل انتخابات مجلس الدوما 2026.. ماذا قبل.. أو ما الذي يحدث فعليا؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.