اخبار محلية مستقبل أبنائنا ليس حقلًا للتجارب...

مستقبل أبنائنا ليس حقل ا للتجارب


اليكم الان مستقبل أبنائنا ليس حقلًا للتجارب... والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24

 

 

للأسف، تُتخذ اليوم قرارات تمسّ صميم اختصاصاتنا وحقوقنا ومستقبل أبنائنا أمام أعيننا، بينما يظل الأكاديميون والتربويون والاقتصاديون وعلماء الاجتماع بعيدين عن المشاركة الحقيقية في صنعها. والأغرب أن وزارة التربية والتعليم، وهي تتعامل مع قضية وطنية بحجم مستقبل جيل كامل، لا تفتح حوارًا جادًا وواسعًا مع أصحاب الاختصاص قبل اتخاذ قرارات مصيرية، ثم نكتشف آثارها بعد التطبيق، فتبدأ مرحلة التعديل والترقيع.

ما يحدث في نظام الثانوية العامة يثير أسئلة مشروعة: لماذا كل هذا الاستعجال في تغيير نظام يرتبط بمستقبل الطلبة؟ ولماذا يُطبَّق النظام ثم تبدأ دراسة مشكلاته ومراجعته بعد أن يقع الضرر؟ القرارات التربوية ليست مجالًا للتجربة والخطأ؛ لأن ثمن الخطأ هنا لا تدفعه مؤسسة، بل يدفعه طالب وأسرة ومستقبل جيل كامل.

أجيال من الأطباء والمهندسين والوزراء والأكاديميين والخبراء درسوا في ظل نظام العلمي والأدبي، واليوم هم من خيرة الكفاءات في وطننا. فما المشكلة الجوهرية التي كان يعاني منها هذا النظام حتى يُلغى ويُستبدل بنظام المسارات بهذه الصورة؟ ولماذا لم يكن تطوير النظام القائم ومعالجة جوانب القصور فيه خيارًا، بدل الانتقال إلى نظام يحاصر الطالب مبكرًا داخل مسار أو حقل يحدد إلى درجة كبيرة خياراته الجامعية اللاحقة؟

الأخطر من ذلك أن الطالب يُطلب منه اختيار مساره وفق ميوله ورغباته، ثم يُفاجأ لاحقًا بأن عدد المقاعد الجامعية المتاحة في تخصصات ذلك المسار محدود. وهنا يبرز السؤال البديهي: أين ذهبت رغبة الطالب التي بُني عليها اختيار المسار أصلًا؟

لنفترض أن طالبًا اختار مسارًا يؤهله لدراسة هندسة الحاسوب، وحقق معدلًا مرتفعًا، لكنه لم يحصل على مقعد بسبب محدودية المقاعد. ماذا يفعل؟ هل يُجبر على دراسة تخصص لا يرغبه لمجرد أنه يقع ضمن المسار المتاح له؟ وإذا رضخ للأمر الواقع وقرر تغيير رغبته ودراسة إدارة الأعمال أو الاقتصاد أو المحاسبة، فلماذا يُجبر على العودة إلى دراسة مواد أو متطلبات جديدة حتى يستطيع تغيير اتجاهه؟

نحن نتحدث عن شباب في بداية حياتهم، وليس عن ملفات إدارية يمكن نقلها من خانة إلى أخرى.

كما أن اختيار التخصص في عمر مبكر ليس قرارًا نهائيًا بالضرورة. فكثير من الطلبة لا يكتشفون حقيقة ميولهم وقدراتهم إلا بعد دخول الجامعة. خذوا كلية الطب مثالًا: كم من طالب حلم بدراسة الطب، ثم بعد التحاقه به اكتشف أنه لا يستطيع نفسيًا التعامل مع المرض أو الموت أو رؤية الدم، أو اكتشف ببساطة أن ميوله الحقيقية في مجال آخر؟ في النظام المرن يستطيع إعادة التفكير في مستقبله والتحول إلى تخصص مختلف، أما في نظام المسارات فقد يجد نفسه محاصرًا داخل دائرة التخصصات الصحية التي لم يعد يرغب في دراستها.

فهل يُعقل أن يتحول اختيار طالب في السابعة عشرة من عمره إلى حكم يلاحقه في مستقبله الجامعي؟

وهناك جانب آخر يمس العدالة وتكافؤ الفرص؛ فتعقيد نظام الثانوية العامة الأردنية قد يدفع بعض الأسر القادرة ماديًا إلى تدريس أبنائها خارج الأردن أو في أنظمة أجنبية داخل المملكة، ثم يعود هؤلاء بمعدلات ومعادلات مرتفعة لينافسوا على مقاعد الجامعات الأردنية، ولو ضمن نسبة محددة. المشكلة ليست في هؤلاء الطلبة، بل في عدالة منظومة تجعل الطالب الأردني يخضع لنظام أكثر صعوبة وتقييدًا، بينما تتيح القدرة المالية لغيره طريقًا مختلفًا وأكثر مرونة للوصول إلى المقعد الجامعي. فهل يُعقل أن تتحول القدرة المادية للأسرة إلى ميزة تعليمية، وأن يصبح الالتزام بنظام الثانوية العامة الأردنية عبئًا على أبنائه بدل أن يكون ضمانة للعدالة وتكافؤ الفرص؟

ثم إنني أرفض اختزال فلسفة التعليم الجامعي في سؤال واحد: هل لهذا التخصص وظيفة أم لا؟

التعليم ليس مجرد مصنع لإنتاج الموظفين، والجامعة ليست مكتب تشغيل. الإنسان قد يدرس الطب ويعمل طبيبًا سنوات، ثم يقرر في مرحلة لاحقة من حياته دراسة الأدب أو الشعر أو التاريخ رغبةً في المعرفة، أو تطويرًا لمهاراته، أو تحقيقًا لشغف ظل يحمله سنوات. فلماذا نبني نظامًا تعليميًا يغلق الأبواب مبكرًا، بدل أن يفتح أمام الإنسان فرص التعلم والتحول والتطور طوال حياته؟

أما معالجة البطالة من خلال تقليص فرص التعليم أو تضييق التخصصات أمام الطلبة، فهي معالجة للمشكلة من الطرف الخطأ. تنمية الموارد البشرية لا تكون بتخفيض سقف طموحاتها، بل بتوسيع قدراتها وفرصها وإبداعاتها.

وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين أمرين مختلفين: عدم حاجة المجتمع إلى تخصص معين، وعدم قدرة الحكومة على استحداث شواغر وتمويل رواتب جديدة لهذا التخصص. فعدم وجود شاغر حكومي لا يعني بالضرورة عدم وجود حاجة مجتمعية أو اقتصادية إلى التخصص.

ولنأخذ القطاع الصحي مثالًا. إذا كانت المستشفيات تعاني أصلًا من ضغط العمل، وكان الأطباء والعاملون في القطاع الصحي يعانون من أعباء كبيرة وإرهاق بسبب كثافة العمل، فلا يكفي أن نقول إن هناك "بطالة بين الأطباء" ثم نبني على ذلك سياسة لتقليص فرص دراسة الطب. علينا أولًا أن نسأل: هل لدينا فائض حقيقي من الأطباء مقارنة بحاجة السكان والمؤسسات الصحية؟ أم أن المشكلة في قدرة الموازنة العامة على استحداث شواغر وتمويل رواتب جديدة؟

إذا كانت المشكلة مالية أو إدارية، فإن علاجها يكون بمعالجة أسبابها، لا بنقل كلفتها إلى طالب في السابعة عشرة من عمره وإغلاق باب تخصص يحلم به.

القضية إذن ليست دفاعًا عن الطب أو الهندسة أو أي تخصص بعينه، وإنما دفاع عن حق الطالب في أن تكون أمامه خيارات معقولة ومرنة، وحقه في أن يغيّر اختياره عندما يكتشف أن ميوله وقدراته مختلفة، وحق المجتمع في أن تُبنى سياساته التعليمية على العلم والدراسة والمشاركة، لا على التجربة والارتجال ثم معالجة النتائج بعد وقوع الضرر.

نحن بحاجة إلى أن تجلس وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي مع التربويين والأكاديميين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع وممثلي الطلبة والأسر وسوق العمل، وأن تُدرس المنظومة باعتبارها سلسلة واحدة مترابطة: من المدرسة، إلى الثانوية العامة، إلى الجامعة، إلى سوق العمل. فلا يجوز أن تتخذ كل جهة قراراتها بمعزل عن الأخرى، ثم يجد الطالب نفسه في النهاية عالقًا بين مسار اختاره، ومقاعد محدودة، وتخصصات لا يرغبها، وسوق عمل يُستخدم مبررًا لتضييق خياراته.

أبناؤنا ليسوا أرقامًا في معادلة القبول الجامعي، ولا يجوز أن يتحول نظام الثانوية العامة إلى أداة لضبط أعداد الداخلين إلى الجامعات أو لمعالجة البطالة أو عجز الإنفاق الحكومي.

وظيفة التعليم أن يبني الإنسان، وينمي قدراته، ويوسع أفقه وخياراته، لا أن يعيد تشكيل طموحاته حتى تتناسب مع قدرة المؤسسات على استيعابه.

هذه أمانة ومسؤولية، والقرار الذي يتعلق بمستقبل جيل كامل يحتاج إلى الحكمة والتروي والاستماع الحقيقي لأصحاب الاختصاص قبل اتخاذه، لا بعد أن يدفع الطلبة ثمنه.

وكما جاء في الحديث الشريف: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

فحقوق أبنائنا وأحلامهم ومستقبلهم ليست ميدانًا للتجريب، ومن يتولى مسؤولية مستقبل جيل سيُسأل عن قراراته وآثارها .

وعند الله تجتمع الخصوم.

.

مستقبل أبنائنا ليس حقل ا للتجارب



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


جو 24 مستقبل أبنائنا ليس حقل ا للتجارب

كانت هذه تفاصيل مستقبل أبنائنا ليس حقلًا للتجارب... نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم