اخبار عربية حين تتحول المشاهدة إلى إدانة !
اليكم الان حين تتحول المشاهدة إلى إدانة ! والان إلى التفاصيل من المصدر جريده المساء:
بقلم: شحاته زكريا
( باحث في الشؤون الاجتماعية والثقافية)
لم تعد الصورة تحتاج إلى وقت طويل حتى تصل إلى الناس. مشهد قصير، أو مقطع مصور، أو صورة واحدة، يمكن أن ينتقل خلال دقائق من هاتف إلى آخر ثم يتحول إلى حديث عام وربما إلى قضية تشغل الرأي العام قبل أن يعرف أحد تفاصيلها كاملة…هذه السرعة منحت المجتمع قدرة كبيرة على المعرفة والمتابعة لكنها في الوقت نفسه طرحت سؤالا أكثر أهمية: متى تتحول المشاهدة من مجرد اطلاع إلى حكم؟ ومتى تتحول الصورة من وسيلة لنقل واقعة إلى أداة لإدانة شخص؟ المشكلة ليست في الصورة وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها.. فالصورة قد تكون صادقة لكنها لا تكون بالضرورة كاملة.
والمقطع الذي نشاهده في ثوان قد يكون جزءا من قصة بدأت قبل التصوير واستمرت بعده. أما العنوان المصاحب له فقد يضع المشاهد منذ اللحظة الأولى أمام تفسير واحد وكأن الحقيقة اكتملت بمجرد ظهور المشهد..
وهنا تبدأ المشكلة.. لقد تغيرت علاقتنا بالأخبار بصورة كبيرة. في الماضي كان الخبر يمر غالبا عبر مؤسسات إعلامية وصحفيين ومحررين قبل أن يصل إلى الجمهور. أما اليوم فقد يصل إلينا من حساب شخصي أو مجموعة محادثة أو صفحة لا نعرف صاحبها،أو مقطع مجهول المصدر ثم نقوم نحن بإعادة نشره قبل أن نعرف حقيقة ما فيه.
لم يعد المتلقي مجرد مستقبل للمعلومه وإنما أصبح في كثير من الأحيان حلقة في سلسلة إنتاجها وانتشارها.. وهذا يضع أمامه مسؤولية لم تكن موجودة بهذا الحجم من قبل..
فعندما تضغط زر المشاركة أنت لا تنقل معلومة فقط وإنما تمنحها قدرا من الثقة أمام الآخرين وقد تكون الجملة التي تكتبها أسفل الصورة أخطر من الصورة نفسها.. أن تقول: هذا هو المتهم أو شاهدوا ماذا فعل أو لابد من معاقبته يعني أنك انتقلت من المشاهدة إلى الحكم رغم أنك قد لا تعرف ماذا حدث قبل اللحظة التي ظهرت فيها الكاميرا ولا ماذا حدث بعدها.
وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين كشف الواقعة وإصدار الحكم .. من حق الإعلام والمواطن أن يلفتا الانتباه إلى واقعة تستحق التحقيق ومن حق المجتمع أن يرفض الخطأ وأن يطالب بالمحاسبة لكن المحاسبة شيء وإصدار الحكم قبل اكتمال المعلومات شيء آخر.. فالتحقيق له أدواته والقضاء له قواعده والشهادة لها شروطها والأدلة تحتاج إلى فحص.. أما مواقع التواصل فلا تملك في كثير من الأحيان سوى صورة أو مقطع وتعليقات سريعة.. وهنا تظهر واحدة من أخطر ظواهر عصر المنصات: المحاكمة قبل التحقيق.
قد يجد شخص نفسه خلال ساعات في مواجهة آلاف التعليقات والاتهامات وقد تتحول صورته إلى مادة للتشهير ثم تأتي الحقيقة لاحقا لتقول إن المشهد لم يكن كما بدا.
لكن المشكلة أن الحقيقة حتى عندما تظهر لا تملك دائما السرعة نفسها التي تمتلكها الشائعة.. الخبر الخاطئ قد يصل إلى ملايين الأشخاص في ساعات بينما يحتاج تصحيحه إلى وقت وقد لا يصل التصحيح إلى العدد نفسه من الناس.
والأثر لا يتعلق بالمعلومة فقط بل بالإنسان الذي تعرض للاتهام.. فالسمعة ليست منشورا يمكن حذفه والضرر النفسي والاجتماعي لا ينتهي بالضرورة عندما يختفي المقطع من الصفحة.. لهذا فإن قاعدة مهمة يجب ألا تضيع وسط سرعة التفاعل: المتهم ليس مدانا لمجرد أن صورته ظهرت على الشاشة.. هذه ليست قاعدة قانونية فحسب وإنما هي أيضا قاعدة أخلاقية.. فالمجتمع الذي يرفض الظلم لا ينبغي أن يقع فيه وهو يحاول مواجهته والمفارقة أن وسائل التواصل التي منحت الناس قدرة أكبر على كشف بعض الوقائع منحتهم في الوقت نفسه قدرة أكبر على ظلم الآخرين.
الكاميرا يمكن أن توثق الحقيقة لكنها قد توثق جزءا منها.
والمنصة يمكن أن تفتح بابا للمساءلة لكنها قد تتحول إلى محكمة لا تسمع إلا رواية واحدة والجمهور يستطيع أن يلفت الانتباه إلى قضية لكنه لا يستطيع أن يحل محل التحقيق.
وهنا لا يمكن تجاهل طبيعة المنصات نفسها فالمحتوى الذي يثير الغضب والدهشة والخوف ينتشر عادة أسرع من المحتوى الهادئ الذي يشرح ويحلل. والمشهد الصادم يجذب الانتباه أكثر من التفاصيل التي تحتاج إلى قراءة ولهذا أصبحنا أمام مشكلة جديدة: اقتصاد الانفعال كلما كان المحتوى أكثر إثارة كانت فرص انتشاره أكبر وكلما كان الحكم أسرع وأكثر حدة كان التفاعل معه أعلى وفي وسط هذا السباق قد تصبح الحقيقة هي الطرف الأبطأ لكن الحقيقة لا يجب أن تكون سريعة بقدر ما يجب أن تكون صحيحة ربما نحتاج إلى استعادة قيمة أصبحت نادرة في زمن السرعة: التريث .. أن نرى ولا نحكم فورا.. أن نسمع ولا نكتفي برواية واحدة.
أن نسأل عن المصدر.
أن نعرف ما إذا كان المقطع كاملا أم مجتزأ.
أن ننتظر ما تقوله الجهات المختصة عندما تكون القضية تحتاج إلى تحقيق.. هذا لا يعني أن نصمت أمام الخطأ ولا أن نبرر التجاوزات ولا أن نتعامل مع كل واقعة باعتبارها أمرا عاديا على العكس الوعي الحقيقي يجعلنا أكثر قدرة على التمييز بين النقد المسؤول والتشهير وبين المطالبة بالحق والرغبة في الانتقام وبين كشف الحقيقة وتحويل الإنسان إلى مادة للتنمر.. وهنا يأتي دور الإعلام.. الإعلام المهني لا يكتفي بعرض الصورة وإنما يبحث عما وراءها. لا يخلط بين الاتهام والإدانة ولا يجعل من تفاعل الجمهور بديلا عن التحقق.. كما أن الجهات الرسمية مطالبة عندما تتعلق القضية بالشأن العام بسرعة تقديم المعلومات الموثوقة لأن ترك مساحة واسعة للغموض يفتح الباب أمام الاجتهادات والشائعات.. أما المواطن فربما يكون أمامه سؤال بسيط لكنه مهم قبل كل مشاركة: هل أنا أنقل حقيقة، أم أساهم في صناعة حكم؟ هذا السؤال وحده قد يمنع ظلما أو يوقف شائعة أو يحمي شخصًا من اتهام لا يستحقه.. وفي المقابل لا ينبغي أن نذهب إلى الطرف الآخر فنرفض التصوير أو التوثيق أو نشر الوقائع بحجة الخوف من الخطأ.. التوثيق مهم والصورة قد تكون وسيلة لكشف خلل أو لفت الانتباه إلى واقعة تحتاج إلى تحقيق.. لكن الفرق كله يكمن في ما الذي نفعله بالصورة بعد أن نراها.. هل نضعها أمام الجهات المختصة؟ هل نبحث عن الحقيقة؟ هل نترك مساحة للرد؟
أم نحولها مباشرة إلى اتهام وحكم وعقوبة اجتماعية؟.
هنا يتحدد مستوى الوعي.. لقد أصبحت الكاميرا في يد الجميع وأصبح كل شخص قادرا على أن يكون شاهدا وناشرا، ومعلقا، وأحيانا مصدرا للأخبار.. وهذه قوة كبيرة لكنها تحتاج إلى مسؤولية توازيها.. فليس المطلوب أن نصبح مجتمعا يخاف من الكلام وإنما مجتمعا يعرف قيمة الكلمة.
وليس المطلوب أن نتوقف عن التعبير عن الغضب وإنما أن نمنع الغضب من أن يصبح بديلًا عن الحقيقة.. وليس المطلوب أن نغلق أعيننا أمام الأخطاء وإنما أن نفتحها بصورة أوسع حتى نرى الصورة كاملة.. في النهاية ليست المشكلة أن نشاهد.. المشكلة أن نعتبر المشاهدة حكما
فبين الصورة والحقيقة مساحة لا يجوز أن نلغيها وبين الاتهام والإدانة طريق لا ينبغي اختصاره في ضغطة زر.
وقد تكون أهم مهارة نحتاج إلى تعليمها للأجيال الجديدة في عصر الصورة ليست فقط كيف يصورون وينشرون وإنما كيف يتوقفون قبل أن يحكموا. لأن المجتمع العادل ليس هو الذي لا يغضب وإنما الذي يعرف كيف يجعل غضبه خاضعا للحقيقة.. والمجتمع الواعي ليس الذي يصدق كل ما يراه ولا الذي يشك في كل شيء وإنما الذي يعرف أن الحقيقة أحيانا تحتاج إلى وقت.. فقد نكون جميعًا شهودا على المشهد لكن لا أحد منا ينبغي أن يصبح قاضيا لمجرد أنه ضغط زر المشاهدة.
ظهرت المقالة حين تتحول المشاهدة إلى إدانة ! أولاً على جريدة المساء.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل حين تتحول المشاهدة إلى إدانة ! نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جريده المساء و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.