- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية القناع والذاكرة والوحدة .. الوجه الإنساني الخفي لـ"سبايدرمان الجديد"

اخبار عربية
هسبريس قبل 3 ساعة و 20 دقيقة

اليكم الان القناع والذاكرة والوحدة .. الوجه الإنساني الخفي لـ"سبايدرمان الجديد" والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

ماذا لو كان أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعرفه العالم كله، ثم لا يعرفه أحد؟ وماذا لو تحول القناع الذي صُمم لإخفاء الوجه إلى الوجه الوحيد الذي يستطيع العالم أن يتذكره؟ وماذا لو أصبحت الشهرة شكلاً آخر من أشكال الوحدة، وصارت البطولة وظيفة يومية تؤديها الذات حتى حين تنهار في الداخل؟ ومن هذه الأسئلة المقلقة يفتح فيلم “Spider-Man: Brand New Day” نافذة على سبايدرمان مختلف، أقل احتفالاً بالقوة وأكثر إنصاتاً إلى الجرح، أقل انشغالاً بما يستطيع الجسد الخارق فعله وأكثر اقتحاماً لما يعجز الإنسان العادي عن احتماله.

وهنا لا تبدو نيويورك مدينة تحتاج إلى بطل فحسب، وإنما مدينة تبتلع أبناءها ثم تمنحهم أدواراً كي يواصلوا العيش؛ فهي تعرف سبايدرمان، تصفق له، تحتاج إليه، تراه يقفز بين العمارات وينقذ الغرباء، لكنها لا تعرف شخصية بيتر باركر؛ فأية مأساة أكبر من أن تكون محبوباً باسم ليس اسمك؟ وأية وحدة أقسى من أن تنقذ الآخرين بينما لا تجد شخصاً واحداً يستطيع أن يقول لك: أنا أتذكرك؟ ماذا يبقى من الهوية حين تمحى من ذاكرة من أحببتهم؟ وهل يمكن للذاكرة أن تكون بيتاً، فإذا فقدنا ذاكرة الآخرين فقدنا البيت أيضاً؟.

ويضع الفيلم شخصيته في قلب مفارقة إنسانية شديدة القسوة: كلما ازداد سبايدرمان حضوراً في المدينة ازداد بيتر اختفاءً داخل نفسه. ويتحول العمل إلى ملاذ، والتكنولوجيا إلى جدار، والشاشات إلى نوافذ تطل على حياة لم يعد قادراً على دخولها؛ فهل يمكن للإنسان أن يحول إنقاذ الآخرين إلى طريقة للهروب من إنقاذ نفسه؟ وهل تصبح البطولة، حين تتكرر بلا توقف، نوعاً من الإدمان الذي يؤجل مواجهة الحزن؟.

وراء “الأكشن” والسرعة والمؤثرات تتشكل حكاية عن الفقدان، والاختيار، والمسؤولية، والذاكرة، وعن ذلك الإنسان الذي يستيقظ في «يوم جديد» محملاً بكل أثقال الأمس. وهنا لا تعني البداية الجديدة محو الماضي، وإنما مواجهة نتائجه. ولا يصبح السؤال: كيف سينقذ سبايدرمان المدينة؟ وإنما: هل يستطيع بيتر باركر أن ينقذ الإنسان الذي اختفى خلف القناع؟.

لذلك تبدو المدينة في هذا الفيلم أكثر من فضاء للمطاردة؛ إنها مرآة ضخمة لوحدة وعزلة البطل، ومسرحاً لسؤال أعمق: ماذا تخفي المدينة عن الذين يعيشون فيها، وماذا يخفي الإنسان عن العالم حين يتعلم أن يكون بطلاً؟.

مشهدية الانقلاب في معنى البطل الخارق

ثمة مشهد يبدو، للوهلة الأولى، في فيلم Spider-Man: Brand New Day – “سبايدرمان: يوم جديد” (136 دقيقة – 31 يوليوز 2026) من إخراج ديستين دانيال كريتون (Destin Daniel Cretton)، وسيناريو كريس ماكينا وإريك سومرز، وبطولة توم هولاند وزيندايا وسادي سينك وجون بيرنثال ومارك روفالو… وكأنه مجرد تعريف سريع بالحياة الجديدة لشخصية بيتر باركر: سبايدرمان يطارد المجرمين في نيويورك، يتحرك بين العمارات، يهبط من السماء، يتدخل في الجرائم، ثم يعود إلى شقته العلوية المتآكلة، وحيداً، محاطاً بالشاشات والأجهزة والأسلاك. وفي وقت يستمر الرجل العنكبوت في إنقاذ الآخرين يبدو بيتر نفسه كأنه الشخص الوحيد الذي لا يجد من ينقذه. تشير مراجعات الفيلم إلى أن افتتاحيته تجعلنا نرى هذا التناقض بوضوح: سبايدرمان يزداد كفاءة في الشارع، فيما يعيش بيتر حياة أقرب إلى العزلة والعمل القهري.

وهنا تحديداً يمكن العثور على المشهد المؤسس للفيلم، في إطار الأشياء المهملة وغير المرئية أو “النقد من هامش الصورة”، والمشهد الذي ينبغي أن نعود إليه كلما اندفعت الأحداث نحو “الأكشن” والمؤثرات والشخصيات الجديدة؛ فالمخرج لا يؤسس شخصيته من خلال قدرتها الخارقة، وإنما من خلال الفراغ الذي يحيط بها. ولا يبدأ السؤال من: ماذا يستطيع سبايدرمان أن يفعل؟ وإنما من سؤال أكثر قسوة: من يكون بيتر باركر حين لا يتذكره أحد؟.

إنها نقطة انقلاب عميقة في معنى البطل الخارق، ففي الأفلام السابقة كان بيتر محاطاً بشبكة من العلاقات والحلفاء والآباء الرمزيين، من توني ستارك إلى دكتور سترينج، ومن نِد إلى إم. جي؛ أما الآن فقد أصبح إنساناً بلا شاهد على حياته القديمة. ويعرف العالم سبايدرمان، لكنه فقد ذاكرته تجاه بيتر. وهنا تتولد المفارقة الأكثر أهمية: القناع صار أشهر من الوجه، والبطولة صارت أكثر حضوراً من صاحبها.

وهذا المشهد الافتتاحي لا يقدم لنا شخصية وحيدة وحسب، إنه يقدم إنساناً يعيش انفصالاً بين هويته العامة وهويته الخاصة. ومن هذه الفجوة تنطلق بقية الحكاية؛ فالمخفي خلف الحركة المستمرة هو الحزن، وخلف الإنقاذ اليومي رغبة في الهروب من الذات، وخلف التكنولوجيا والأجهزة خوف من الصمت.

وهكذا يصبح «اليوم الجديد» عنواناً يحمل معنى مضاداً: إنه يوم جديد لسبايدرمان، لكنه يوم مؤجل لبيتر باركر.

وتلك هي أولى الطبقات التي قد تمر أمام عين المتفرج سريعاً، بينما يضع الفيلم تحتها سؤالاً اجتماعياً وفلسفياً عن الإنسان الذي يواصل أداء دوره حتى بعد أن يفقد كل ما كان يمنح هذا الدور معنى.

المدينة التي تعرف البطل ولا تعرف الإنسان

إذا كان المشهد المؤسس يجعل بيتر يعيش وحيداً فإن الشيء الأكثر إثارة يكمن في طبيعة هذه الوحدة. نحن أمام مفارقة سينمائية شديدة الدلالة: سبايدرمان لم يعد مجهولاً، وإنما صار معروفاً أكثر من أي وقت مضى؛ المجهول هو بيتر باركر نفسه.

ويحتاج العالم إلى سبايدرمان، لكنه لا يحتاج إلى بيتر. ويكشف هذا الموقف واحداً من أكثر التحولات دلالة في الفيلم. لقد أصبح البطل مؤسسة اجتماعية صغيرة داخل المدينة. فالشرطة تعرفه، الناس يعرفونه، الشوارع تحتاج إليه، والجرائم تمنحه سبباً يومياً للاستمرار، لكنه حين يخلع القناع يعود إلى رجل لا يملك شبكة اجتماعية حقيقية. لذلك يبدو أن القناع لم يعد وسيلة لإخفاء الهوية، وإنما صار الهوية الوحيدة القابلة للحياة.

وتضع هذه الفكرة الفيلم أمام سؤال غير مرئي: ماذا يحدث عندما يتحول العمل إلى بديل عن الحياة؟.

فشخصية بيتر يعمل، ويطارد الجريمة، ويتابع المدينة ويراقب المجرمين ويصنع أجهزة تساعده على تطوير قدراته. وكلما ازداد نشاط سبايدرمان، ازدادت عزلة بيتر. وهنا تتحول البطولة إلى نوع من الإدمان؛ العمل المستمر يمنع الشخصية من مواجهة جرحها الداخلي.

وتقدم افتتاحية الفيلم بيتر باعتباره شخصاً منعزلاً، يعود بعد أداء مهماته إلى فضاء سكني متآكل، تحيط به الشاشات والأجهزة. وهذه التفاصيل الإنتاجية تبدو بسيطة، لكنها تؤدي وظيفة درامية عميقة: المكان نفسه صار امتداداً للحالة النفسية. ولا يمكن اعتبار الشقة مجرد موقع تصوير، إنها داخل بيتر وقد تحول إلى فضاء معماري؛ وتصف الجدران المتعبة شيئاً عن حياته، وتقول الأجهزة شيئاً عن هوسه بالعمل، وتقول الشاشات شيئاً عن مراقبته المستمرة للعالم، وتقول العزلة شيئاً عن عجزه عن إعادة بناء ذاته.

ومن هنا تصبح التكنولوجيا، التي تبدو للمتفرج جزءاً من متعة عالم مارفل، حاملة لمعنى آخر. وتبدو الشاشة التي تساعد البطل على معرفة المدينة الشاشة التي قد تمنعه من رؤية نفسه.

وهذا يتضاعف حين نكتشف أن الفيلم يمنح سبايدرمان أدوات للمراقبة والتتبع. وقد أثارت معالجة استخدام تقنية التعرف إلى الوجوه في المدينة أسئلة أخلاقية حول المراقبة والخصوصية، خصوصاً أن الفيلم يتعامل مع هذه التقنية بقدر من الخفة مقارنة بأعمال سابقة مثل The Dark Knight – “فارس الظلام” (2008) للمخرج كريستوفر نولان.

وهنا تظهر طبقة خفية أخرى: سبايدرمان الذي يحمي المدينة يمكنه، في الوقت نفسه، أن يتحول إلى عين تراقبها.

إنها مفارقة تستحق قراءة أبعد من “الأكشن”: هل يحتاج المجتمع إلى بطل يحميه، أم إلى سلطة لا تتوقف عن مراقبته؟.

الحزن كقوة خارقة: نافذة على الحياة

الأكثر عمقاً في فيلم «سبايدرمان: يوم جديد» أنه يعيد تعريف القوة. وفي أفلام الأبطال الخارقين عادة ما تأتي القوة من الجسد: عضلات، سرعة، طيران، قدرات خارقة، أسلحة، تقنيات متقدمة؛ أما هنا فتظهر القوة في صورة أكثر التباساً: القدرة على الاستمرار رغم فقدان المعنى.

وبيتر يعرف أن إم. جي. ونِد يواصلان حياتهما من دونه، فيما لا يعرفان أنهما كانا جزءاً أساسياً من حياته. وتكشف المراجعات أن الفيلم يضع هذه المسافة العاطفية في مركز تجربة الشخصية، حتى إن شخصية بيتر يتابع أخبارهما من بعيد عبر الهاتف ووسائل التواصل، فيما يمضي الاثنان في حياة جديدة لا مكان له فيها. وهنا تتحول الشاشة من وسيلة تقنية إلى نافذة على حياة مسروقة؛ إنه يرى الآخرين يعيشون حياته السابقة من دون أن يستطيع العودة إليها.

والمشهد الذي قد يبدو مجرد لحظة عاطفية يخفي وراءه سؤالاً عن الذاكرة والوجود. وهل نكون نحن الأشخاص الذين نتذكر أنفسنا، أم الأشخاص الذين يتذكرهم الآخرون؟ وماذا يحدث للهوية عندما تمحى من ذاكرة المحيطين بنا؟ وهل يمكن للإنسان أن يستمر في امتلاك ماضيه إذا أصبح الماضي غير قابل للمشاركة؟.

ولهذا تبدو خسارة بيتر أكثر تعقيداً من فقدان حبيبة أو صديق، لقد فقد شهود حياته.

ويتحول الحب هنا إلى شكل من أشكال الذاكرة. وشخصية إم. جي لا تتذكر الرجل الذي أحبته، ونِد لا يتذكر الصديق الذي شاركه أسراره، بينما بيتر وحده يحمل العبء الكامل للماضي؛ إنه أشبه بأرشيف حي لعلاقة اختفت من ذاكرة أصحابها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحول الجسدي الذي يصيبه لاحقاً. ويجعل الفيلم الضغط النفسي والجسدي متداخلين، ويقدم تطوراً مقلقاً في قدراته، بما في ذلك ظهور خيوط عضوية في جسده. ولا يصبح الجسد هنا آلة مثالية؛ يصبح سطحاً تسجل عليه الأزمة النفسية آثارها. وهذه نقطة مهمة في قراءة كريتون: الجسد الخارق لا يعبر دائماً عن الانتصار، ولكن يمكن أن يكون أيضاً مكاناً للاضطراب.

ولذلك فإن كل قفزة وكل سقوط وكل حركة في الهواء تحمل معنى مزدوجاً؛ قد تشير إلى القوة، لكنها تشير أيضاً إلى عدم الاستقرار، وتصوير حركة سبايدرمان بأنها مرتبطة بمزاج بيتر، بحيث تبدو القفزات أكثر خطورة حين يكون مضطرباً.

ما وراء مارفل.. البطل الذي يتعلم تحمل عواقبه

يعيد الفيلم سبايدرمان إلى موقعه داخل عالم مارفل، بعيداً عن الاعتماد على توني ستارك أو دكتور سترينج أو انتظار بطل آخر لإنقاذ الموقف. فبيتر هنا يصبح مسؤولاً عن قراراته وأخطائه. وتلتقي هذه الملاحظة مع اتجاه الفيلم نحو قصة أكثر محلية وشخصية، بعد ضخامة فيلم «Spider-Man: No Way Home» – “سبايدرمان: لا طريق إلى المنزل” (2021). ولا يتعلق التحول الحقيقي هنا بحجم المغامرة، وإنما بمفهوم المسؤولية.

ولا يعيش سبايدرمان في «يوم جديد» أزمة إنقاذ العالم بقدر ما يعيش أزمة امتلاك حياته.

وهذا يفسر عودة الفيلم إلى شوارع نيويورك. والمدينة التي كانت في تاريخ الشخصية فضاءً أساسياً لوجودها تصبح هنا أكثر من خلفية؛ إنها المختبر الأخلاقي لبيتر باركر، وكل شارع يمنحه مشكلة، وكل مشكلة تضعه أمام قرار، وكل قرار يحمل عاقبته.

ويستطيع البطل أحياناً في الأفلام الجماعية الكبرى أن يتوارى داخل الفريق. وتتوزع المسؤولية بين مجموعة من الأبطال، والقرار يصبح جماعياً، والخطأ يمكن أن يذوب داخل ضخامة الحدث. أما حين يعود سبايدرمان إلى المدينة وحده فإن الخطأ يعود إلى صاحبه.

وهنا نفهم معنى «المسؤولية» الذي تؤكد عليه مهنا.

فالمسألة ليست أن بيتر أصبح أقوى، وإنما أنه أصبح أكثر وحدة أمام نتائج قوته. وهذه الوحدة تمنح الفيلم بعداً أخلاقياً. ولا يستطيع البطل الذي يستطيع إنقاذ الآخرين إنقاذ نفسه من نتائج اختياراته، وهذا يذكر بجوهر الشخصية منذ نشأتها: القوة ليست امتيازاً، وإنما عبء أخلاقي؛ غير أن الفيلم يضيف طبقة جديدة: المسؤولية أصبحت مرتبطة بالحرية. لقد اختار بيتر في الفيلم السابق محو وجوده من ذاكرة الآخرين من أجل حماية العالم، ولذلك فإن وحدته الحالية هي، في جانب منها، نتيجة قرار اتخذه بنفسه، وهذا يجعل المأساة أكثر تعقيداً. إنه لا يستطيع أن يقول إن العالم ظلمه؛ لأنه هو الذي دفع الثمن. وهنا يصبح «Brand New Day» عنواناً فلسفياً أكثر منه دعائياً. ولا يعني اليوم الجديد بداية بلا ماضٍ، وإنما يعني الاستيقاظ في حياة صنعتها اختيارات الأمس.

ومن هذه الزاوية يصبح الفيلم أقرب إلى حكاية بلوغ متأخرة. بيتر لم يعد المراهق الذي يحتاج إلى مرشد، لقد صار رجلاً مضطراً إلى أن يعيش نتائج أفعاله، وأن يكتشف أن النضج لا يعني امتلاك إجابات أكثر، وإنما القدرة على تحمل الأسئلة من دون البحث عن شخص آخر ليجيب عنها.

القناع الذي يخفي أكثر مما يكشف

في النهاية يمكن العودة إلى المشهد المؤسس نفسه. ويعود بيتر باركر إلى وحدته، يخلع القناع، يجلس أمام شاشاته، بينما تستمر نيويورك في الخارج. ويبدو كل شيء هادئاً، لكن الفيلم يكون قد وضع أمامنا مفارقة كاملة: الرجل الذي ينقذ مدينة بأكملها عاجز عن استعادة حياته الشخصية.

وهنا تحديداً تكمن الأشياء المهملة وغير المرئية التي قد لا يلتقطها المتفرج من المشاهدة الأولى.

والأول هو اقتصاد الوحدة. الفيلم لا يقول إن بيتر باركر وحيد فحسب؛ إنه يرينا كيف تحولت الوحدة إلى نظام حياة. السكن، العمل، التكنولوجيا، العلاقات، وحتى طريقة الحركة في المدينة، كلها أصبحت منظمة حول غياب الآخرين.

والثاني هو تحول البطولة إلى وظيفة. لم يعد سبايدرمان حدثاً استثنائياً، أصبح عملاً يومياً؛ وهذا ما يجعل الشخصية أكثر قرباً من الإنسان المعاصر الذي يذهب إلى عمله كل صباح، يكرر أفعاله، ينجز المطلوب منه، ثم يعود إلى بيت لا يعرف كيف يعيش فيه.

والثالث هو الفرق بين أن تكون محبوباً وأن تكون معروفاً. تعرف المدينة سبايدرمان وتحبه لكن أحداً تقريباً لا يعرف بيتر. وهذه واحدة من أكثر مفارقات الفيلم قسوة: الشهرة لم تمنحه الاعتراف، وإنما عمقت اغترابه.

والرابع هو الجسد الذي يدفع ثمن النفس. التغيرات الجسدية التي تصيب بيتر يمكن قراءتها بوصفها ترجمة مادية لضغط داخلي يتراكم. والقوة نفسها التي صنعت أسطورته تصبح شيئاً لا يستطيع السيطرة عليه.

أما الخامس فهو الذاكرة بوصفها وطناً. لقد فقد بيتر مكانه في ذاكرة الآخرين، ولذلك فقد نوعاً من الوطن العاطفي. وأصبحت مدينة نيويورك بيته الجغرافي، لكنها لم تعد بيته الإنساني.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يبدو الفيلم، رغم ازدحامه بعناصر مارفل، أكثر اهتماماً ببيتر باركر، من سبايدرمان؛ ويمكن القول إن أفضل مشاهده هي تلك التي تضع بيتر نفسه في الواجهة، لا تلك التي تستعرض الرجل العنكبوت.

وهذا هو الرهان الحقيقي للمخرج ديستين دانيال كريتون: أن يجعل القناع أقل أهمية من الوجه الذي تحته.

ولا يقدم الفيلم لنا بطلاً يبدأ من الصفر، يقدم رجلاً يبدأ من الفراغ. وبين الصفر والفراغ مسافة فلسفية هائلة. الصفر يمكن أن يكون بداية، أما الفراغ فهو سؤال عن الشيء الذي كان موجوداً ثم اختفى. ولذلك فإن فيلم «اليوم الجديد» لا يبدأ حين يقفز سبايدرمان فوق نيويورك، ولكنه يبدأ حين يكتشف بيتر باركر أن إنقاذ الآخرين لا يكفي كي ينقذ الإنسان نفسه. وهنا خلف الخيوط والعناكب واللكمات والانفجارات تختبئ الحكاية الأكثر إنسانية في الفيلم: ماذا يبقى من الإنسان حين يتذكر حياته وحده؟.

ختاما:

ولا يتركنا فيلم «سبايدرمان: يوم جديد» أمام بطل ينتصر بقدر ما يتركنا أمام إنسان يتعلم كيف يعيش مع انتصاراته وخساراته؛ فالمدينة التي أنقذها مراراً لا تستطيع أن تعيد إليه الأشخاص الذين فقدهم، والقناع الذي منحه القوة صار يحمل في داخله ثقل الوحدة. وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: يستطيع بيتر أن يوقف الجريمة، لكنه لا يستطيع إيقاف الزمن، يستطيع أن يقفز فوق المباني، لكنه يعجز عن القفز فوق ذاكرته، ويستطيع أن يرى المدينة كلها من الأعلى، لكنه يجد صعوبة في رؤية نفسه. ولذلك يصبح «اليوم الجديد» امتحاناً للذاكرة والمسؤولية والنضج. وربما تكمن بطولة بيتر الحقيقية في قبوله أن بعض الخسارات لا تُصلح، وأن الحياة لا تمنحنا دائماً فرصة لاستعادة ما فقدناه، وإنما تمنحنا شجاعة الاستمرار. وفي تلك اللحظة يصبح القناع أقل أهمية من الإنسان الذي يختبئ تحته. ولا تكمن مأساة سبايدرمان في أن العالم لا يعرف هويته، وإنما في أن العالم يعرف هويته البطولية أكثر مما يعرف إنسانيته…

القناع والذاكرة والوحدة .. الوجه الإنساني الخفي لـ"سبايدرمان الجديد" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل القناع والذاكرة والوحدة .. الوجه الإنساني الخفي لـ"سبايدرمان الجديد" نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم