اخبار عربية موسم البَركة السريعة
اليكم الان موسم البَركة السريعة والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
كانت الخرافة قديمًا تحتاج إلى مغارة مُعتمة، وطريق وَعْر، وحكاية تتناقلها الجدّات في ليالي الشتاء. أمّا اليوم فقد اشتَرَتْ هاتفًا ذكيًا، وفتحت حسابًا موثّقًا، ووضعت حول رأسها حلقة ضوء، ثم خرجت إلى الناس في بث مباشر تطلب منهم الإعجاب والمشاركة وتفعيل جرس البركة.
يطلّ الوليّ الجديد كل صباح في جلباب أبيض شديد البياض، حتى تظن أن مسحوق الغسيل أصدر له شهادة في الزهد والتقوى. يخفي تحت الجلباب سروالًا مزركشًا تتصارع فوقه الألوان، وينتعل خفًّا لامعًا يصلح لحفلات الأعراس أكثر مما يصلح للخلوات الروحية. يمسك سبحة طويلة، يحرّك حبّاتها ببطء أمام الكاميرا، وكلما حرّك حبّة ارتفع عدد المتابعين وانخفض منسوب التفكير.
يطوف حوله مريدون مهرولون كأنهم أقمار فقدت مساراتها. يحمل الأول الهاتف بزاوية سماوية، ويمسك الثاني الميكروفون، ويرشّ الثالث العطر أمام الموكب، ويحمل الرابع حقيبَة التبرعات التي تسمّيها الجماعة “صندوق المحبة”، ويركض الخامس كي يفتح باب السيارة، ويسبقهم السادس إلى المكان كي يخبر الناس أن الولي وصل قبل أن يصل.
أما كبير المريدين فيمشي خلفه بوجه مُتجهم، كأنه يحرسُ أسْرار الكون، مع أنه لا يحرسُ سوى شاحِنَ الهاتف. إذا عطسَ الوليّ، أعلنَ المريدُون نفحَة رُوحانية. إذا سَعل، اعتبروا السعال تحذيرًا من فتنة قادمة. إذا نظر إلى اليمين، استخرجوا من نظرته نبوءة سياسية. إذا نظر إلى اليسار، اكتشفوا سرًّا كونيًا. إذا أغلق عينيه، وصفوا المشهد بالخلوة الربانية، حتى لو أغلقهما لأنه لم ينم جيدًا بعد سهرة طويلة.
لمّا صار الزهد يَحْتاجُ إلى مُدير أعْمَال
ينتشر المريدون في المواقع والقنوات الرخيصة بحثًا عن بركة مزيفة، ويحملون معهم صور الولي من كل الزوايا: الولي يشرب الشاي، الولي يركب السيارة، الولي يطعم قطة، الولي يحدّق في حائط، الولي يمسح شاشة هاتفه. تنشر الصفحات عنوانًا ضخمًا: “شاهد ماذا فعل الولي بالكأس!” ثم تكتشف بعد عشر دقائق أنه شرب الماء ووضع الكأس فوق الطاولة.
تفتح القنوات الرخيصة له أبواب الاستديو، ويستقبله المذيع بانحناءة تكفي لالتقاط قطعة نقود من الأرض. يبدأ الحوار بسؤال عميق من نوع: “سيدي، لماذا يشعر الناس بالراحة عندما يرون وجهكم؟” يجيب الولي بجملة غامضة: “الماء يعرف طريقه إلى العطشان”.
يهز المذيع رأسه بقوة، وتكاد سماعة أذنه تسقط من شدّة الخشوع. وفي اليوم التالي يشرح المريدون الجملة؛ يراها أحدهم نبوءة عن الاقتصاد، ويعدّها آخر وصفة للزواج، ويجد فيها ثالث إشارة إلى نتيجة مباراة كرة القدم.
لا يتحدث الولي الجديد كثيرًا، فالكلام الواضح يضيّق أبواب التأويل. يختار جملًا رخوة تستطيع أن تحمل أي معنى، مثل: “من عرف الباب عرف الطريق، ومن عرف الطريق نسي الباب”. يدوّن المريدون العبارة، وينشرونها فوق صورة غروب، ثم يتجادلون ثلاثة أيام حول الباب المقصود.
انحنوا… الشيخ يصوّر مقطعًا
للبركة عند الشيخ نظام تسعير مرن. يحصل المريد البسيط على ابتسامة عامة من بعيد. يدفع المريد المتوسط مبلغًا أكبر، فيمنحه الحاجب مصافحة سريعة وصورة مهزوزة. أما المريد المقتدر فيدخل الصالون الخاص، ويشرب الشاي، ويحصل على دعاء يحمل اسمه كاملًا. ويوفر المكتب خدمة البركة المستعجلة، والبركة العائلية، وبركة السفر، وبركة التجارة، وبركة “كبار المحسنين” التي تشمل مقعدًا أماميًا وموقفًا مضمونًا للسيارة.
ينزل صاحبنا من سيارة فاخرة، فيفتح السائق الباب، ويقول الولي للكاميرا: “وضعت الدنيا تحت قدمي”. يهاجم المال في الخطب، ويحب التحويلات البنكية في الخفاء. يمدح الجوع بعد وجبة دسمة، وينصح الناس بالصبر وهو يغيّر هاتفه كل ستة أشهر حتى يحافظ على جودة البث الروحاني.
لذلك، يهتم فريقه بالمظهر اهتمام مؤسسة تجارية كاملة. يعدّل الحلاق اللحية، ويكوي الخادم الجلباب، ويرتب المصور الإضاءة، ويختار مدير الصفحة العبارة المناسبة، ثم يخرج الولي أمام الجمهور بملامح رجل عَادَ لتوّه من أسرار السماوات.
أما المريدون القدامى فيحرسون الصفوف والمقامات الوهمية بحماس شرطة الحدود. يزجرون القادم الجديد، ويعلّمونه كيف ينحني، وأين يضع يده، وكم مرة يردّد اسم الشيخ في التعليقات. يتنافسون في اختراع الكرامات، لأن كل مريد يريد أن يثبت قربه من المركز. يقول أحدهم إن الولي عرف اسمه من دون أن يسأله، وينسى أن الحاجب أخذ بطاقة هويته عند الباب. ويقسم آخر أن الشيخ توقّع المطر، مع أن تطبيق الطقس أرسل التنبيه إلى المدينة كلها.
إذا طرح شخص سؤالًا منطقيًا، لا يجيب الفريق عن السؤال؛ يفتش في قلب السائل. يتهمونه بالحَسد، وسُوء الأدب، وضعف البَصيرة، وقِلّة النّور. يتحوَّل السُّؤال البسيط إلى جريمة روحية، ويتحول الصمت إلى حكمة، ويتحول التناقض إلى سر لا يفهمه إلا “أهل الذوق”. وهكذا يحمي المريدون الولي من أخطر عدو يواجه تجارته: جملة واضحة تتبعها مطالبة بدليل.
الكرامة التِّيكْ تُوكية
وعندما يحل المساء، يخلع الولي جلبابه الأبيض، ويطوي المساعد السجادة، ويطفئ المصور حلقة الضوء، ويعدّ المحاسب حصيلة البركة. يبقى المريدون أمام الشاشات، يطوفون حول آخر منشور ينتظرون إشارة جديدة من صاحب المقَام الرّقمي.
لا يحتاج الوليّ الجديد إلى كرامة حقيقية؛ يحتاج كاميرا جيدة، ومُريدين سريعي الركض، وجمهور يطلب الوهم بالتّقسيط. تنمو ولايته كلما استقال العقل من وظيفته، وتنكمش فور أن يفتح الناس أعينهم ويسألون: من قال؟ وما الدَّليل؟ وعندما يستعيد العقل مقعده، سيجد صاحبُنا نفسه وحيدًا أمام حلقة الضوء، يطوفُ حول هاتفه، وينتظرُ مريدًا يصدِّق أنَّ امتلاءَ البطّارية كرامة صُوفية خَارقة.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
موسم البَركة السريعة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل موسم البَركة السريعة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.