- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية لغلى.. من الفقه إلى ذاكرة الصحراء

اخبار عربية
هسبريس قبل 3 ساعة و 7 دقيقة

اليكم الان لغلى.. من الفقه إلى ذاكرة الصحراء والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

قد تكون شهادتي في الدكتور بوزيد لغلى مجروحة بعض الشيء؛ فأنا، قبل أن أتحدث عنه باحثاً وأكاديمياً وكاتباً، أتحدث عنه صديقاً وزميلاً جمعتني به قاعات الدرس وممرات ثانوية عقبة بن نافع في مطلع الألفية. وكانت نقاشاتنا حول الأدب والكتاب والكتابة تحتدم أحياناً، غير أن اختلاف الذائقة ظل دائماً داخل فضاء الصداقة الرحب. ومن مفارقات الزمن أن بوزيد عاد لاحقاً إلى قراءة الكاتب التفراوتي محمد خير الدين، الذي لم يكن يومها من الأسماء التي تستوقفه كثيراً، فإذا به يقبل عليه إعجاباً وتقديراً. ولعل هذه الحكاية تختزل جانِباً أصيلاً من شخصيته؛ فهو لا يجعل من الرأي القديم قيداً على الرأي الجديد، ويترك للقراءة والتجربة حقهما في مراجعة الأحكام.

وها أنا، بعد سنوات، أعود إلى مسار هذا الصديق والزميل، لا لأقدم سيرة جافة أو جرداً للمحطات التي مر بها، وإنما لأتأمل رحلة رجل ظل شغوفاً بالمعرفة، مفتوحاً على أكثر من أفق، وقادراً على حمل شغف البدايات إلى فضاءات أرحب. فالرجل الذي عرفته ذات يوم زميلاً نخوض معاً في قضايا الأدب والكتابة، أجدني اليوم أمام باحث اتسعت أسئلته وتنوعت اهتماماته، وأصبح يقرأ الإنسان ومحيطه من زوايا لم تكن قد تكشفت لنا يومها.

ولد الدكتور بوزيد مولود لغلى في فاتح يونيو 1971 بمدينة آسا، التي لم تكن مجرد نقطة بدء في مساره، بل ظلت بوصلة خفية تعيده إلى المكان الأول وإلى الذاكرة التي تشكل فيها وعيه. حصل سنة 1994 على الإجازة في الآداب، شعبة الدراسات الإسلامية، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر بأكادير، ثم نال سنة 1995 دبلوم الدراسات المعمقة في الفكر الإسلامي والعقيدة، وفي 1996 حصل على دبلوم التخرج من المدرسة العليا للأساتذة بفاس.

وكانت سنة 2005 محطة فارقة في مساره، إذ حصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عن أطروحة تناولت «المناظرات الفقهية حول عقد المعاوضة في الشريعة والقانون»، ونال فيها ميزة مشرف جداً. وقد كشف هذا الموضوع عن ميله إلى مناطق التماس بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، وهو الاشتغال الذي تُوّج لاحقاً بصدور كتابه «عقد المعاوضة في الشريعة والقانون المدني المغربي» سنة 2012.

غير أن مساره لا يمكن اختزاله في سجل الشهادات؛ فقد ظل ابن المدرسة بقدر ما ظل ابن الجامعة. بدأ حياته المهنية موظفاً بوزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية بمندوبية طانطان بين 1992 و1995، ثم انتقل سنة 1996 إلى قطاع التربية والتعليم، فاشتغل أستاذاً للتعليم الثانوي بإقليم آسا الزاك إلى غاية 2004، قبل أن ينتقل إلى كلميم، حيث تولى مهام إدارية وتربوية بثانوية الإمام مالك وثانوية تغمرت. وكانت له كذلك تجربة في التدريس بالمعهد المتخصص للسياحة والفندقة، حيث درّس التواصل باللغة العربية خلال الموسم الدراسي 2011-2012، ويواصل اليوم مساره في الإدارة التربوية ناظراً لثانوية التميز بكلميم.

وهنا تبدو التربية في سيرته امتداداً طبيعياً لتكوينه الفكري، لا مجرد وظيفة؛ فالباحث الذي ينظر في القيم والأمثال والحكايات والظواهر الاجتماعية هو نفسه رجل المدرسة الذي يلتقي أجيالاً جديدة ويعاين تبدلات المجتمع وانعكاساتها على الناشئة. لذلك تغدو المدرسة في تجربته مختبراً حياً للإنسان والمجتمع.

ولعل أكثر ما يستوقف في تجربة الدكتور لغلى انتقاله الهادئ من الفقه والقانون إلى الثقافة الشعبية والتراث الحساني. ويكشف التمعن في أعماله عن قاسم مشترك بين هذه الحقول جميعاً: محاولة فهم الإنسان داخل منظومة من القواعد والقيم والتقاليد والتمثلات.

ففي دراسته «صورة الطفل في المجتمع الصحراوي من خلال الأمثال الشعبية»، المنشورة في مجلة وادي درعة سنة 2005، لم يتعامل مع المثل الشعبي باعتباره قولاً مأثوراً فحسب، بل نظر إليه بوصفه وثيقة اجتماعية تكشف موقع الطفل داخل الأسرة والمجتمع والقيم التي تحكم النظرة إليه. وفي دراسة «الخربشات أو الكتابة على الجدران والطاولات: عبث أم دوافع حقيقية؟» أنجز بحثاً ميدانياً بمؤسستي الإمام مالك وعقبة بن نافع، محاولاً النفاذ إلى الدوافع النفسية والاجتماعية والتربوية الكامنة وراء ظاهرة تبدو عابرة.

وهنا تظهر خصلة الباحث الحقيقي: ألا يكتفي بوصف الظواهر أو إصدار الأحكام عليها، بل ينفذ إلى ما وراءها، إلى أسبابها وسياقاتها، وإلى الإنسان الذي يقف خلف السلوك.

ويحتل التراث الحساني موقعاً وازناً في أعماله؛ فقد تناول الحكاية الشعبية الحسانية في دراسة «الحكاية الشعبية الحسانية – طلة نموذجاً»، وتوقف عند موسم طانطان في دراسة «موسم طانطان: سوق التراث الصحراوي»، كما بحث في منظومة القيم من خلال «منظومة القيم من خلال الأمثال الحسانية». وتنبع أهمية هذه الأعمال من أنها لا تتعامل مع التراث بوصفه مادة فولكلورية أو بقايا ماضٍ، وإنما باعتباره نصاً اجتماعياً مفتوحاً على التأويل.

فالمثل والحكاية والموسم والعادة مرايا يرى من خلالها المجتمع نفسه، ويستعيد صورته، ويعيد إنتاج قيمه وتمثلاته. ففي الأمثال تختبئ تصورات الناس عن الكرم والشجاعة والعمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية، وفي الحكايات تنجو الذاكرة من عوادي النسيان، وفي المواسم تستمر طقوس الجماعة وتقاليدها في مواجهة الزمن.

ومن أكثر أعماله التصاقاً بالمجال المحلي كتابه «زاوية آسا: جدل التاريخ والأسطورة»، الصادر عن منشورات المجلس العلمي لآسا الزاك، حيث تتقاطع الرواية الشفوية مع الوثيقة، والذاكرة مع التاريخ. فالذاكرة الشعبية، حتى حين تتداخل فيها الحقيقة مع الأسطورة، تظل جديرة بالدرس، لأنها تكشف الطريقة التي يرى بها المجتمع نفسه، وكيف يصوغ ماضيه ويمنحه معنى يتجاوز مجرد الوقائع.

ولم يحصر الدكتور لغلى تجربته في المجال الأكاديمي؛ فقد راكم مقالات ودراسات منشورة في منابر صحفية وإلكترونية وطنية، كما يحضر الأدب في تجربته من خلال ديوانه الشعري «شهد العناء»، المعد للطبع، ودراسة حول «التربية على القيم من خلال الأمثال الحسانية». وهكذا لا يتحول التخصص الجامعي إلى جدار يعزله عن بقية أشكال المعرفة، بل يغدو تنوع الاهتمامات وسيلة لتوسيع زاوية النظر والاقتراب أكثر من الإنسان.

وربما كان أبرز ما يميز تجربة بوزيد لغلى أنه لم يتعامل مع الصحراء والحسانية من موقع الباحث الغريب عن موضوعه؛ لقد كتب من داخل المكان ومن داخل الذاكرة. فآسا وكلميم وطانطان والمجال الصحراوي ليست في أعماله مجرد أسماء جغرافية، وإنما فضاء معرفي وثقافي تتفاعل داخله التجربة الإنسانية، وتتقاطع فيه الذاكرة مع الحاضر، والموروث مع التحول.

وهذه مهمة تتجاوز الترف الأكاديمي؛ فالمناطق البعيدة عن المراكز الكبرى كثيراً ما تكون غنية بالذاكرة وفقيرة نسبياً في التوثيق، ومع مرور الزمن يرحل حاملو الذاكرة، وتتبدل اللغة والعادات، وتضيع تفاصيل لم تجد من يسجلها. لذلك يصبح الباحث أشبه بمن ينقذ ما يمكن إنقاذه من قبضة النسيان.

أما روايته «الطلح لا يخطئ القبلة»، فلا يتسع المقام للحديث عنها، إذ إن الحديث عنها حديث ذو شجون؛ فهي، في تقديري، وبحكم اهتمامي بالأدب، من أهم ما خطّه قلمه، بل من الأعمال التي تكشف عن جانب بالغ الأهمية من تجربته الإبداعية. ولعلنا نعود إليها في مناسبة لاحقة، فنفرد لها ما تستحقه من قراءة وتأمل.

وأعود، في النهاية، إلى ذلك الشاب الذي كنته في مطلع الألفية، وإلى النقاشات التي كانت تجمعني ببوزيد حول الأدب والكتاب والذائقة. كنت يومها أراه من زاوية محدودة، أما اليوم، وأنا أعيد النظر في مساره، فأكتشف أن الصورة أكبر بكثير من تلك التفاصيل الصغيرة.

أكتشف رجلاً بدأ من الدراسات الإسلامية والفكر والعقيدة، ثم تعمق في الفقه والقانون، وخاض تجربة طويلة في التربية والتعليم والإدارة المدرسية، قبل أن يوسع دائرة اهتمامه لتشمل الثقافة الشعبية والتراث الحساني والقيم والمجتمع والتاريخ المحلي والأدب.

إن أجمل ما في هذه الرحلة أن اتساع تكوينه لم يحمله على النأي عن المكان الذي انطلق منه، بل أعاده إليه بعين أخرى؛ عين أكثر معرفة وأرهف حساً بالتفاصيل، وأقدر على استجلاء ما يستتر وراءها من دلالات. فعاد إلى المكان باعتباره ذاكرة حية وسجلاً للمعنى، مدركاً أن المكان لا يُفهم من خارجه، وأن الذاكرة لا تُقرأ حقاً إلا من داخلها.

أما أنا، الذي عرفته ذات يوم زميلاً نجادل بعضنا بعضاً حول الأدب، فأجد نفسي اليوم أمام صورة أوسع لرجل لم يتوقف عن القراءة والبحث والكتابة. وربما كان هذا أجمل ما تمنحنا إياه الصداقة القديمة: أن تتيح لنا، بعد سنوات، أن نكتشف من جديد أولئك الذين ظننا أننا نعرفهم، وأن نرى فيهم، حين تعيد الأيام ترتيب المسافات، وجوهاً وأبعاداً لم تكن قد تكشفت لنا من قبل.

لغلى.. من الفقه إلى ذاكرة الصحراء Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل لغلى.. من الفقه إلى ذاكرة الصحراء نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم