اليكم الان المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي .. السينما "تمشي" في شوارع البيضاء والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس
ما الذي يحدث للإنسان حين تستيقظ المدينة قبله، وتمضي في تغيير ملامحها بينما يظل هو واقفاً أمام نافذة الزمن، يحاول أن يتعرف إلى وجهه في مدينة لم تعد تشبه الأمس؟ وأي سر يجعل الشارع، في سينما مصطفى الدرقاوي، يبدو أكثر قدرة على الكلام من كثير من الشخصيات؟ وهل المدينة مجرد جغرافيا نعبرها، أم أنها ذاكرة خفية تسكن أجسادنا، وتعيد تشكيل أحلامنا ومخاوفنا وعلاقاتنا بالآخرين؟ ثم ماذا يبقى من الإنسان حين تتحول الأزقة إلى جغرافية للإسمنت، والمقاهي إلى مختبرات للكلام، والعمل إلى امتحان يومي للكرامة، والمدينة إلى آلة ضخمة لا تتوقف عن ابتلاع الضعفاء والفقراء ودفع الأقوياء إلى مزيد من الركض؟
ومن هنا تبدأ مغامرة الدرقاوي مع المدينة، لا باعتبارها خلفية للحكاية، وإنما باعتبارها قلباً نابضاً داخلها. فالدار البيضاء التي تدخل أفلامه لا تبحث عن جمال الواجهات، ولا تستعير بريق الصورة السياحية؛ إنها مدينة تتنفس من شقوق الجدران، وتخرج من أصوات الباعة والعمال والعابرين، ومن المقهى الذي يتحول إلى برلمان شعبي، ومن الحي الذي يحتفظ بذاكرة الذين مروا فيه ثم غادروا. إنها مدينة ترى نفسها في المرآة، فتكتشف تفاوتاتها الاجتماعية والطبقية وندوبها وأسئلتها المؤجلة.
ولذلك تبدو الكاميرا الدرقاوية كأنها تمشي بحثاً عن شيء أكثر عمقاً من الصورة. إنها تصغي قبل أن تصور، وتقترب قبل أن تحكم، وتترك للشارع فرصة أن يكشف ما تخفيه الواجهات. وفي فيلم «أحداث بلا دلالة» يصبح المكان مختبراً للسينما والمجتمع، ويصبح الإنسان مادة السؤال، فيما تتحول حادثة عابرة إلى شرارة تكشف طبقات كاملة من السلطة والعمل والاحتقان. ثم تتبدل المدينة في أفلام «كازابلانكا باي نايت» و«كازابلانكا داي لايت»… فتظهر مرة في عتمتها ومرة تحت الضوء، كأن الدرقاوي يختبر وجهين لمدينة واحدة: ما تخفيه حين تنام، وما تضطر إلى كشفه حين تستيقظ.
وهكذا تتحول الدار البيضاء إلى شخصية درامية لها ذاكرة ومزاج وجسد وصوت. وتمنح المدينة للإنسان الحلم، ثم تضع أمامه شروطها القاسية؛ تفتح له الشارع، ثم تكشف حدود حريته؛ تجمعه بالآخرين، ثم تضع بينه وبينهم مسافات الطبقة والمال والعمل والسلطة. ومن خلال هذه المدينة، يطرح الدرقاوي سؤاله الأكثر إلحاحاً: هل نحن الذين نصنع المدينة، أم أن المدينة، في صمتها وضجيجها، هي التي تصنعنا؟
وربما لهذا السبب تحديداً تبدو سينماه اليوم أكثر إلحاحاً. فقد رحل المخرج، لكن المدينة التي صورها لم ترحل. ما تزال تمشي في الشوارع، وتبحث عن أصواتها، وتغيّر وجوهها بسرعة، بينما يظل الإنسان يسأل السؤال ذاته: كيف يمكن أن يجد مكاناً له داخل مدينة لا تكف عن تغيير نفسها؟ وفي هذا السؤال تحديداً تستمر سينما الدرقاوي، لا كصورة لمدينة مضت، وإنما كذاكرة حية لمدينة ما تزال تكتب مستقبلها فوق أجساد أبنائها.
المدينة مرآة للتفاوت الاجتماعي
في سينما مصطفى الدرقاوي (الميلاد 1944 – الوفاة 20 غشت 2026 الدار البيضاء)، لا تدخل المدينة إلى الصورة من باب الديكور، ولا تظهر الشوارع والأحياء والمقاهي والأرصفة باعتبارها أمكنة محايدة تتحرك داخلها الشخصيات ثم تغادرها الكاميرا. وتتشكل المدينة لديه ككائن سينمائي له ذاكرة وصوت وملامح وتناقضات، كأنها شخصية أخرى تشارك في صناعة الحدث، وتدفع الشخصيات إلى الكلام والصمت والصدام والبحث عن معنى وجودها داخل مجتمع يتحول باستمرار. ولذلك يصعب النظر إلى أفلام الدرقاوي من دون التوقف طويلاً عند علاقتها بالمدينة، خصوصاً الدار البيضاء التي حضرت في تجربته بوصفها مختبراً اجتماعياً وجمالياً وسياسياً.
ومنذ فيلم «أحداث بلا دلالة» (1974)، تبدو الدار البيضاء مختلفة عن صورتها المعتادة. ولا تقدم المدينة عبر واجهاتها اللامعة، ولا عبر صورتها التجارية التي تجعل منها رمزاً للحركة الاقتصادية والانفتاح. ويذهب الدرقاوي بالكاميرا إلى أماكن أخرى، إلى الشارع الشعبي، إلى المقاهي، إلى الأحياء التي يعيش فيها الناس بعيداً عن الصورة الرسمية. وهناك، يصبح المكان مرآة لتفاوت اجتماعي عميق، ويصبح السكان جزءاً من بنية الفيلم، لا مجرد عابرين في خلفية المشهد.
وتلك المدينة التي يصورها الدرقاوي تبدو دائماً في حالة توتر. إنها مدينة تتحرك بسرعة، بينما يظل كثير من سكانها عالقين في أسئلة الفقر والعمل والسلطة والكرامة. ولذلك فإن الشارع عنده يؤدي وظيفة تتجاوز الجغرافيا. إنه فضاء للاحتكاك بين الطبقات والأفكار، ومكان تتقاطع فيه أحلام الأفراد مع صرامة الواقع.
ولعل أهم ما يميز هذه الرؤية أن الدرقاوي لم يكن يبحث عن مدينة مثالية تصلح لصناعة صورة سياحية جميلة، بقدر ما كان يبحث عن المدينة الحقيقية، بما فيها من خشونة وفوضى وأصوات متداخلة وأجساد تتحرك بلا اتجاه واضح. ولا تكتفي الكاميرا عنده بالنظر، وإنما تصغي. وحين تصغي المدينة إلى نفسها، تظهر أشياء كثيرة كانت الصورة الرسمية تحاول إخفاءها.
ولهذا أصبحت الدار البيضاء في أفلامه أكثر من مكان. فقد صارت سؤالاً عن المغرب نفسه: كيف يعيش الإنسان داخل مدينة تتسع بسرعة؟ كيف تتغير العلاقات حين تتحول الأزقة إلى أحياء كبرى؟ ماذا يحدث للإنسان حين يصبح العمل والمال والسلطة محددات أساسية لقيمته الاجتماعية؟ وكيف يمكن للسينما أن تقترب من هذه الأسئلة من دون أن تسجنها داخل حكاية جاهزة؟
في هذه النقطة تحديداً تكمن قوة المدينة الدرقاوية. إنها مدينة لا تمنح جواباً، وإنما تفتح الباب أمام أسئلة جديدة. وكلما تحركت الكاميرا في شوارعها، بدا كأن المخرج يقول إن فهم المجتمع يبدأ من النظر إلى الأماكن التي يعيش فيها الناس، وإلى المسافات التي تفصل بينهم، وإلى الأصوات التي تختبئ خلف ضجيج المدينة.
“أحداث بلا دلالة”.. في الشارع بحثاً عن المجتمع
يحتل فيلم «أحداث بلا دلالة» موقعاً مركزياً في العلاقة بين مصطفى الدرقاوي والمدينة، لأن الفيلم يجعل الشارع نفسه جزءاً من عملية التفكير في السينما والمجتمع. ولا يكتفي فريق الفيلم بالتحرك داخل الدار البيضاء بحثاً عن مواقع للتصوير، وإنما يدخل إلى المدينة كي يسأل سكانها عن السينما التي يريدونها، وعن وظيفة الفن، وعن علاقتهم بالصورة والحياة. وهنا تصبح المدينة فضاءً للحوار، وتتحول الكاميرا إلى أداة لاستنطاق الواقع.
وتكمن أهمية هذا الاختيار في أن الدرقاوي أسقط المسافة التقليدية بين السينمائي وموضوعه. ولم يعد الناس مجرد شخصيات يكتبها السيناريو من خارج حياتهم، وإنما صاروا جزءاً من عملية إنتاج المعنى. ويمنح الشارع الفيلم مادته الخام، والناس يمنحونه أصواته، بينما تظل الكاميرا في حالة بحث دائم عن شيء يصعب القبض عليه.
ثم تأتي حادثة العامل الذي يقتل رئيسه في العمل لتعيد ترتيب علاقة الفيلم بالمدينة. ويتحول الواقع الاجتماعي من خلفية إلى قوة درامية، ويظهر العمل والسلطة والطبقة والاحتقان الاجتماعي داخل فضاء حضري لا يستطيع إخفاء تناقضاته. ويصبح المكان شاهداً على الصراع، وتصبح المدينة نفسها طرفاً في الحكاية.
وهنا يقترب الدرقاوي من المدينة بطريقة تشبه الاقتراب من شخصية مضطربة. فنسمع أصواتها، نرى حركتها، نلمس توترها، ثم نكتشف أن خلف الواجهات اليومية صراعات أكثر عمقاً. ولا تمثل الشوارع طرقاً تؤدي من مكان إلى آخر، وإنما مسارات اجتماعية تكشف الفروق بين البشر. ولا يمكن اعتبار المقهى مكاناً لشرب القهوة وحسب، وإنما فضاء للكلام والتأمل وتبادل المواقف. أما الحي الشعبي فيتحول إلى أرشيف حي للطبقات الاجتماعية التي كثيراً ما غابت عن الصورة السينمائية الرسمية.
لقد فهم الدرقاوي مبكراً أن المدينة لا يمكن تصويرها من بعيد. ولذلك اقترب منها، وترك للكاميرا حرية الحركة، وجعلها تتنفس مع الناس. وتمنح الحركة المحمولة واللقطات القريبة والمونتاج المتقطع المشاهد إحساساً بأن المدينة غير مستقرة، وأن الواقع نفسه يرفض أن يتحول إلى صورة مرتبة.
وهنا تبرز أهمية التكوين الفلسفي للمخرج. فالمدينة عنده لا تُرى بعين المصور وحده، وإنما بعين المفكر أيضاً. وكل شارع يمكن أن يصبح سؤالاً، وكل شخصية عابرة يمكن أن تحمل دلالة، وكل حوار عفوي يمكن أن يكشف شيئاً عن بنية المجتمع. ولذلك فإن فيلم «أحداث بلا دلالة» لا يقدم الدار البيضاء كمدينة في فيلم، وإنما يجعل الفيلم نفسه طريقة لاكتشاف المدينة.
إنها سينما تمشي في الشارع بحثاً عن الإنسان، ثم تكتشف أن الإنسان يحمل داخل جسده المدينة كلها: ذاكرة الحي، قسوة العمل، أحلام الصعود، الخوف من المستقبل، والرغبة في أن يكون له صوت.
الدار البيضاء ليلاً.. المدينة حين تكشف وجهها الآخر
إذا كانت الدار البيضاء في «أحداث بلا دلالة» مدينة تبحث عن صوتها داخل أسئلة السياسة والمجتمع، فإنها ستعود لاحقاً في تجربة مصطفى الدرقاوي بأشكال أكثر قرباً من الجمهور، خصوصاً في فيلم «كازابلانكا باي نايت» وفيلم «كازابلانكا داي لايت». غير أن المدينة هنا لا تفقد جذورها الاجتماعية، وإنما تغير طريقة حضورها. وتنتقل من فضاء التجريب السينمائي الصارم إلى فضاء أكثر انفتاحاً على الحكاية والفرجة، مع استمرار الاحتفاء بالتناقضات الحضرية.
ويحمل العنوان نفسه في «كازابلانكا باي نايت» دلالة لافتة. ولا يمكن اعتبار الليل مجرد توقيت للأحداث، وإنما حالة بصرية ونفسية. وتصبح المدينة حين يحل الظلام مختلفة، وتبدو الواجهات المألوفة في النهار تكتسب غموضاً، والأشخاص الذين يتحركون في الضوء يصبحون أكثر التباساً في الليل. وتتحول الشوارع إلى فضاءات للقاء والانتظار والمغامرة والهروب، وتصبح الإضاءة جزءاً من بناء المعنى.
أما في فيلم «كازابلانكا داي لايت» فيقترح الوجه الآخر، حيث يكشف النهار الأشياء، لكنه لا يلغي الغموض. وقد تكون المدينة المضيئة أكثر قسوة من المدينة الليلية، لأنها تضع التفاصيل أمام العين مباشرة. وهنا يمكن قراءة العنوانين كأنهما محاولتان لتصوير مدينة واحدة من حالتين مختلفتين: مدينة تختبئ في الظلام، ومدينة تواجه نفسها تحت الضوء.
وهذا التقابل البصري يكشف تطور علاقة الدرقاوي بالمدينة. ففي مرحلته الأولى كان يريد أن يسأل: كيف يمكن للسينما أن تفكر في المجتمع؟ وفي مرحلة لاحقة أصبح السؤال أكثر ارتباطاً بكيفية جعل المجتمع يرى نفسه داخل سينما تستطيع الوصول إلى جمهور أوسع. وتغيرت الأدوات، لكن المدينة بقيت حاضرة.
وتمثل الدار البيضاء في هذه الأعمال مدينة العلاقات المتشابكة، ويبدو الناس يلتقون ويفترقون، يبحثون عن الحب والمال والعمل والمغامرة، ويعيشون تحت ضغط الإيقاع الحضري. ولا تسمح المدينة للشخصية بأن تكون منعزلة عن الآخرين. وكل فرد مرتبط بشبكة من الشوارع والأحياء والمقاهي والأماكن العامة، ولذلك فإن الشخصية الدرقاوية كثيراً ما تبدو وكأنها نتيجة للمكان الذي تتحرك داخله.
وهذا ما يمنح الصورة الحضرية عنده قيمة اجتماعية. فيكشف المكان الطبقة، وطريقة اللباس تكشف الموقع الاجتماعي، وطريقة الكلام تكشف الانتماء، وحتى حركة الجسد داخل الشارع يمكن أن تكشف علاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع.
ولا تشبه المدينة الليلية عند الدرقاوي مدينة أفلام الجريمة التقليدية. إنها أكثر قرباً من مدينة الحياة اليومية، حيث تختلط الرغبات بالمخاوف، وتختلط الحرية بالقيود. وفي هذا المعنى، يصبح الليل استعارة للجانب غير المرئي من المجتمع، بينما يصبح النهار لحظة مواجهة مع ما حاولت المدينة إخفاءه.
لقد عرف الدرقاوي أن المدينة لا تمنح أسرارها دفعة واحدة، بقدر ما تحتاج إلى كاميرا تصبر عليها، تمشي معها، تصغي إلى أصواتها، وتراقب وجوهها. ولذلك تظل الدار البيضاء في أفلامه مدينة مفتوحة على احتمالات متعددة، مدينة لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.
الشارع والمقهى والحي الشعبي.. جغرافيا الإنسان
ثمة أماكن تتكرر في السينما الحضرية لمصطفى الدرقاوي لأنها تشكل وحدات أساسية في جغرافيا الحياة اليومية: الشارع، المقهى، الحي الشعبي، مكان العمل، والفضاءات التي يلتقي فيها الغرباء. ولا تظهر هذه الأماكن باعتبارها تفاصيل إنتاجية، وإنما بوصفها مؤسسات اجتماعية صغيرة، لكل واحد منها قوانينه وعلاقاته ولغته.
ويبدو الشارع عند الدرقاوي هو أكثر الأمكنة ديمقراطية من الناحية السينمائية. إنه يجمع الناس من دون أن يسألهم عن خلفياتهم. ويمشي العامل إلى جانب الموظف، والبائع إلى جانب الطالب، والغني يمر أمام الفقير، والعاشق يعبر أمام رجل فقد الأمل. وتستطيع الكاميرا أن تجمع هؤلاء داخل كادر واحد، لكنها في الوقت نفسه تكشف المسافات الاجتماعية التي تفصل بينهم.
أما المقهى فيحمل وظيفة أخرى. إنه مكان للكلام. وفي هذه سينما تشكل الفلسفة والمسرح جزءاً من تكوينه، ويصبح الكلام فعلاً سينمائياً. ولا تتحدث الشخصيات كي تشرح الحبكة فقط، وإنما تتحدث لأنها تريد أن تفهم نفسها والعالم. ويصبح المقهى مسرحاً صغيراً للمجتمع، حيث تتواجه الأفكار وتتقاطع المصالح وتولد الحكايات.
ويحتفظ الحي الشعبي بدوره بوصفه ذاكرة اجتماعية. إنه مكان يختزن أثر الطفولة والعمل والفقر والعلاقات الإنسانية. وحين تصوره الكاميرا، فإنها لا تصور مبانيه فقط، وإنما تصور تاريخاً اجتماعياً. وتحمل الجدران آثار سكانها، والأبواب تفصل بين عوالم مختلفة، والأزقة تضيق وتتسع بحسب حركة الناس. ولهذا تبدو الأمكنة عند الدرقاوي قادرة على الكلام. والجدار ليس جداراً، والباب ليس باباً، والمقهى ليس مقهى، والشارع ليس شارعاً. كل شيء يحمل معنى اجتماعياً. وهذه النظرة تجعل سينماه قريبة من فكرة أن العمارة نفسها يمكن أن تكون وثيقة تاريخية. وتتغير المدينة، لكن آثار التحولات تبقى في تفاصيلها الصغيرة.
ومن هنا يمكن فهم اهتمامه بالهامش. الهامش عنده ليس منطقة خارج المدينة، وإنما قلبها الخفي. الأشخاص الذين لا يحتلون مركز الصورة هم الذين يمنحون المدينة حقيقتها. ويمثل العامل، والمهمش، والعابر، والشخص الذي يبحث عن مكان له، كلها شخصيات تكشف مدينة مختلفة عن تلك التي تصنعها الإعلانات والصور الرسمية.
وهذه الرؤية تجعل الدرقاوي قريباً من سينما الشارع، لكنها لا تختزل تجربته في الواقعية. إنه يمزج الواقع بالتجريب، ويضع الشخصيات داخل فضاءات يمكن أن تتحول فجأة إلى مسرح، أو إلى مساحة للتأمل، أو إلى مجال مفتوح للارتجال.
وهنا تكمن فرادة المدينة الدرقاوية: إنها مدينة واقعية، لكنها لا تقدم نفسها كحقيقة مكتملة. إنها مدينة تحتاج إلى القراءة. كلما ظن المشاهد أنه فهمها، ظهرت زاوية جديدة، أو شخصية جديدة، أو صوت جديد، ليقول إن المدينة أكبر من الحكاية التي نحاول اختصارها فيها.
من المدينة المهمشة إلى المدينة التجارية
يمثل انتقال مصطفى الدرقاوي من التجريب إلى مخاطبة الجمهور الواسع واحدة من أكثر التحولات إثارة في علاقته بالمدينة. وكان يمكن لهذا الانتقال أن يؤدي إلى التخلي عن الأسئلة الاجتماعية والجمالية التي ميزت بداياته، غير أن أفلامه اللاحقة احتفظت بدرجات مختلفة من ذلك الوعي بالمكان وبالشخصيات التي تعيش داخله.
وفي فيلم «أيام شهرزاد الجميلة» و«عنوان مؤقت» و«أبواب الليل السبعة» و«غراميات الحاج المختار الصولدي»… تتخذ المدينة أشكالاً متعددة. أحياناً تظهر كفضاء للحكاية، وأحياناً كخلفية لعلاقات إنسانية متشابكة، وأحياناً كمرآة لتحولات المجتمع. وفي كل الحالات تظل الشخصية مرتبطة بالمكان الذي يحدد جزءاً من سلوكها ومصيرها.
ومع فيلم «كازابلانكا باي نايت» و«كازابلانكا داي لايت» يصبح اسم المدينة نفسه في العنوان. إنها لحظة يمكن قراءتها باعتبارها اعترافاً بأن المدينة أصبحت أحد أبطال السينما الدرقاوية. ولم يعد مطلوباً من المشاهد أن يكتشف حضور الدار البيضاء خلف الشخصيات، فالمدينة تدخل إلى العنوان مباشرة، وتفرض نفسها منذ اللحظة الأولى.
وهذا التحول مهم لأنه يكشف قدرة الدرقاوي على إعادة بناء العلاقة بين السينما والجمهور. وتصبح المدينة التي كانت في السبعينيات موضوعاً للتفكير السياسي والجمالي، لاحقاً مجالاً للفرجة والحكاية، لكنها تظل مدينة مغربية، تحمل آثار التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع.
لقد كان الدرقاوي يعرف أن المدينة تتغير مع الزمن، وأن السينما مطالبة بتغيير أدواتها حتى تظل قريبة من هذا التحول. ولذلك لم يتعامل مع أسلوبه الأول باعتباره عقيدة لا يمكن تجاوزها. فقد انتقل، جرب، اقترب من الجمهور، واشتغل في التلفزيون، وكتب ومثل وأنتج، لكنه حافظ على شيء جوهري: الإيمان بأن السينما تستطيع أن تضع الإنسان أمام صورته.
ومن هنا يمكن النظر إلى المدينة التجارية في أفلامه باعتبارها امتداداً للمدينة الاجتماعية في بداياته. فقد تغيرت السرعة، ومعها تغيرت الشخصيات، وتغيرت لغة الحكاية، غير أن السؤال بقي حاضراً: ماذا يفعل الإنسان داخل مدينة تتغير أسرع منه؟
وتحمل الدار البيضاء الحديثة وعوداً كثيرة: العمل، الحب، النجاح، المال، الشهرة، الحرية، لكنها تحمل أيضاً العزلة والضغط والانتظار والتفاوت. وهذه الثنائية تمنحها قيمتها الدرامية. إنها مدينة تمنح الإنسان فرصة، ثم تطالبه بثمنها.
وفي هذا السياق، تصبح السينما وسيلة لتسجيل التحول الحضري. ولا يسجل الدرقاوي الأبنية وحدها، وإنما يسجل تغير العلاقات. وتنتج المدينة الجديدة شخصيات جديدة، والشخصيات الجديدة تعيد إنتاج المدينة. إنها علاقة متبادلة بين الإنسان والمكان، حيث لا يمكن معرفة أحدهما من دون الآخر.
وهكذا لم تكن العودة إلى الدار البيضاء في أفلامه المتأخرة عودة إلى مكان قديم، وإنما عودة إلى مدينة تغيرت، وإلى مجتمع تغير معها. وتتقدم المدينة عند الدرقاوي في العمر، لكنها لا تفقد قدرتها على طرح الأسئلة.
المدينة ذاكرة السينما المغربية
برحيل مصطفى الدرقاوي، تفقد السينما المغربية مخرجاً جعل من المدينة واحداً من أهم مفاتيح قراءة المجتمع. ولم يكن اهتمامه بالدار البيضاء عابراً، ولم تكن شوارعها مجرد أماكن جاهزة للتصوير. لقد أدرك أن المدينة تحمل داخلها تاريخاً اجتماعياً كاملاً، وأن تصويرها يعني الاقتراب من الإنسان في أكثر حالاته تعقيداً.
وفي فيلم «أحداث بلا دلالة»، كان الشارع مختبراً للسؤال السينمائي. وفي الأفلام اللاحقة، صار المكان أكثر ارتباطاً بالحكاية وبالجمهور. ومع فيلم «كازابلانكا باي نايت» و«كازابلانكا داي لايت» أصبحت المدينة حاضرة في العنوان نفسه، كأن المخرج أراد أن يقول إن الدار البيضاء لم تعد قادرة على البقاء في الخلفية، لأنها أصبحت جزءاً من الحكاية الوطنية الحديثة.
وما يجعل تجربة الدرقاوي مهمة أن علاقته بالمدينة لم تكن علاقة شاعر بالمكان وحده، ولا علاقة مخرج بفضاء تصوير. فقد كانت علاقة ناقد بالمجتمع، ينظر إلى الشارع كما ينظر المفكر إلى نص مفتوح. ويقرأ حركة الناس، ويقرأ الجدران، ويقرأ المسافات، ويقرأ الصمت. وكلما ظهرت شخصية داخل الكادر، كان المكان يمنحها جزءاً من هويتها.
ولهذا تبدو مدنه السينمائية قابلة لإعادة الاكتشاف. ويمكن للمشاهد أن يعود إلى فيلم «أحداث بلا دلالة» بعد عقود، فيرى مدينة تغيرت، لكنه يكتشف أن كثيراً من الأسئلة ما زالت حية. وهذه إحدى علامات السينما الكبرى: أن تتغير المدن، بينما تستمر بعض الأسئلة في مطاردة الإنسان.
لقد جعل مصطفى الدرقاوي من الكاميرا وسيلة للتفكير، ومن المدينة مادة للتأمل، ومن الشارع فضاءً للحوار. ولم يبحث عن مدينة مثالية، وإنما عن مدينة حقيقية، مدينة فيها الضوء والظلام، الحلم والإحباط، الحب والعنف، العمل والبطالة، الهامش والمركز. ولهذا كانت صورته للدار البيضاء أكثر صدقاً من أي صورة تكتفي بواجهاتها.
ويمكن القول إن المدينة عنده كانت مرآة للحرية أيضاً. فالشارع فضاء مفتوح، لكنه يكشف حدود الحرية. ويستطيع الإنسان أن يمشي، أن يتكلم، أن يلتقي، لكنه يصطدم دائماً ببنى اجتماعية واقتصادية تحدد خياراته. ولذلك تصبح المدينة في أفلامه مكاناً للصراع بين الرغبة والقيود، بين الحلم والواقع.
وفي هذا المعنى، فإن إرث الدرقاوي يتجاوز أفلامه ذاتها. لقد ترك وراءه طريقة في النظر. علم السينما المغربية أن المدينة تستطيع أن تكون شخصية، وأن المجتمع يمكن أن يدخل إلى الفيلم من باب الشارع، وأن التفاصيل الصغيرة قد تكون أكثر قوة من الحكايات الضخمة.
رحل مصطفى الدرقاوي، لكن المدن التي صورها ستظل تمشي داخل أفلامه. ستظل المقاهي تحتفظ بأصوات الشخصيات، وستظل الأزقة تحمل آثار الكاميرا، وستظل الدار البيضاء تظهر مرة في الليل ومرة في النهار، مرة كحلم ومرة كجرح، ومرة كسؤال لا يريد أن يجد جواباً.
وهنا ربما تكمن أجمل وصية تركها هذا المخرج: أن المدينة لا تُصور كي نعرف شكلها، وإنما كي نعرف الإنسان الذي يعيش داخلها. وفي أفلام مصطفى الدرقاوي، كانت الدار البيضاء تبحث عن الإنسان، وكان الإنسان يبحث عن نفسه داخلها. وبين البحثين ولدت سينما جعلت من المدينة ذاكرة، ومن الذاكرة سؤالاً، ومن السؤال حياة مفتوحة على الحرية.
المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي .. السينما "تمشي" في شوارع البيضاء Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي السينما تمشي في شوارع البيضاء
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
هسبريس المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي السينما تمشي في شوارع
كانت هذه تفاصيل المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي .. السينما "تمشي" في شوارع البيضاء نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

