- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية في رحيل الدرقاوي

اخبار عربية
هسبريس قبل 2 ساعة و 39 دقيقة

اليكم الان في رحيل الدرقاوي والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

حين ترحل السينما التي كانت تسأل: مصطفى الدرقاوي وبنية لم تكتمل

حين كانت السينما سؤالاً

لا يختصر رحيل مصطفى الدرقاوي فقدان مخرج مغربي كبير، بل يعيد فتح سؤال أوسع وأكثر إزعاجا: ماذا بقي من مشروع السينما المغربية حين كانت تريد أن تكون فكرا وصورة وموقفا، لا مجرد إنتاج يتكاثر بالأرقام؟ رحل الدرقاوي عن 82 سنة، بعد مسار امتد منذ سبعينيات القرن الماضي، وترك أفلاما من بينها «أحداث بدون دلالة»، و«أيام شهرزاد الجميلة» و«عنوان مؤقت» و«أبواب الليل السبعة»، قبل أن يختبر لاحقا إمكان الوصول إلى جمهور أوسع من دون أن يتخلى كليا عن قلقه السينمائي. وقد تكوّن في مدرسة وودج البولندية، واشتغل بالإخراج والسيناريو والمونتاج والإنتاج والتمثيل؛ أي إنه انتمى إلى جيل كان يفهم السينما باعتبارها معرفة مركبة قبل أن تكون وظيفة تقنية.

تمنح أفلام الدرقاوي، وخصوصا «أيام شهرزاد الجميلة» و«عنوان مؤقت»، فرصة لقراءة مرحلة لم يكن فيها السؤال عن الفيلم منفصلا عن السؤال عن المجتمع والإنسان واللغة السينمائية نفسها. ففي «أيام شهرزاد الجميلة» لا تنطلق الحكاية ببساطة من موضوع جاهز؛ تواجه مجموعة من السينمائيين صعوبة اختيار ما يستحق أن يُصوَّر، قبل أن تتجه إلى حكاية عائشة، راقصة الملهى التي تحلم بالشهرة. تبدو المسألة هنا أقرب إلى سؤال عن فعل التصوير ذاته: ماذا نصوّر؟ ولماذا؟ ومن يملك حق تحويل الواقع إلى صورة؟ لذلك لم يكن التجريب عند الدرقاوي زينة شكلية، بل كان طريقة في مساءلة علاقة السينما بالواقع.

ينتمي هذا الاختيار إلى زمن كانت فيه السينما المغربية، رغم ضعف إمكاناتها، تحاول أن تبني شرعيتها من داخل الثقافة والفكر. لم تكن التقنية غاية في ذاتها، ولم يكن النجاح يُقاس فقط بعدد المتفرجين أو المشاركات أو الجوائز. كان الفيلم يريد أن يقترح رؤية. ويصيب أندريه تاركوفسكي جوهر المسألة حين يكتب: «يولد الفن ويترسخ حيث يوجد توق أبدي لا يرتوي إلى الروحي، إلى المثال» (أندريه تاركوفسكي، Sculpting in Time). لا تعني العبارة تحويل السينما إلى موعظة، بل تذكّر بأن الصورة تفقد ضرورتها حين لا تحمل وراءها حاجة إلى المعنى.

إنتاج يتقدم وبنية تتراجع

تكشف وفاة الدرقاوي، من هذه الزاوية، مفارقة مؤلمة. ينتج المغرب اليوم أفلاما أكثر، ويمتلك أدوات تقنية أفضل، ويتوفر على آليات دعم أكثر انتظاما، لكن زيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة اكتمال البنية السينمائية. فقد سجلت الحصيلة الرسمية لسنة 2025 إنتاج 26 فيلما روائيا طويلا، ومنح صندوق دعم الإنتاج الوطني 73.5 مليون درهم، بينما لم يتجاوز عدد الشاشات السينمائية النشيطة 87 شاشة، وبلغ عدد التذاكر المباعة نحو 2.19 مليون فقط. تكشف هذه الأرقام اختلالا بنيويا: ندعم الإنتاج، لكننا لم نبن بالقدر نفسه فضاء المشاهدة والتداول والنقد والتكوين وصناعة الجمهور.

لا تصنع السينما الوطنية الأفلام وحدها. تصنعها القاعة، والنقد، والجامعة، والسينماتيك، والتربية على الصورة، والتوزيع، والمنتج صاحب المشروع، وكاتب السيناريو، والتقني الذي يعرف لماذا يستخدم أداته قبل أن يعرف كيف يستخدمها. وعندما تضعف حلقة واحدة من هذه السلسلة، يصبح الفيلم حدثا معزولا؛ وعندما تضعف معظم الحلقات، تتحول السينما إلى إنتاج بلا منظومة. هنا تحديدا تكمن إحدى مشكلات السينما المغربية: بنية مبتورة استطاعت أن تموّل أفلاما، لكنها لم تستطع بعد أن تجعل السينما ممارسة ثقافية يومية متجذرة في المجتمع.

الدعم: من تمويل الأفلام إلى صناعة القيمة

لذلك ينبغي أن نناقش معايير الدعم خارج الحساب الإداري وحده. لا يكفي أن يحترم المشروع الملف والشروط وأن يقدّم موضوعا يبدو راهنا. ينبغي أن نسأل عن الكتابة، والرؤية، والثقافة السينمائية، والاقتراح الجمالي، وقدرة المشروع على تحويل الفكرة إلى لغة. لا يحمي المال العمومي السينما عندما يضمن استمرار الإنتاج فقط؛ يحميها عندما يرفع شروط الجودة ويشجع المخاطرة الفنية المسؤولة ويمنح الاختلاف الحقيقي فرصة. ويذكّر مارتن سكورسيزي بأن «السينما هي ما يوجد داخل الكادر وما يوجد خارجه» (مارتن سكورسيزي). أي إن القيمة لا تبدأ من الموضوع وحده، بل من الاختيار: ماذا يرى المخرج؟ ماذا يستبعد؟ وكيف يصنع المعنى؟

التشبيب ليس مشروعاً جمالياً

ويحتاج خطاب «التشبيب» بدوره إلى مراجعة هادئة وحازمة. لا يصبح الفيلم حديثا لأن مخرجه شاب، كما لا يصبح قديما لأن صاحبه ينتمي إلى جيل سابق. يحتاج القطاع إلى الشباب، بالتأكيد، لكنه يحتاج إليهم باعتبارهم أصحاب تكوين ورؤية وأسئلة، لا باعتبار السن معيارا جماليا أو بطاقة عبور تلقائية. فالتجديد لا تمنحه شهادة الميلاد. تصنعه المعرفة والجرأة والعمل والتراكم. وعندما يتحول التشبيب إلى شعار مؤسساتي غير مؤسس على تكوين جدي وانتقاء مهني، قد نستبدل إقصاء جيل بإقصاء جيل آخر، من دون أن نربح سينما أفضل.

الجمهور بين المخاطبة والاسترضاء

وتطرح الشعبوية خطرا موازيا. يحق للفيلم أن يكون جماهيريا، بل تحتاج السينما المغربية إلى استعادة جمهورها، لكن الجماهيرية ليست مرادفا لتبسيط الذوق أو مطاردة النكتة السهلة والموضوع الرائج والنجاح السريع. أثبت الدرقاوي نفسه، عندما انتقل في مراحل لاحقة إلى أفلام أكثر اتصالا بالجمهور، أن البحث عن المتلقي لا يفرض بالضرورة التخلي عن هوية المخرج. تفصل مسافة كبيرة بين مخاطبة الجمهور واسترضائه. تبدأ الأولى من احترام ذكائه، بينما تبدأ الثانية من افتراض محدوديته.

مهرجانات كثيرة وقاعات قليلة

تتضح المفارقة أكثر حين نقارن وفرة المهرجانات بندرة القاعات. سجل المغرب سنة 2025 تنظيم 69 مهرجانا سينمائيا وطنيا، في مقابل 87 شاشة نشيطة فقط. لا يعني ذلك أن المهرجانات غير ضرورية، لكنها لا تستطيع أن تعوض حياة سينمائية يومية. يحتاج الفيلم إلى مدينة يجد فيها المتفرج قاعة قريبة، وإلى مدرسة تعلّمه قراءة الصورة، وإلى إعلام يفرّق بين النقد والترويج، وإلى نقاش لا يقيس القيمة بعدد الدعوات والصور والسجاد الأحمر. حين تنفصل المهرجانات عن قاعدة ثقافية وتوزيعية قوية، يصبح الاحتفال بالسينما أكبر من حضور السينما نفسها.

ما يبقى بعد الرحيل

لهذا لا ينبغي أن يتحول رحيل مصطفى الدرقاوي إلى مرثية عاطفية عابرة. يستحق الرجل أن نتذكره عبر السؤال الذي حمله جيله: أي سينما نريد؟ لقد جرب ذلك الجيل، وأخطأ وأصاب، لكنه تعامل مع الفيلم بوصفه موقفا من العالم. وتبدو عبارة ميشيل مورليه، التي اشتهرت لاحقا في «الاحتقار» لغودار ونُسبت خطأ إلى أندريه بازان، مناسبة هنا: «السينما نظرة تحل محل نظرتنا لتمنحنا عالما منسجما مع رغباتنا» (ميشيل مورليه، Cahiers du cinéma، 1959). لا تكمن قوة العبارة في وعدها بعالم جميل، بل في جعل السينما فعلا للنظر؛ ومن لا يمتلك نظرة لا تنقذه الكاميرا.

يرحل مصطفى الدرقاوي إذن، لكن السؤال يبقى. هل نريد سينما تتقدم بعدد الملفات المدعومة، أم سينما تتقدم بقوة أفلامها؟ هل نريد جيلا جديدا لأنه جديد، أم لأنه يحمل معرفة جديدة وحساسية جديدة ولغة جديدة؟ وهل نريد قاعات بوصفها بنايات وشاشات، أم نريد جمهورا وثقافة مشاهدة وذاكرة سينمائية؟ لا يحتاج المغرب إلى الاختيار بين الأجيال، ولا بين الفيلم الجماهيري والفيلم المؤلف، ولا بين الصناعة والفن. يحتاج إلى إعادة وصل ما انقطع بينها جميعا. عندها فقط يصبح تكريم الدرقاوي أكثر من كلمات وداع: يصبح دفاعا عن حق السينما المغربية في أن تستعيد سؤالها، ومستواها الجمالي والفكري، وجرأتها على أن تكون سينما.

في رحيل الدرقاوي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل في رحيل الدرقاوي نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم