اخبار عربية كيف ساهمت سبتة في إرساء محبة الرسول ﷺ ضمن الذاكرة المغربية؟
اليكم الان كيف ساهمت سبتة في إرساء محبة الرسول ﷺ ضمن الذاكرة المغربية؟ والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
يحتفل الشعب المغربي في الثاني عشر من ربيع الأول من كل سنة بذكرى المولد النبوي الشريف، وهي مناسبة تتجاوز في الوجدان المغربي مجرد استحضار ذكرى مولد سيدنا محمد ﷺ؛ لتصبح موعدا سنويا لاستحضار جانب عميق من الذاكرة الدينية والثقافية للمغرب. وقد سبق أن وجه جلالة الملك، بصفته أمير المؤمنين، رسالة إلى المجلس العلمي الأعلى داعيا إلى تخليد هذه الذكرى بما يليق بمقام سيد الأنام، بما يؤكد المكانة التي يحتلها حب الرسول ﷺ في الثوابت الروحية للمملكة.
ولعل ما يستحق التذكير به في هذه المناسبة أن الاحتفال بالمولد النبوي في المغرب يرتبط ارتباطا وثيقا بمدينة سبتة، التي كانت في العصر الوسيط واحدة من أهم الحواضر العلمية والتجارية والثقافية في الغرب الإسلامي. فالمصادر المغربية تجعل من أبي العباس العزفي السبتي، المتوفى سنة 633هـ/ 1236م، أبرز من دعا إلى الاحتفال بالمولد النبوي في المغرب. وقد ألف كتابه الشهير “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”، وجعل من التعريف بمولد الرسول ﷺ وسيرته ومناقبه وسنته وسيلة لتربية الناشئة.
لم يكن الأمر، في بدايته، مجرد احتفال موسمي. فقد كان وراءه مشروع تربوي وثقافي واضح. كان أبو العباس العزفي يطوف على الكتاتيب القرآنية في سبتة، فيشرح للصبيان معنى المولد ومقاصده، ويرى أن غرس محبة الرسول في نفوس الأطفال هو الطريق الأنجع إلى ترسيخ هذه المحبة في الأسرة والمجتمع. ولم يتمكن من إتمام كتابه المشار إليه، فأكمله ابنه أبو القاسم العزفي.
وهنا، تكمن إحدى أهم دلالات تجربة سبتة: المولد لم يبدأ باعتباره طقسا احتفاليا فحسب، وإنما باعتباره مشروعا لتربية الذاكرة والهوية.
كانت سبتة في القرن السابع الهجري مدينة مفتوحة على البحر المتوسط، تتفاعل مع الأندلس والمغرب ومع التجار القادمين من مختلف البلاد الأوروبية. وكان هذا الانفتاح الحضاري يتيح، بطبيعة الحال، انتقال العادات والممارسات بين المجتمعات. وفي تلك المرحلة كانت الأندلس قد دخلت مرحلة تاريخية صعبة، خصوصا بعد معركة العُقاب سنة 609هـ/1212م، التي شكلت منعطفا كبيرا في ميزان القوى بين المسلمين والممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم مشروع العزفي بوصفه محاولة لبناء بديل ثقافي إسلامي قادر على شد الناشئة إلى تاريخهم ورمزهم الديني.
فقد كان انتشار بعض مظاهر الاحتفال بالأعياد المسيحية بين المسلمين، خاصة في بيئة أندلسية ومتوسطية شديدة التفاعل، يمثل تحديا ثقافيا، فاختار العزفي أن يوجه الأنظار إلى مناسبة مرتبطة بأعظم شخصية في الوجدان الإسلامي: مولد رسول الله ﷺ.
ولذلك، فإن قراءة تجربة العزفي ينبغي ألا تختزل في سؤال: هل كان المولد معروفا قبل ذلك أم لا؟ وإنما ينبغي أن تركز على سؤال أكثر أهمية: كيف تحولت محبة الرسول ﷺ إلى مشروع تربوي وثقافي واجتماعي داخل المجتمع المغربي؟
وعندما تولى أبو القاسم العزفي إمارة سبتة، حوّل فكرة والده إلى ممارسة عامة، فاحتفل بالمولد وأكمل كتاب “الدر المنظم”، ثم انتقلت الفكرة تدريجيا إلى المجال المغربي الأوسع. واستقبلت الدول المغربية المتعاقبة هذه المناسبة، فأصبحت مع الزمن جزءا من التقاليد الدينية الرسمية للمغرب، واستمر الاحتفال بها في العهود المرينية والسعدية والعلوية، حتى أصبحت من أبرز المناسبات الدينية في المملكة.
وهكذا، تحولت سبتة من مدينة على تخوم الأندلس والبحر المتوسط إلى واحدة من المنابع الكبرى لذاكرة المديح النبوي في المغرب. ولم تكن هذه المدينة وحدها في صناعة هذه الذاكرة؛ فقد أنجبت أيضا أحد أعظم علماء الغرب الإسلامي، القاضي عياض السبتي، صاحب كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، وهو الكتاب الذي أصبح من أشهر كتب التعريف بمقام الرسول ﷺ ومناقبه وحقوقه، وانتشر في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، ولا يزال حاضرا بقوة في التعليم الديني المغربي.
إن اجتماع العزفي والقاضي عياض في الذاكرة العلمية لسبتة ليس مجرد مصادفة تاريخية. فالأول أسهم في تحويل ذكرى المولد إلى مشروع تربوي واجتماعي، والثاني وضع واحدا من أعظم المؤلفات في التعريف بمقام الرسول ﷺ. ومن هنا، تبدو سبتة جزءا من الجغرافيا الروحية التي صنعت الشخصية المغربية.
وإذا كان القاضي عياض يمثل مدرسة المعرفة بالمصطفى، فإن سبتة أنجبت أيضا أبا العباس أحمد بن جعفر السبتي، أحد أشهر رجال التصوف بالمغرب، الذي انتقل من سبتة إلى مراكش وأصبح واحدا من رجالاتها السبعة. وقد ارتبط اسمه بفلسفة تقوم على الصدقة والجود وإغاثة المحتاجين، حتى أصبحت “العباسية” في الذاكرة المراكشية ممارسة مرتبطة بالتصدق بأول منتوج، تيمنا بأبي العباس السبتي ومذهبه في البذل والعطاء.
ومن هنا، تبرز صورة أخرى لسبتة: مدينة لم تصنع فقط خطابا في محبة الرسول، وإنما أسهم أبناؤها في بناء أخلاق اجتماعية مغربية قوامها العلم والرحمة والجود والإحسان.
إن الحديث عن سبتة في مناسبة المولد النبوي ليس، إذن، حديثا عن جغرافيا فحسب؛ وإنما عن ذاكرة. فهذه المدينة، التي تفصلها اليوم حدود استعمارية عن محيطها المغربي، لا تستطيع تلك الحدود أن تفصلها عن تاريخها الثقافي والروحي. ففيها نشأت أسماء علمية وصوفية تركت بصماتها في المغرب، ومنها انتقلت أفكار وممارسات إلى باقي الحواضر المغربية، ومنها إلى المجال الإسلامي الأوسع.
ولذلك، فإن سبتة تحتل مكانة خاصة في الوجدان المغربي. فهي ليست فقط مدينة ذات تاريخ مغربي عريق، وإنما إحدى المدن التي أسهمت في تشكيل جانب من الهوية الدينية المغربية القائمة على محبة الرسول ﷺ، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، والارتباط بإمارة المؤمنين.
وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، تستعيد الذاكرة المغربية هذه المدينة باعتبارها واحدة من المنابع التي خرجت منها أنوار العلم والمحبة والمديح والجود. ومن اللافت أن مشروع العزفي نفسه كان يقوم على فكرة تبدو شديدة المعاصرة: حين تواجه المجتمعات تحولات ثقافية وضغوطا خارجية، فإن أفضل وسيلة لحماية الهوية ليست الانغلاق، وإنما بناء معرفة عميقة بالذات، وتربية الأجيال على الوعي بتاريخها وقيمها ورموزها.
وهكذا، يصبح المولد النبوي في المغرب أكثر من مناسبة دينية؛ إنه موعد لتجديد الصلة بالسيرة النبوية، واستحضار قيم الرحمة والعدل والجود، وربط الأجيال بذاكرة وطنية وروحية عمرها قرون.
وفي هذه الذكرى، تظل أفئدة المغاربة تهوي إلى سبتة، لا باعتبارها مجرد مدينة عالقة في جغرافيا السياسة، وإنما باعتبارها مدينة حاضرة في جغرافيا الذاكرة. مدينة أنجبت علماء وصلحاء، وأسهمت في بناء جزء من التراث الديني المغربي، وجعلت من محبة المصطفى ﷺ مدرسة للتربية والمعرفة والفضيلة.
ومن حق سبتة، في وجدان المغاربة، أن تُستعاد كل عام في ذكرى المولد، لأن بعض المدن لا تُقاس قيمتها بما تملكه من حدود ومساحات، وإنما بما تتركه من أثر في ذاكرة الأمم. وسبتة، في هذه الذاكرة، واحدة من المدن التي ما زال نورها ممتدا من الماضي إلى الحاضر، ومن شواطئ البحر المتوسط إلى قلوب المغاربة.
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، في جوهره المغربي، هو احتفال بالرسول ﷺ وبالسيرة وبالعلم وبالرحمة وبالجود وبكل ما تراكم عبر القرون من عناصر صنعت الشخصية المغربية. وفي قلب هذه الذاكرة تظل سبتة شاهدة على أن المدن قد تكون أحيانا أوطانا للروح قبل أن تكون أمكنة على الخريطة.
كيف ساهمت سبتة في إرساء محبة الرسول ﷺ ضمن الذاكرة المغربية؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل كيف ساهمت سبتة في إرساء محبة الرسول ﷺ ضمن الذاكرة المغربية؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.