اليكم الان وديع منصور نموذجًا لتقلبات الصحفيين في زمن البناكس والان إلى التفاصيل من المصدر الاول _ من قلب الحدث
في 27 أغسطس 2026، نشرت (عدن الغد) تصريحًا للإعلامي وديع منصور قال فيه إن (الوحدة مع الشمال، بدون سلطة الحوثي، أرحم ألف مرة من الانفصال والعيش تحت رحمة المناطقيين في الجنوب). وقد أثار التصريح تفاعلًا واسعًا، خصوصًا أن صاحبه معروف بحضوره الإعلامي في الفضاء الجنوبي.
ومن هنا بدأ السؤال: لماذا تغير وديع منصور؟
وهل سيكون وديع منصور آخر (المتنبسكين)؟.
ربما يكون من الظلم، مهنيًا وأخلاقيًا، أن نحول موقفًا سياسيًا أعلنه إعلامي في منشور أو مقابلة إلى محاكمة كاملة لشخصه، أو أن نسارع إلى تفسيره بالانتهازية أو الخيانة أو (بيع الموقف). فهذه الطريقة في قراءة تقلبات وتحولات الإعلاميين لا تساعد كثيرًا على فهم ما يحدث في الجنوب، بقدر ما تساعد على إنتاج معركة جديدة حول شخص واحد.
القضية الأهم، في تقديري، هي أن وديع منصور قد يكون مجرد نموذج لظاهرة أوسع تستحق أن نتوقف أمامها بهدوء: ماذا يحدث للصحفي حين يصبح الإعلام مهنة للعيش في بيئة سياسية فقيرة، واقتصاد منهار، ومصادر تمويل متغيرة، وقوى سياسية لم تعد قادرة على دفع الكلفة التي كانت تدفعها في سنوات سابقة؟ وربما يكون السؤال الأدق: هل تغير وديع منصور، أم تغيرت البيئة التي يعمل فيها؟
الصحفي ليس بالضرورة سياسيًا
هناك وهم شائع في مجتمعاتنا العربية، وخصوصًا في البيئات السياسية المضطربة، يجعلنا نتعامل مع الصحفي والإعلامي وكأنه مقاتل سياسي ينبغي أن يحتفظ بالموقف نفسه إلى الأبد.
وهذا غير صحيح في كثير من الحالات. فالصحفي، في المقام الأول، صاحب مهنة. وطالب عيشة. قد يكون له موقف سياسي، وقد يكون منتميًا إلى تيار أو قضية أو مشروع، وقد يكون مؤمنًا بقضية وطنية حتى العظم، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنه يحتاج إلى راتب، وأن وراءه أسرة، وأن المهنة بالنسبة إليه مصدر دخل، وأن قدرته على الاستمرار في العمل مرتبطة في النهاية بوجود مؤسسة إعلامية تستطيع أن تدفع له.
وهنا تبدأ المنطقة الرمادية.
نحن نحب أن نتخيل الصحفي باعتباره صاحب مبدأ ثابت لا يتغير، لكن التاريخ الصحفي نفسه يقول إن الإعلاميين في كل المجتمعات يتنقلون بين المؤسسات، ويتغيرون أحيانًا بتغير رؤساء التحرير، وباختلاف الممولين، وبانتقال المؤسسات من يد إلى أخرى.
والفرق بين الصحفي المحترف والصحفي المثقف الملتزم ليس أن الأول ليست له قناعة سياسية والثاني لديه قناعة؛ وإنما في قدرة الأول على الفصل بين مهنته وموقفه الشخصي، وعلى أن يقول للناس ما يراه صحيحًا حتى عندما لا يكون ذلك مرضيًا للجهة التي يعمل معها.
لكن هذه المثالية تصبح أكثر صعوبة عندما يعيش الصحفي في بلد منهك اقتصاديًا مثل بلادنا.
حين يصبح الراتب موقفًا سياسيًا
في الجنوب اليوم، لا يمكن فصل التحولات الإعلامية عن التحولات الاقتصادية. لقد انخفضت الدخول، وارتفعت كلفة المعيشة، وتراجعت قدرة المؤسسات الصحفية التقليدية على دفع رواتب مستقرة، بينما أصبحت المنصات السياسية والإعلامية المرتبطة بالقوى المتنافسة أكثر قدرة على استقطاب الصحفيين.
وهنا يظهر العامل الذي لا يحب كثيرون الاعتراف به: المال لا يشتري دائمًا القناعة، لكنه يستطيع شراء الوقت والجهد والظهور والاستمرار. وقد لا يكون الصحفي قد غيّر قناعته فعلًا، لكنه قد يغيّر المؤسسة التي يعمل فيها. وقد لا يغير المؤسسة، بل يخفف من حدة خطابه. وقد لا يفعل ذلك أيضًا، وإنما يكتشف أن من يدفع راتبه الجديد يريد منه خطابًا مختلفًا.
وبمرور الوقت يصبح الفرق بين (الموقف) و(الوظيفة) أكثر غموضًا.
وهذا هو أحد مفاتيح فهم ظاهرة (التبنكس) التي يمكن أن نطلقها، مجازًا، على انتقال عدد من الإعلاميين من ضفة سياسية إلى ضفة أخرى عندما تتغير موازين القوة والمال. فالمشكلة ليست في أن الصحفي يغير رأيه. من حق الإنسان أن يغير رأيه.
المشكلة تبدأ عندما يتغير الرأي السياسي بصورة تكاد تتطابق مع تغير مصدر الراتب. وهنا يصبح السؤال مشروعًا، لا عن وديع منصور وحده، وإنما عن كل الإعلاميين الذين نراهم ينتقلون من خطاب إلى خطاب، ومن منصة إلى منصة، ومن مشروع سياسي إلى مشروع سياسي آخر.
من زمن الإمارات إلى زمن ما بعد الإمارات
ولفهم ما يحدث في الإعلام الجنوبي اليوم، لا بد من العودة إلى السنوات التي كان فيها الحضور الإماراتي المباشر والعلني في الجنوب أحد أهم مصادر القوة والتمويل بالنسبة إلى منظومة واسعة من المؤسسات والأنشطة الإعلامية والسياسية. في تلك المرحلة، نشأت أو توسعت مؤسسات ومنصات إعلامية عديدة، ووجد عدد من الإعلاميين المحترفين فرصًا للعمل والحصول على دخل أفضل مما كان متاحًا لهم في السوق المحلية.
وهنا لا بد من قول شيء قد لا يروق للبعض:
كان لدى القوى الجنوبية، وخصوصًا المجلس الانتقالي، في تلك المرحلة، هامش مالي وسياسي أكبر بكثير مما هو متاح لها اليوم. لكن السؤال ليس فقط: كم كان المال موجودًا؟
السؤال الأهم: كيف استُخدم ذلك المال؟ وهل جرى بناء مؤسسة إعلامية جنوبية مهنية قادرة على الاستمرار بذاتها؟
هل جرى تأسيس مؤسسات إعلامية مستقرة برواتب عادلة وعقود واضحة وتأمينات وحقوق مهنية؟
هل جرى تدريب الصحفيين وبناء جيل جديد؟
هل جرى إنشاء مؤسسات إعلامية تستطيع أن تبقى حتى بعد تغير الظروف السياسية ومصادر التمويل؟
أم أن جانبًا كبيرًا من ذلك الإنفاق ذهب إلى معارك يومية، ومنصات مؤقتة، وحملات سياسية، وشراء حضور إعلامي قصير الأجل؟
هذه أسئلة ينبغي طرحها اليوم دون خوف.
لأن المال السياسي إذا لم يتحول إلى مؤسسات، فإنه ينتهي بانتهاء تدفق المال. وحين ينحسر التمويل، يبدأ الإعلاميون في البحث عن ممول جديد.
لماذا نرى بعضهم اليوم في «الحدث» و«الجنوب الجديد»؟
هذه هي النقطة التي ينبغي ألا نتعامل معها بمنطق الشتيمة.
إن انتقال إعلاميين جنوبيين إلى مؤسسات ومنصات إعلامية جديدة، بما فيها تلك التي تقدم خطابًا مختلفًا عن الخطاب الذي كانوا يقدمونه في السابق، ليس ظاهرة غريبة في حد ذاتها.
فالصحفي المحترف يبحث عن المؤسسة التي توفر له فرصة العمل.
والسؤال الحقيقي يجب أن يكون: لماذا لم تستطع المؤسسات الجنوبية أن توفر له هذه الفرصة؟
إذا كان إعلامي محترف يستطيع الحصول على راتب أفضل، واستوديو أفضل، وإمكانيات تقنية أفضل، وفرصة ظهور أكبر، ومؤسسة أكثر استقرارًا، فلماذا نتوقع منه أن يبقى في مؤسسة فقيرة فقط لأننا نعتقد أن عليه واجبًا سياسيًا تجاهها؟
هنا يجب أن نكون واقعيين.
لا يمكن بناء إعلام قوي بالشعارات الوطنية وحدها.
ولا يمكن أن نقول للصحفي: (كن وطنيًا)، بينما نتركه عاجزًا عن دفع إيجار منزله أو تعليم أبنائه أو مواجهة التضخم. المهنة تحتاج إلى أجر.
والإعلامي الذي لا يجد من يدفع له بصورة محترمة ومستقرة سوف يبحث، في النهاية، عمن يدفع.
وهذه ليست ظاهرة جنوبية فقط، بل قاعدة تكاد تكون عامة في الإعلام السياسي في المجتمعات الفقيرة والمضطربة.
لكن هل نعفي الإعلاميين من المسؤولية؟ قطعًا لا. ففهم الظروف الاقتصادية لا يعني تبرير كل شيء. هناك فرق بين أن يعمل الصحفي في مؤسسة لا تتفق معها سياسيًا، وبين أن يتحول إلى أداة دعائية لها. وهناك فرق بين أن يغير موقفه بعد مراجعة فكرية حقيقية، وبين أن يصبح خطابه نسخة من خطاب الجهة التي يعمل لديها. وهناك فرق بين الصحفي الذي يقول: (كنت مخطئًا وغيرت رأيي)، وبين الصحفي الذي يغير كل شيء دون أن يشرح للناس لماذا تغير.
بل إن الاعتراف بتغير الموقف يمكن أن يكون علامة قوة لا ضعف.
لو خرج صحفي وقال:
(كنت أؤمن بالانفصال، لكنني راجعت موقفي خلال السنوات الماضية، وأصبحت أرى أن الوحدة في صيغة جديدة أفضل)،
فهذا موقف سياسي مشروع، ومن حقه أن يقتنع به.
أما أن يكون الخطاب في الأمس شيئًا، والخطاب اليوم شيئًا آخر، ثم لا نجد تفسيرًا فكريًا أو سياسيًا لهذا التحول، فمن الطبيعي أن يسأل الجمهور: هل الذي تغير هو الفكر أم الراتب؟
وهذا السؤال لا يخص وديع منصور وحده.
وديع منصور: حالة تستحق التأمل لا التشهير
لهذا السبب أعتقد أن التعامل مع وديع منصور باعتباره «خائنًا» أو «متبنكسًا» منذ اللحظة الأولى قد يكون أسهل من التعامل معه باعتباره حالة صحفية تستحق الدراسة.
فالرجل أعلن موقفًا سياسيًا واضحًا، وهذا الموقف يختلف بوضوح عن الخطاب الذي يتبناه قطاع واسع من الإعلام الجنوبي.
وهل وديع منصور هو الأخير؟
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في نهاية المطاف: هل سيكون وديع منصور آخر الإعلاميين الجنوبيين الذين يتغير خطابهم السياسي، أم أننا سنرى قائمة أطول خلال السنوات المقبلة؟
فالمعادلة الاقتصادية اليوم تقول شيئًا واضحًا: هناك إعلاميون محترفون.
وهناك مؤسسات تبحث عن محترفين. وهناك جهات تملك المال. وهناك جهات فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الإنفاق. وفي مثل هذه البيئة، من الطبيعي أن تتحرك الكفاءات من المكان الأقل دفعًا إلى المكان الأكثر دفعًا.
وقد لا يتوقف الأمر عند وديع منصور.
بل قد نرى خلال الفترة المقبلة صحفيين وإعلاميين آخرين يعيدون تموضعهم السياسي والإعلامي، بعضهم بصورة صريحة، وبعضهم بصورة ناعمة، وبعضهم من خلال الانتقال إلى مؤسسات جديدة دون إعلان موقف سياسي واضح.
والاعلام صناعة تحتاج إلى رأس مال، وإدارة، ومؤسسات، ورواتب، وتدريب، وتقنيات، ومحتوى، وتخطيط طويل الأجل. أما الاعتماد على الولاء السياسي وحده، فلا يكفي وهو نموذج قصير العمر.
زمن البناكس
لذلك، فإن «البناكس» ــ إذا أردنا استخدام المصطلح باعتباره توصيفًا ساخرًا لزمن تتقلب فيه المواقع بحسب القوة والمال ــ لا ينبغي أن نقرأه فقط باعتباره زمن انتهازية الأفراد.
إنه أيضًا زمن ضعف المؤسسات.
فالصحفي الذي يتنقل من جهة إلى أخرى ليس وحده المسؤول.
هناك جهة فقدت قدرتها على الدفع.
وجهة أخرى أصبحت أكثر قدرة على الدفع.
وهناك مؤسسة لم تستطع أن تمنح الصحفي شيئًا سوى خطاب سياسي.
وهناك مؤسسة أخرى أعطته الخطاب والراتب والاستوديو والظهور.
في مثل هذه المعادلة، لا ينبغي أن نتفاجأ عندما يتحرك بعض الإعلاميين.
المفاجأة الحقيقية هي أن نكون قد توقعنا منهم أن يظلوا في أماكنهم إلى الأبد اعتمادًا على الذكريات القديمة.
وفي النهاية...
ليس المطلوب أن يكون الصحفي بلا موقف.
بل المطلوب أن يكون واضحًا في الفصل بين مهنته وموقفه.
وليس المطلوب أن يبقى الإعلامي مؤيدًا لقضية واحدة طوال حياته.
بل المطلوب أن يملك الشجاعة ليقول للناس لماذا تغير.
وليس المطلوب أن يعمل الصحفي مجانًا باسم الوطنية.
بل المطلوب أن يحصل على أجر محترم من مؤسسة تحترم مهنيته.
لكن المطلوب أيضًا من الصحفي ألا يحوّل قلمه وكاميرته وصوته إلى سلعة سياسية خالصة.
أكرر هل سيكون وديع منصور آخر المتبنكسين؟
وديع منصور نموذج ا لتقلبات الصحفيين في زمن البناكس
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
الاول _ من قلب الحدث وديع منصور نموذج ا لتقلبات الصحفيين في زمن البناكس
كانت هذه تفاصيل وديع منصور نموذجًا لتقلبات الصحفيين في زمن البناكس نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

