- الاكثر زيارة- اخبار عربية

اخبار عربية ارتقاء السياسة ونضج النخب

اخبار عربية
هسبريس قبل ساعة و 59 دقيقة

اليكم الان ارتقاء السياسة ونضج النخب والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:

حين يتقدم المغرب.. ينبغي أن ترتقي السياسة وتنضج النخب

لم يعد المغرب اليوم هو المغرب الذي عرفته الأجيال السياسية السابقة. ثمة تحول هادئ وعميق يجري في بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد، تتقاطع فيه مشاريع البنية التحتية الكبرى مع التحولات الاقتصادية، ويتداخل فيه الحضور الإفريقي مع الحركية الدبلوماسية، وتتجاور فيه رهانات التنمية مع الثورة الرقمية وتغيرِ أنماط تفكير الأجيال الجديدة.

إن المجال الأكثر حاجة إلى التجديد هو مجال السياسة، فليس المقصود بالتجديد تغيير الوجوه لمجرد التغيير، ولا استبدال خطاب بآخر، وإنما الانتقال من ثقافة سياسية تستهلك طاقتها في التموقع والصراع إلى ثقافة تجعل من الكفاءة والإنجاز والمسؤولية معيارا للشرعية السياسية. فكلما ارتفع سقف طموحات الدولة، أصبح من الصعب أن تظل الممارسة السياسية محكومة بمنطق المرحلة السابقة. فلقد أصبح المغرب يحتاج إلى سياسة تشبه مغرب اليوم، لا إلى سياسة تستمر في التعامل مع مغرب الأمس.

الدولة تتغير.. والنخب مطالبة بمواكبة التحول

من السهل قياس التحولات المادية التي يعرفها المغرب، يظهر ذلك في مناح عدة من طرق وموانئ ومطارات ومشاريع صناعية، ومدن تتوسع، ومجالات اقتصادية جديدة تظهر، وحضور متزايد في القارة الإفريقية، واستثمارات وشراكات دولية تتسع باستمرار، لكن هناك تحول آخر أقل وضوحا، وأكثر أهمية على المدى البعيد وهو تحول توقعات المواطن المغربي من الدولة ومن السياسة. فالمواطن لم يعد يقيس المسؤول السياسي بعدد الخطب التي يلقيها، وإنما بما يحققه. ولم يعد الخطاب العام قادرا وحده على إنتاج الثقة. فالثقة أصبحت مرتبطة بالنتائج، وبسرعة الاستجابة، وبجودة الخدمات، وبالقدرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، وبمدى احترام ذكاء المواطن، وهذا التحول يفرض على النخب السياسية نفسها إعادة تعريف دورها.

تجنب التراشقات السياسية وتبني الخطاب التفاؤلي

تتطلب المرحلة السياسية الراهنة التحذير من خطورة التراشقات والسجالات العقيمة بين الأحزاب السياسية، لأنها لا تفضي إلى إقناع المواطن بقدر ما تعمّق حالة العزوف وتدفع، على وجه الخصوص، بالشباب إلى الابتعاد عن العمل السياسي. فالشباب لا يحتاجون إلى خطاب يكرّس الصراع وتبادل الاتهامات، وإنما يحتاج إلى خطاب سياسي متفائل واقعي ومسؤول، ينتقل من منطق الشخصنة والشكوى إلى منطق تقديم الحلول والبدائل، ويجعل من البرامج الانتخابية عقودا واضحة وقابلة للقياس والمساءلة.

كما ينبغي الحذر من البرامج التي تستقطب الناخبين عبر إيهامهم بمنح مالية مباشرة، أو تقديم حلول سهلة لمشكلات معقدة، لأن مثل هذا الخطاب، حين يُقدَّم دون توضيح مصادر التمويل وشروط الاستفادة وآليات التنفيذ، قد يرسخ لدى فئات من الشباب ثقافة الاتكال وانتظار المنحة بدل ترسيخ ثقافة المبادرة والاعتماد على الذات.

إن المطلوب في هذه الظرفية الراهنة هو برنامج سياسي يمكّن الشباب ولا يستدرجهم، يفتح أمامهم فرص التكوين والتشغيل والمقاولة والابتكار، ويشجع روح المبادرة الخلاقة والاقتصاد المنتج، ويمنحهم الثقة في قدرتهم على صناعة المستقبل. لذلك فاستقطاب الشباب لا يكون بالوعود السريعة ولا بالتراشق الحزبي، وإنما بإقناعهم بأن السياسة قادرة على إنتاج حلول حقيقية، وأن مشاركتهم ليست مجرد أصوات انتخابية، وإنما يشكلون طاقة مجتمعية ويشاركون في صنع القرار وهم أيضا شركاء في بناء مغرب المستقبل.

من شرعية المنصب إلى شرعية الإنجاز

أحد أكبر التحولات التي ينبغي أن تعرفها الثقافة السياسية يتمثل في الانتقال من النظر إلى المنصب باعتباره امتيازا إلى النظر إليه باعتباره مسؤولية مؤقتة. فالمنصب لا يمنح صاحبه قيمة ذاتية، وإنما يمنحه فرصة لخدمة مؤسسة ومجتمع ودولة. والانتداب الانتخابي ليس ريعا سياسيا، وإنما عقد ثقة مؤقت بين المواطن ومن اختاره لتمثيله.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للمسؤول لا ينبغي أن تقاس بطول بقائه في موقعه، ولا بعدد المناصب التي مر بها، وإنما بما تركه من أثر في المؤسسة التي تحمل مسؤوليتها، هذه الثقافة هي التي تسمح ببناء دولة المؤسسات. أما حين يتحول المنصب إلى غاية، فإن السياسة تفقد تدريجيا معناها العمومي، ويتحول التنافس السياسي من تنافس حول المشاريع إلى تنافس حول المواقع، ومن البحث عن الحلول إلى البحث عن التموقعات، وهنا تصبح السياسة منفصلة عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في خدمة المجتمع وإدارة الاختلاف وصناعة المستقبل.

جيل جديد لا يعيش السياسة بالطريقة القديمة

هناك عامل آخر يجعل تجديد السياسة ضرورة لا خيارا، ويتمثل في التحول الكبير الذي عرفه المواطن المغربي، وخاصة الأجيال الشابة، إذ إن جيل اليوم يعيش في فضاء مفتوح عبر الهواتف الذكية يرى فيها دقائق ما يحدث في عواصم العالم، ومنصات التواصل جعلته يقارن أداء المسؤولين والمؤسسات والتجارب الوطنية المختلفة، كما أن الذكاء الاصطناعي أعاد تشكيل علاقته بالمعلومة والمعرفة والعمل، وهذا الجيل لا يستقبل السياسة بالطريقة التي كانت تستقبل بها الأجيال السابقة الخطاب السياسي. إنه أكثر سرعة في إصدار الحكم، وأكثر قدرة على المقارنة، وأقل استعدادا لقبول التناقض بين الخطاب والممارسة، والأهم من ذلك أنه لا يريد أن يكون مجرد متلق للسياسة، وإنما يريد أن يكون فاعلا، يملك فرصا حقيقية في التعليم والعمل والمبادرة والابتكار، ويريد مؤسسات تستمع إليه، وعدالة في الوصول إلى الفرص، ومسؤولين يمكن مساءلتهم، ولا يرغب في شخصيات محاطة بهالة من الامتياز.

ولهذا فإن أزمة العلاقة بين الشباب والسياسة لا يمكن اختزالها في العزوف الانتخابي أو ضعف الانخراط الحزبي، فجذور المسألة أعمق من ذلك بكثير، وهي مرتبطة بصورة السياسة في الوعي الجماعي، وبمدى قدرة المؤسسات والنخب على إقناع المواطن بأن العمل العام يمكن أن يكون مجالا للإنجاز والاستحقاق وليس مجرد فضاء للصراع على المواقع.

تجديد الأحزاب قبل تجديد الخطاب

لا يمكن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية أزمة الممارسة السياسية، فالأحزاب نفسها مطالبة بإعادة النظر في وظائفه، إذ إن الحزب السياسي في الديمقراطيات الحديثة ليس مجرد آلة انتخابية، ولا شبكة لتدبير الترشيحات، ولا فضاء لتوزيع المواقع، فوظيفته الأساسية أعمق من ذلك وتتجلى في إنتاج الأفكار، وتكوين الكفاءات، وتأطير المجتمع، وصناعة البدائل، وتقديم النخب القادرة على تدبير الشأن العام. ومن دون أحزاب قوية فكريا وتنظيميا، يصعب بناء حياة سياسية قوية.

إن الحزب الذي لا ينتج أفكارا يتحول إلى تنظيم انتخابي. والحزب الذي لا يجدد نخبه يتحول إلى بنية مغلقة. والحزب الذي لا يفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة يخاطر بفقدان صلته بالمجتمع المتغير. لذلك فإن تجديد السياسة يبدأ من إعادة الاعتبار للفكرة السياسية، فمغربنا الحبيب لا يحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يجيدون وصف الواقع، بقدر حاجته إلى سياسيين يستطيعون تفسيره واقتراح البدائل لتغييره.

المغرب يحتاج إلى نخبة بحجم المرحلة

المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، فالعالم نفسه يتغير بوتيرة غير مسبوقة، ذلك أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاقتصاد والإعلام والتعليم، كما أن المنافسة الدولية تتزايد، والتحولات الجيوسياسية تعيد رسم موازين القوى، والاقتصادات الوطنية أصبحت أكثر ارتباطا بالسلاسل العالمية، وفي مثل هذه البيئة لا يمكن أن تكون النخبة السياسية أسيرة الملفات الصغيرة، فالمطلوب هو الانتقال من إدارة اليوم إلى صناعة الغد.

وهذا يعني أن السياسي المغربي يحتاج إلى أن يمتلك أفقا استراتيجيا، وأن يفهم موقع المغرب في محيطه الإفريقي والمتوسطي والدولي، وأن يدرك أن السياسة الداخلية أصبحت مرتبطة بصورة الدولة في الخارج، وأن الأداء المؤسساتي أصبح جزءا من القوة الناعمة للدولة. فالمغرب الذي يبني موقعا اقتصاديا ودبلوماسيا متقدما يحتاج إلى نخبة سياسية قادرة على مواكبة هذا الموقع معرفيا ومؤسساتيا وأخلاقيا.

السياسة التي يستحقها المغرب

المغرب لا يحتاج إلى مزيد من المعارك الكلامية، وإنما إلى مزيد من الأفكار، ولا يحتاج إلى تضخيم الأشخاص، وإنما إلى تقوية المؤسسات. ولا يحتاج إلى سياسيين يملكون أجوبة جاهزة لكل شيء، وإنما إلى مسؤولين يمتلكون الشجاعة للاعتراف بما لا يعرفونه، والقدرة على الاستعانة بالخبراء، والاستعداد للتعلم، والإرادة لتحويل المعرفة إلى قرار.

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إنجاز المشاريع الكبرى، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج نخبة سياسية تتناسب مع حجم هذه المشاريع وطموحات المجتمع. ولهذا فإن اللحظة المغربية الراهنة تحتاج إلى عقد جديد بين السياسة والمجتمع؛ عقد تكون فيه الكفاءة أساسا للتقدم، والمساءلة شرطا للمسؤولية، والإنجاز معيارا للتقييم، والمصلحة العامة سقفا لا يجوز تجاوزه .لقد تغير المغرب، وتغير المجتمع، وتغير المواطن، وتغيرت أدوات الاتصال، وتغيرت طبيعة الدولة نفسها في علاقتها بالاقتصاد والمجتمع والعالم، ولذلك لا يمكن للسياسة أن تظل ثابتة.

المغرب الذي يتقدم في البنية والاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا، يحتاج إلى أن تتقدم معه الثقافة السياسية، وأن ترتقي نُخبه إلى مستوى التحول الوطني، فالبلدان الكبرى لا تصنعها المشاريع وحدها، وإنما تصنعها أيضا العقول التي تديرها، والنخب التي تحمي مؤسساتها، والسياسيون الذين يعرفون أن المنصب عابر، وأن الدولة باقية، وأن التاريخ لا يحتفظ بأسماء من شغلوا الكراسي بقدر ما يحتفظ بأسماء من أضافوا شيئا إلى أوطانهم.

لا تحتاج السياسة المغربية إلى مزيد من السياسيين فحسب، وإنما إلى مزيد من رجال ونساء الدولة؛ إلى نخب ترى في السلطة مسؤولية، وفي المؤسسة أمانة، وفي المواطن شريكا، وفي المستقبل مشروعا جماعيا، وهذا هو المستوى الذي يليق بمغربٍ يتغير بخطى ثابتة، ويمضي بثقة نحو المستقبل في ظل التوجيهات السديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ورؤيته الاستراتيجية لبناء مغرب حديث قوي ومتقدم.

– رئيس جامعة محمد الأول، وجدة

ارتقاء السياسة ونضج النخب Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)

كانت هذه تفاصيل ارتقاء السياسة ونضج النخب نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اهم الاخبار في اخبار عربية اليوم