اخبار عربية العلاقات المغربية الإسبانية.. من هواجس النفوذ إلى منطق التأثير المتبادل
اليكم الان العلاقات المغربية الإسبانية.. من هواجس النفوذ إلى منطق التأثير المتبادل والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس:
تحتاج العلاقات المغربية الإسبانية اليوم إلى قراءة تتجاوز الملفات التقليدية المرتبطة بالأمن والهجرة والتجارة، لتصل إلى مجالات أكثر حساسية وعمقاً، وفي مقدمتها الدين والثقافة والهوية؛ فالعلاقة بين البلدين لم تعد مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين يفصل بينهما مضيق، وإنما أصبحت علاقة تجمعها مصالح اقتصادية واسعة، وتاريخ مشترك، وروابط بشرية وثقافية متشابكة، فضلاً عن وجود جالية مغربية كبيرة في إسبانيا. ولهذا فإن طريقة تعامل كل طرف مع الحضور الثقافي والديني للطرف الآخر أصبحت عنصراً أساسياً في بناء الثقة أو إضعافها.
يعيش في إسبانيا نحو مليون مغربي، بينما يقترب عدد المسلمين في البلاد من مليوني شخص. وهذا الحضور يجعل من الصعب النظر إلى الدين والثقافة باعتبارهما ملفين منفصلين عن العلاقات المغربية الإسبانية؛ فالجالية المغربية ليست مجرد جالية اقتصادية، وإنما هي مجتمع بشري له ذاكرة ولغة وروابط عائلية وثقافية ودينية تمتد إلى المغرب.
ويظهر في هذا المجال نوع من الحذر الإسباني تجاه الحضور المغربي، خصوصاً في المجال الديني. ولا يتعلق الأمر باتهام إسبانيا كلها أو مؤسساتها كافة، وإنما بقراءة توجهات وسياسات وممارسات ظهرت في مراحل مختلفة، وأصبحت تثير سؤالاً مشروعاً حول حدود قبول إسبانيا بالتأثير الثقافي والديني المغربي داخل مجتمع يضم عدداً كبيراً من المواطنين والمقيمين من أصول مغربية. فهذا الحذر لا يظهر فقط في الخطاب السياسي والإعلامي، وإنما يمكن ملاحظته أيضاً في الطريقة التي جرى بها تنظيم وتمثيل الشأن الإسلامي داخل إسبانيا، وفي طبيعة الفاعلين الذين أُسندت إليهم أدوار في هذا المجال.
ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى اتفاق التعاون الذي أبرمته الدولة الإسبانية سنة 1992 مع اللجنة الإسلامية في إسبانيا، باعتباره الإطار القانوني الأساسي الذي كان يفترض أن ينظم علاقة الدولة بالمسلمين ويضمن لهم مجموعة من الحقوق الدينية. غير أن التجربة أظهرت فجوة بين الاعتراف القانوني والتطبيق، إذ أدى إشراك هيئتين إسلاميتين واستمرار الخلاف بين مكونات التمثيلية إلى صعوبة التوصل إلى توافق. ويرتبط ذلك بخيارات إسبانيا في بناء التمثيلية الإسلامية، إذ تعاملت مع شخصيات من خلفيات متعددة، بينها تيارات مرتبطة بالإسلام السياسي، دون انفتاح مماثل على المرجعية الدينية المغربية القائمة على إمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي المرجعية التي ينتمي إليها نحو مليون مغربي يعيشون في إسبانيا، يمثلون الأغلبية الساحقة من الجالية المسلمة في إسبانيا.
ونتج عن ذلك تمثيل لا يعكس دائماً الوزن الاجتماعي والديمغرافي لمختلف مكونات الجالية، خصوصاً المغاربة؛ فالقوة التمثيلية لا تُقاس بالاعتراف القانوني وحده، بل بمدى التعبير عن قاعدة اجتماعية حقيقية والدفاع عن مصالحها.
وهذه ليست مسألة شكلية، لأن الحقوق الدينية لا يكفي أن تكون منصوصاً عليها في القانون، وإنما تحتاج إلى آليات تمثيلية قادرة على التفاوض مع الدولة وتحويل النصوص إلى سياسات وإجراءات عملية. ولذلك فإن استمرار الانقسام في التمثيلية الإسلامية لا يخدم المسلمين ولا يخدم الدولة الإسبانية نفسها، بل يجعل اتفاق التعاون إطاراً قانونياً مهماً يصعب أحياناً تحويله إلى ممارسة متكاملة.
ويزداد النقاش حساسية عندما ننتقل إلى مسألة المساجد والمراكز الإسلامية؛ فمن الوقائع القائمة على الأرض أن عدداً من المساجد والمراكز الإسلامية في إسبانيا، وخاصة في مدريد وجنوب البلاد، استفادت من تمويلات أجنبية، ومن بينها تمويلات خليجية. والمسجد الكبير في مدريد مثال بارز على هذا الحضور الخارجي، كما توجد في مناطق مختلفة من الجنوب الإسباني مؤسسات ومساجد ارتبط إنشاؤها أو تمويلها بمساهمات قادمة من دول خليجية.
ولا يتعلق الأمر هنا بتوجيه اتهام إلى هذه الدول أو إلى المؤسسات التي ساهمت في التمويل، وإنما بوصف واقع مؤسساتي قائم. لكن هذا الواقع يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة المعايير المعتمدة في التعامل مع الحضور الديني الأجنبي: لماذا يكون التمويل أو الحضور الديني القادم من دول أجنبية أمراً مقبولاً، بينما يصبح التواصل الديني المغربي، عندما يتعلق الأمر بمساجد أو أئمة أو جمعيات أو مؤسسات ذات صلة بالمغرب، موضع حذر وشكوك متكررة؟.
إن المغرب لا يمثل في إسبانيا حالة أجنبية عابرة، فالجالية المغربية من أكبر الجاليات الأجنبية في البلاد، ولها امتداد اجتماعي وعائلي واسع.
كما أن ارتباط المسلمين المغاربة بمرجعيتهم الدينية المغربية يستند إلى تقليد تاريخي واضح يقوم على إمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني. ولذلك فإن التواصل مع المؤسسات الدينية المغربية لا ينبغي أن يتحول، بمجرد وجوده، إلى شبهة أو قرينة على نشاط غير مشروع.
وتطرح مسألة التعليم والثقافة بدورها أسئلة لا تقل أهمية، فهناك اتفاقات ثنائية بين المغرب وإسبانيا تنظم التعاون في مجال تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية لأبناء الجالية. وقد نص اتفاق التعاون الثقافي الموقع بين البلدين على تسهيل تعليم اللغة العربية للتلاميذ المغاربة في المؤسسات التعليمية الإسبانية.
غير أن واقع تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية في بعض المناطق يثير تساؤلات حول مدى تنفيذ هذه الالتزامات، خصوصاً عندما تظهر صعوبات أو تضييقات في بعض الأقاليم، ومنها مدريد والأندلس. وإذا كانت الاتفاقات الثنائية تضع إطاراً للتعاون في هذا المجال فإن احترامها ينبغي أن يكون جزءاً من الثقة المتبادلة بين البلدين، لا أن يظل رهيناً بالظروف المحلية أو بتقديرات إدارية متباينة.
وهنا تبرز مفارقة واضحة: في وقت تحرص إسبانيا على توسيع حضور اللغة والثقافة الإسبانيتين داخل المغرب، من خلال المؤسسات الثقافية والتعليمية والشراكات الجامعية، وفي مقدمتها معهد سربانتيس، فإن أي تراجع في تعليم العربية أو التعريف بالثقافة المغربية داخل المدارس الإسبانية يطرح سؤالاً حول التوازن في العلاقات الثقافية بين الطرفين.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بامتياز خاص للمغاربة، وإنما بتطبيق مبدأ المساواة والوفاء بالالتزامات المتفق عليها؛ فإذا كان من حق إسبانيا أن تنشر لغتها وثقافتها في المغرب فمن حق المغاربة في إسبانيا أن يحافظوا على لغتهم وثقافتهم وأن ينقلوها إلى أبنائهم في إطار القانون.
وتطرح بعض الأوساط المغربية كذلك مسألة التعامل مع فاعلين دينيين مغاربة أو من أصول مغربية بدعوى وجود صلات أو تواصل مع المغرب. وهنا ينبغي أن يكون المبدأ واضحاً: إذا كان الأمر يتعلق بأفعال مخالفة للقانون أو تهديداً حقيقياً للأمن فمن حق السلطات الإسبانية اتخاذ الإجراءات التي يتيحها القانون. أما إذا كان مجرد التواصل مع مؤسسات دينية أو ثقافية مغربية يتحول إلى سبب للريبة أو الإبعاد فإن الأمر يحتاج إلى أدلة واضحة وإلى احترام كامل للضمانات القانونية، لأن التواصل مع بلد الأصل ليس في حد ذاته دليلاً على نشاط غير مشروع.
وينبغي أن ينطبق المبدأ نفسه على مساطر الحصول على الجنسية الإسبانية، فإذا كانت هناك حالات لمواطنين مغاربة واجهوا صعوبات أو تحفظات بسبب علاقات أو اتصالات مفترضة مع جهات مغربية فإن المطلوب هو أن تستند القرارات إلى أسباب قانونية محددة وثابتة، لا إلى مجرد الاشتباه أو افتراضات غير مثبتة؛ فالجنسية قرار قانوني، ولا ينبغي أن تتحول الروابط الطبيعية للمواطن المغربي ببلده الأصلي إلى قرينة ضده ما لم توجد وقائع ثابتة تبرر ذلك قانوناً.
إن المغربي الذي يصبح مواطناً إسبانياً لا يفقد، بمجرد حصوله على الجنسية، ذاكرته أو لغته أو ثقافته أو علاقاته الأسرية والاجتماعية بالمغرب. والاندماج في المجتمع الإسباني لا يعني اقتلاع الإنسان من جذوره؛ بل إن الاندماج الحقيقي يقوم على قدرة الإنسان على المشاركة الكاملة في المجتمع الذي يعيش فيه، مع الحفاظ على هويته الثقافية في إطار احترام القانون.
ومن هنا ينبغي التمييز بوضوح بين مفهومين: التأثير والتدخل؛ فالتأثير الثقافي والديني والاجتماعي ظاهرة طبيعية في العلاقات الدولية، أما التدخل في الشؤون الداخلية فهو مسألة أخرى لها قواعدها القانونية والسياسية. ولا ينبغي الخلط بين الإثنين.
فإسبانيا نفسها تمارس تأثيراً ثقافياً واسعاً في المغرب من خلال اللغة والتعليم والمؤسسات الثقافية والجامعات. والمغرب لا يرى في هذا الحضور تهديداً، بل يمكن أن يعتبره جزءاً من الدبلوماسية الثقافية الطبيعية بين بلدين متجاورين. وفي المقابل ينبغي أن يُنظر إلى الروابط الثقافية والدينية المغربية في إسبانيا باعتبارها جزءاً من واقع المجتمع الإسباني نفسه.
المشكلة، إذن، ليست في التأثير، وإنما في النظرة الأحادية إليه؛ فالعلاقات بين الدول لا يمكن أن تقوم على قاعدة يكون فيها تأثير طرف مشروعاً، بينما يصبح تأثير الطرف الآخر موضع شك دائم. كما لا يمكن التعامل مع الجالية باعتبارها مجالاً للتنافس على النفوذ، لأنها في نهاية المطاف جسر بشري بين المجتمعين.
إن المغرب لا يطلب من إسبانيا التخلي عن حضورها الثقافي في المغرب، ولا ينبغي أن يكون ذلك هدفاً أصلاً؛ بل إن استمرار هذا الحضور وتطويره يمكن أن يكون مفيداً للبلدين، لكنه ينتظر في المقابل أن يُنظر إلى الحضور الثقافي والديني المغربي في إسبانيا بالمنطق نفسه.
لقد جعل التاريخ من المغرب وإسبانيا جارين، وجعل الاقتصاد والمصالح المشتركة منهما شريكين، وجعلت الهجرة والجالية منهما مجتمعين متداخلين؛ ولذلك فإن المستقبل يفرض عليهما صياغة علاقة أكثر نضجاً، تقوم على قاعدة بسيطة ولكنها أساسية: لا يمكن بناء الثقة بمحاولة الحد من تأثير أحد الطرفين، وإنما بالاعتراف بالتأثير المتبادل وتنظيمه في إطار القانون والشفافية والاحترام.
فالمغرب وإسبانيا يمتلكان تاريخاً مشتركاً، وحاضراً مشتركاً، ومصالح مشتركة، والأهم أن لهما مستقبلاً مشتركاً؛ ولذلك فإن احترام كل طرف لهوية الآخر وروابطه الثقافية والدينية ليس تنازلاً من طرف لآخر، وإنما شرط أساسي لبناء علاقة إستراتيجية حقيقية ومستدامة؛ فالمصير المشترك لا يعني تطابق الهويات، وإنما يعني القدرة على إدارة الاختلاف والتنوع على أساس الاحترام المتبادل.
العلاقات المغربية الإسبانية.. من هواجس النفوذ إلى منطق التأثير المتبادل Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المزيد من التفاصيل من المصدر - (اضغط هنا)
كانت هذه تفاصيل العلاقات المغربية الإسبانية.. من هواجس النفوذ إلى منطق التأثير المتبادل نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
و ننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل فيبرسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.